المسكوت عنه في الربيع العربي

كرم الحفيان

مقدمة

تغيرات كبرى شهدها العالم العربي في العقد الفائت على مختلف الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية. فمن تفكك شبه كامل لنظم سياسية استبدادية (سوريا -اليمن- ليبيا- العراق)، وزيادة سلطوية نظم أخرى (مصر والسعودية)، أضف إلى ذلك الانهيارات الاقتصادية غير المسبوقة في مصر وسوريا واليمن والعراق، فضلاً عن التحولات الاجتماعية الجذرية، سواءً على الصعيد البنيوي أو الأيديولوجي والثقافي، وصولاً إلى تغير الخرائط السياسية وتدخل القوى العالمية عسكرياً وتمدد دول إقليمية خارج حدودها وتشكل مشاريع وتثبيت تحالفات استراتيجية جديدة. هدف هذه المقالة هو تسليط الضوء على بعض التغيرات العميقة التي لا يُتطرق إليها إعلامياً في غالب الأحيان.

بدايةً، عند التعامل مع حدث عالمي جلل كالثورات العربية التي بدأت منذ عشر سنين فقط، ونجحت في خلخلة وتفكيك أعتى دول ما بعد الاستعمار وأشدها سلطوية وطائفية، عند الحديث عن أمر كهذا ينبغي تجنب النظرة الأحادية والتقييم الاختزالي اللحظي ومقاربة الحدث من مختلف زاوياه الذاتية والزمنية والموضوعية.

ثمانية تغييرات كبرى

التغيير الجذري الأول المشاهد في عدة أقطار عربية كسوريا واليمن وليبيا والعراق، هو إعادة توزع القوة بين الدولة والمجتمع. فالسلطة لم تعد تحتكر السلاح الذي مكنها من فرض أجندتها ورؤيتها ما بعد الاستعمارية، وقد سقط جزء كبير من رهبتها في القلوب. ومعدلات التوحش واستخدام السلاح ضد السلطة ومؤسساتها العسكرية والأمنية زادت ورسخت ضمن شرائح مجتمعية واسعة. أضف إلى ذلك تطور التصنيع العسكري عند ثوار سوريا خلال العقد الفائت. هذا الأمر شمل الصواريخ المحلية الفعّالة بنماذجها المختلفة[1]، ومؤخراً بدأت عملية تصنيع العربات العسكرية بأيدي ثورية[2].

والتغيير الثاني مرتبط بالتغيير الأول إلى حد كبير، وهو تقلص هيمنة الدول على نشاطات المجتمع المختلفة وفي مقدمتها مجالات التعليم والتثقيف والتربية، سواءً بخروج مناطق عن سيطرتها كلياً (عسكرياً) أو جزئياً (مجتمعياً). ما يعني توقف أو على الأقل تراجع خطط الهندسة الاجتماعية وبرمجة عقول الأجيال عبر المؤسسات التعليمية الرسمية ومراحلها الدراسية الطويلة، والعودة التدريجية لحرية التعليم والثقيف، كما كان الحال قبل عصور الاستعمار والتحديث. وفي هذا الإطار تأتي ظاهرة نهضة مدارس القرآن في الشمال السوري على سبيل المثال[3].

النقطة الأخيرة تقودنا للتغيير الثالث وهو التحولات الفكرية السلوكية الكبرى، وفي طليعتها بروز ما يمكن أن نسميه بظاهرة “التدين الثوري” في مقابل التدين المحافظ، أو التدين الرسمي الموالي للسلطات، أو التدين الإصلاحي الحركي الحديث. وهذا تحول غير مسبوق في كمه وكيفه. فمن ناحية الكم، لم يعد الأمر مقتصراً على أفراد أو مجموعات صغيرة، إنما بات هذا الاتجاه عنواناً لتيارات مجتمعية تقليدية كبيرة كانت محافظة سياسياً. ومن ناحية الكيف، فهذا التدين الثوري يختلف عن الأيديولوجيات الجهادية المعاصرة، فهو لا يحمل أدبيات أو خططاً وبرامج عمل خاصة بتنظيمات معينة. إنما هو حالة شعبية عامة لا تختلف في نموذجها عن التدين التقليدي العام إلا بالتوجه الثوري. على صلة بما سبق، يبرز التغيير الرابع الهام وهو الانفتاح الفكري والمعرفي عند قطاعات شبابية عربية كثيرة على الصعيد الفردي أو الجماعي، فقد أُسست مراكز بحثية عربية كثيرة جداً همها الشأن العام، ومجالات اهتمامها تتمحور حول العلوم الإنسانية والشؤون السياسية والدراسات الاستراتيجية والأمنية، الأمر الذي كان ممنوعاً في السابق، ومقصوراً على الأنظمة السياسية وأجهزتها الاستخباراتية والأمنية.

والتغيير الخامس الذي بدأت تلوح بوادره، هو انكماش أطروحات التيارات الإسلامية التي نشأت وبرزت بعد سقوط الخلافة وأقصد تحديداً مدرستي الإخوان المسلمين والسلفية المعاصرة بتفرعاتهما الكثيرة، وبدء عودة الفعالية الحركية والسياسية للمناهج والهياكل التقليدية (المذهبية- القبلية)، سواءً في صف الثورات أو في صف الثورة المضادة.

سادساً، وبخصوص إعادة رسم الخرائط السياسية والتحالفات الاستراتيجية في المنطقة، أدت الثورة العربية إلى تقدم المشاريع الإقليمية وتقلص المشاريع الوطنية والعولمية. فقد اُنتهكت “السيادة الوطنية” للكثير من الأنظمة العربية وقُسِّمت الدول عملياً على أرض الواقع، ومن ناحية أخرى تراجعت إلى حدٍ كبير مشاريع العولمة السياسية في منطقتنا. هذا التحول ينطبق على الدول كما يشمل مشاريع الحركات الإسلامية.

