المرحلية في استدعاء الحكم الإسلامي

إعداد: د. عبد الحق دحمان

الوحدة السياسية، مركز المجدد للبحوث والدراسات

abdelheqdahman@almojaded.com

 

   تنبع أهمية الدساتير في أنها تحتوي العديد من التطلعات الجماعية للمجتمع، بالإضافة إلى القواعد التي بموجبها يتم تنفيذ الخيارات الجماعية في المستقبل. لذا يعتبر مبدأ سمو الدستور إحدى مقومات دولة الحق والقانون.  في هذا الصدد نصّت بعض الدول الإسلامية على أن الإسلام هو مصدر التشريع، في حين اعتبرته أخرى مصدراً رئيسياً بالإضافة الى وجود مصادر أخرى مكملة. وفي الواقع تحتوي أغلب الدساتير في الدول ذات الغالبية المسلمة على مفاهيم معينة من الشريعة، تراوحت بين النماذج الأكثر صرامة كإيران وباكستان، والسعودية. في حين هناك نماذج لحالات متساهلة نوعاً ما كألبانيا وبنغلادش وأندونيسيا. وتكشف أهمية الشريعة في الدساتير عن قدر كبير من الاختلاف لناحية دورها في هذه البلدان. على سبيل المثال تعتبر القوانين المخالفة للشريعة باطلة في أفغانستان وإيران والعراق وباكستان واليمن. مما يعني منطقياً أن هذه الدول تعتبر أكثر إسلامية من منظور دستوري. ويوجد نماذج لدول تدمج الشريعة في نظامها القضائي من خلال إنشاء محاكم دينية (بروناي، غامبيا، أندونيسيا، الأردن، نيجيريا…). مقابل ذلك اختارت دول أخرى ذات أغلبية مسلمة مساراً أكثر علمانية.

الحديث عن دور الإسلام كدين للدولة أو مصدر للتشريع، أو أن الحديث عن رئيس الدولة يجب أن يكون مسلماً، هل هذا يعني أننا بصدد الحديث عن نظام حكم ينتسب إلى النظرية الإسلامية؟ ذلك أن طبيعة الدساتير في شكلها الحالي هي تعبير عن واقع مجتمعي أو حالة شخصية مرتبطة بشخص رئيس الدولة وليس لها أي بعد إلزامي لناحية بنية الدولة وتنظيمها المؤسسي. وإذا أخذنا الدولة الحديثة بمفهومها الغربي كمعطى ثابت يكون دور الدين كمؤسسة من المؤسسات أي انه يشكل جزءاً من الكل، وليس هو الكل الذي ينعكس على روح الدولة التي تقوم بدورها في تطبيق الشريعة. وعليه فكون غالبية الشعب يدينون بالإسلام لا يعني أننا بصدد الحديث عن نظام حكم إسلامي، وكون الحديث عن الإسلام كمصدر للتشريع لا يعني أن الممارسات قد تكون إسلامية. لأن البعد المعياري للدستور الإسلامي أصبح يتم في سياق معياري مختلف تماماً وهو سياق الدولة الحديثة التي جاءت كثمرة مقتطعة من تجربة تاريخية طويلة عرفتها أوربا. بالتالي استدعاء الحكم الإسلامي في هذا السياق قد يخلق معضلة لجهة السعي نحو إقامة حكم معياري (الإسلام) في سياق معياري مختلف.