فعلى صعيد الدول، لا يخفى على أحد التمدد التركي الكبير ذو الطابع الاستراتيجي في الآونة الأخيرة في سوريا وليبيا على المستويين العسكري والمدني، وربما تلحق بهما اليمن في القريب العاجل. وكانت إيران قد سبقت تركيا في العراق وسوريا واليمن وغيرها. أما على صعيد الحركات الإسلامية، فهناك تراجع واضح للتنظيمات ذات المشاريع العالمية كالإخوان المسلمين والقاعدة وحتى داعش، وبدء ظهور التيارات الإسلامية المحلية المشبكة استراتيجياً مع القوى الإقليمية آنفة الذكر.

التغيير السابع، هو انطلاق قافلة التطبيع العلني الجماعي مع الكيان الإسرائيلي والانكشاف المتوالي لأنظمة عربية عديدة، في مقدمتها الإمارات والبحرين ثم المغرب والسودان، مع مؤشرات قوية بلحاق دول أخرى بهم على رأسها المملكة العربية السعودية. وقد بدأ الترويج من بعض الدول الخليجية للاصطفاف خلف إسرائيل في محور استراتيجي سياسي وعسكري ظاهره وشعاره الوقوف ضد التمدد الإيراني وباطنه وبوصلة عمله الأساسية هو مواجهة الثورات العربية والصعود التركي ودعم الانقلاب عليهما وإسقاطهما بكافة الوسائل الاقتصادية والعسكرية والسياسية.

التغيير الثامن والأخير هو بروز رموز وقدوات ثورية معاصرة ومبهرة على الصعيد الفدائي والأخلاقي كعبد القادر الصالح “حجي مارع” وعبد الباسط الساروت في سوريا وغيرهم الكثير، أو على صعيد الوعي السياسي والثوري واستشراف مستقبل الأحداث وتموجاتها، وصياغة خطاب وتيار ورؤية إسلامية ثورية جديدة كحازم صلاح أبو اسماعيل وحسام أبو البخاري في مصر وغيرهما الكثير أيضاً. أو على صعيد صيانة شرف العلم الشرعي واستعادة الصورة المشرقة للعالم المجاهر بالحق كمفتي الثورة الليبية الشيخ الصادق الغرياني. والمميز في هذه النماذج هو أن رمزيتها ليست مقصورة على أتباع أحزاب أو مدارس فكرية معينة، إنما غدت رموزاً ثوريةً إسلامية عامة ذات شعبية عابرة للتنظيمات والتيارات والحدود النفسية والجغرافية.

خاتمة

إذن، فالثورات العربية أتت بتغييرات كبرى مسكوت عنها إعلامياً في غالب الأحيان، وهي ثمانية: إعادة توزع وتوازن القوة بين الدولة والمجتمع، وتحرر بعض المجتمعات من هيمنة الدولة على الأنشطة المجتمعية خاصة الثقافية والتعليمية، وولادة تيارات دينية ثورية محلية كبيرة من رحم المجتمعات، إضافة إلى الانفتاح المعرفي والثقافي وانطلاق العمل البحثي في علوم ومجالات اجتماعية وسياسية واستراتيجية كانت محتكرة سابقاً من دول ما بعد الاستعمار. التغيير الخامس هو انكماش أطروحات التيارات الإسلامية المعاصرة كالسلفية والإخوان وتجدد فعالية الهياكل والمناهج التقليدية المذهبية والقبلية. فضلاً عن إعادة رسم الخرائط السياسية لتحل المشاريع الإقليمية مكان المشاريع الوطنية ولتتقلص المشاريع العالمية، سواءً كانت مشاريع دول أو حركات وأحزاب إسلامية. التغيير قبل الأخير هو انكشاف المطبعين الجدد مع إسرائيل والمصطفين خلفها لضرب الثورات العربية والنهضة التركية، وأخيراً: بروز رموز وقدوات ثورية إسلامية عامة معاصرة وملهمة على كافة الأصعدة الأخلاقية والفدائية والفكرية، وعابرة للانتماءات الحزبية الفرعية. ومن المتوقع خلال السنوات القليلة القادمة تفاعل هذه المتغيرات (وغيرها) بصورة أكبر وظهور آثارها في إعادة بناء كثير من مجتمعات الثورات العربية بصور وأنماط وهياكل مفاجئة للمشغولين بالماجريات!

[1]  انظر: تقرير خاص لقناة الجزيرة من داخل حلب، صواريخ الجيش الحر في مواجهة صواريخ النظام السوري، 26 يونيو 2013م.

انظر ايضاً: الجيش السوري الحرالجبهة الجنوبية: انفوغرافيك صاروخ عمر، 21 يوليو 2016م.

[2]  انظر: آرام ميديا، عربة الفهد صناعة ثورية، 9 يوليو 2019م.

انظر: أورينت نيوز، على غرار الكوبرا التركية..مدرعة بتطوير محلي وتوقيع الفصائل المقاتلة، 6 ديسمبر 2018م.

[3]  انظر: طيف بوست، نهضة علمية كبيرةتخريج المئات من حفظة القرآن الكريم على امتداد الشمال السوري ، رامي فاخوري، 3 فبراير 2021م.

أيضاً: مركز الصحافة الاجتماعية، حفل تكريم 105 حافظ وحافظة للقرآن الكريم في مدينة إعزاز بريف حلب الشمالي، 29 يناير 2021م.

أيضاً: د. عبد المنعم زين الدين، تكريم 140 حافظ وحافظة للقرآن في إدلب، 28 يناير 2021م.

اترك تعليقاً

Enable Notifications    OK No thanks