 يتوسع البحث في سياق الدعوة إلى الحكم الاسلامي في هذه الحالة نحو إشكالات خاصة بوفاء الدول بتطبيق الشريعة كمصدر للتشريع، بالتالي فالبحث المستقبلي الذي لابد منه في اتجاه تأسيس دستور إسلامي نموذجي لا يجب أن يُعنى بالبحث في تأثير الإسلام على محتوى الدستور فقط، بل من حيث تنفيذه فعلياً؛ حيث لوحظ كثيراً في العديد من الدول الإسلامية أن الأحكام الدستورية تعمل على عكس واقعها الدستوري، بالتالي التدقيق في الإجراءات الواقعية يكون بدءاً من التفريق بين ما هو منصوص عليه دستورياً وما مدى تطبيقه على الواقع الدستوري، نتيجة لذلك تظهر لنا دساتير ضعيفة تحتوي على القليل من الوعود والأداء. كما تظهر دساتير زائفة، أي التي تعد بالكثير ولا تقدم إلا القليل. ومنه فالدستور ليس مجرد دعوة لمبادئ وإجراءات فنية بقدر ما هو ممارسة. لذلك فإن معايير الحكم على إسلامية الدولة، يقتضي أولاً فتح نقاش حول طبيعة الدستور الضامن للمبادئ والأحكام السياسية الإسلامية فيه. لأن تأسيس دستور إسلامي نموذجي سيفترض أنه سيحدد طبيعة الدولة ونظامها السياسي وكذا نظام الحكم فيها، بالتالي الحديث عن دستور إسلامي يعني الحديث عن دولة إسلامية يكون نظامها السياسي ونظام حكمها إسلامي. والدعوة إلى حكم إسلامي بدون مناقشة مسألة الدولة ونظامها السياسي، يطرح تساؤلاً بشأن طبيعة الدولة والنظام السياسي الذي يحتضن نظام حكمها، بعبارة أخرى استدعاء الحكم الإسلامي في سياق دولة ونظام يحمل معيارية غير إسلامية، يجعل من فكرة الحكم الإسلامي غير مكتملة. على سبيل المثال تبنت الكثير من الحركات الإسلامية فكرة استدعاء الحكم الاسلامي في سياق الدولة الحديثة وفق اتجاهين؛ اتجاه جوهراني، واتجاه سياقي، فانتهى بالأولى لأن تكون على هامش النظام وربما تم استئصالها جذرياً، في حين التي تبنت وجهة النظر الثانية قد صارت ملحقة بالنظام ولا تختلف كثيراً عن الأحزاب العلمانية في بعض جوانبها. لتواجه بالتالي العديد من الأسئلة الصعبة التي تحتاج إلى إجابة على رأسها أين هو نظام الحكم الإسلامي الذي تم انتخابكم على أساسه؟

بالتالي استدعاء الحكم الإسلامي في ضوء هذا الجدل له اتجاهين؛ أولاً إذا أخذنا الدستور المعبر عن طبيعة الدولة ونظامها السياسي الحديث كمعطى ثابت De Facto لا كما ينبغي أن يكون، فكيف يمكن استدعاء الحكم الإسلامي في سياق الدولة والنظام السياسي الحديث. بعبارة أخرى كيف يمكن للداعين إلى الحكم الإسلامي كنموذج معرفي أن يعززوا تواجدهم كقوة طرح بديلة لها خصوصيتها المعيارية في سياق دولة ونظام سياسي قد تم الحسم فيه كنموذج وضعي. ثانياً: إذا كانت الدعوة إلى الحكم الإسلامي تقتضي أولاً الحديث عن طبيعة الدستور المراد تطبيقه، وهذا الأخير هو الذي سيحدد طبيعة الدولة، ونظامها السياسي، ثم في الأخير نظام الحكم فيها، فهل ضروري احترام هذه التراتبية قبل الحديث عن الحكم الإسلامي؟ بالنظر إلى أن القاعدة الأساسية هي أن الدولة ليست النظام السياسي، وهذا الأخير ليس هو نظام الحكم، وكما أنه يوجد تداخل في الوظائف فإن هناك خطوطاً فاصلة تميز كل نظام عن الآخر، فما يميز الدولة هو السكون والبقاء، في حين أن النظام السياسي هو نظام سلوكي بالأساس يؤثر ويتأثر بالبيئة المحيطة، أي أنه نظام تكيفي يسعى إلى البقاء في ظل بيئة ديناميكية مفتوحة. أما نظام الحكم فما يميزه هو التغير المستمر (السلمي/ العنيف) نظراً للاستحقاقات التي يواجهه بشكل دوري (انتخابات، إصلاح، انقلابات، ثورة، حرب…). لذا يفترض المنظور السياقي أن المجال التداولي للأحزاب السياسية هو على مستوى نظام حكم وليس على مستوى الدولة أو النظام السياسي. وما ينتظر من الحزب الفائز في الانتخابات هو إجراؤه لتغيرات على مستوى نظام الحكم، وفي حال تبني أي حزب وصل إلى السلطة لتغيرات على مستوى النظام السياسي أو الدولة ففي هاته الحالة نكون أمام واقع ثورات تحمل نماذج معرفية بديلة. لهذا ما ميز الداعين إلى تبني المنظور الجوهراني هو تجاهلهم لسياق الدولة الحديثة؛ أو حتى عدم التمييز بينها وبين النظام السياسي ونظام الحكم. على سبيل المثال؛ الدعوة إلى الدولة الإسلامية على منهاج النبوة أو الدعوة إلى الخلافة على سير الصحابة هي دعوة تأسيسية نحو نموذج مغاير للدولة، والدعوة إلى تطبيق الاقتصاد الإسلامي هي دعوة إلى تغيير النظام الاقتصادي الذي هو جزء من النظام السياسي والذي قد يصلح في حالة تكيف النظام، في حين الدعوة إلى التغيير على مستوى الحكم فهو مجال مفتوح أمام المنافسة السياسية بين مختلف الأحزاب السياسية. بالتالي الدعوة الى الحكم الإسلامي تقتضي الإجابة أولاً عن السؤال ما هو المطلوب من الحكم؟ هل هو السعي لإجراء تغيرات على مستوى الدولة (الدولة الوستفالية)؟ أم على مستوى النظام السياسي (الذي يشمل بالإضافة إلى نظام الحكم، فعاليات المجتمع من أحزاب ونقابات مهنية، ومجتمع مدني، بالإضافة الى النظام الاجتماعي والاقتصادي)؟ أم على مستوى نظام الحكم (السلطات الثلاثة)؟

في هذا السياق، هناك العديد من التجارب سعت إلى الترويج لنماذج سياسية مختلفة دمجت من خلالها القيم الدينية والهوية الدينية في خيارات سياسية محددة وقدمت بذلك نماذج لدول (إيران، السعودية، طالبان)، أو نماذج لأحزاب إسلامية داخل دول (العدالة والتنمية في تركيا، النهضة في تونس، العدالة والتنمية في المغرب). وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف بشأن بعض هذه النماذج، فالافتراض الأساسي لجميع هذه التجارب هو أن المصادر الإسلامية تفترض مخططاً للحكم الإسلامي. لذلك تنوع الدور الممنوح للإسلام بشكل كبير في هذه النماذج. وبالتالي، فليس من الواضح على الإطلاق الحديث عن أي حكم إسلامي سيتم اعتماده والأخذ به في عملية النمذجة. نظرًا لأن السعي لتحقيق المزيد من الديمقراطية يجلب المزيد من الأحزاب السياسية الإسلامية إلى السياسة المؤسسية، فمن المحتمل جدًا أن يلعب الإسلاميون سواء كانوا أحزاباً أو حركات، دورًا مهمًا في استجلاب الممارسات الإسلامية. وتحقيقاً لهذه الغاية فإن استدعاء الحكم الإسلامي عبارة عن عملية استطرادية تستهدف ثلاثة مستويات؛ الدستور، الدولة، والنظام السياسي. ومعرفة التأثير الإسلامي على هذه المستويات الثلاثة يكون من خلال بناء مؤشر يقيس مدى استجلاب الممارسات الإسلامية عبر عملية الانتشار من داخل واقع الدولة، والنظام السياسي، ونظام الحكم. مما يساعد على اكتشاف المبادئ الإسلامية والتعبير عنها في السياق الاجتماعي والثقافي المحدد للمجتمعات الإسلامية المختلفة بدلاً من السعي إلى الحديث عن بدائل ثورية قد تدخل في صدام مع واقع الدولة وشرعيتها الدولية.

اترك تعليقاً

Enable Notifications    OK No thanks