خلافة الإنسان: السيادة الشعبية في الفكر الإسلامي الحديث

The Caliphate of Man: Popular Sovereignty in Modern Islamic Thought

المؤلف: أندرو ف.مارش

إعداد : كرم الحفيان

رابط الكتاب

ناقش هذا الكتاب الصادر حديثاً (2019) من أندرو مارش Andrew F. march النظرية السياسية للإسلاميين المعاصرين ورصد تطورها الزمني منذ سقوط الخلافة العثمانية وإلى وقتنا الراهن. أندرو ف. مارش من الأسماء الغربية المهمة في مجالات الفلسفة السياسية والفكر السياسي المقارن مع عناية ملحوظة بالفكر والفقه السياسي الإسلامي.

يقع الكتاب في سبعة فصول وتمهيد. في المقدمة، انطلق الكاتب من شعار الثورات العربية “الشعب يريد إسقاط النظام”، وحاول فهم الفكر الإسلامي الحديث وفلسفته السياسية في طبيعة العلاقة بين مبدأ السيادة الشعبية ومفهوم خلافة الإنسان على الأرض كما جاء في القرآن. ثم مضى في عرض ونقاش نظرية “الديمقراطية الإسلامية”، وتطرق لسؤال السيادة في النظرية السياسية الإسلامية الكلاسيكية، وأشار لنهايتها بعد سقوط الخلافة العثمانية. في الجزء الثاني من الكتاب، حلل المؤلف أهم النظريات الإسلامية الحديثة بالتفصيل، بدءاً من أبي الأعلى المودودي، ومروراً بسيد قطب، ووصولاً إلى راشد الغنوشي. وفي الخاتمة، تساءل عن مآل الفكر السياسي الإسلامي الحديث بعد تخلي الغنوشي وحزب النهضة في تونس عن نظرية “الديمقراطية الإسلامية” والتحول إلى “مسلمين ديمقراطيين” في أعقاب الثورة المضادة.

الفصل الأول: فكرة الديمقراطية الإسلامية

في الفصل الأول، وأثناء شرحه لما أطلق عليه “الديمقراطية الإسلامية” أشار الكاتب إلى اختلاف نموذج الفلسفة السياسية للفكر الإسلامي الحديث عن كلٍ من الفكر الإسلامي الكلاسيكي والفكر الليبرالي الغربي. الفكر الكلاسيكي في الحضارة الإسلامية يقوم على تقاسم السيادة بين الحكام والعلماء (سيتناولها بإسهاب في الفصل اللاحق)، أما الفكر الغربي الليبرالي فيقوم على سيادة الدولة الوطنية الحديثة ومؤسساتها. من ناحية أخرى، يذكر المؤلف أن البدائل القليلة الموجودة للفكر السياسي الإسلامي الحديث تنحسر في نموذجين. أولها: البيروقراطية الدينية الرسمية المتجنبة للسياسة من جهة والمتحالفة مع الحكام المستبدين من جهة أخرى، وثانيهما: تيار الرفض الراديكالي للغة الديمقراطية والإصرار على السيادة الإلهية المطلقة.

دسترة الإسلام في العصر الحديث

ثم تطرق الباحث لأمر هام ومفصلي، وهو تجارب دسترة الإسلام في القرنين التاسع عشر والعشرين ميلادياً. وذكر الملامح المتفق عليها وأهمها: 1- الأمة مصدر السلطات فهي بمجموعها خليفة الله في الأرض 2- الحاكم موظف يُنتخب ويخضع لمسائلة الأمة والعزل إن اقتضى الأمر. 3- التركيز على مشاركة الأمة في مأسسة الشورى وصناعة قوانين توجيه السياسات. 4- الشريعة الإسلامية مصدر التشريعات وهي العقد الاجتماعي بين الأمة وحكامها. النقطة الأخيرة هي الفارق الأساسي بين النظرية الديمقراطية بمفهوميها الإسلامي والغربي. بيد أنه ظل الاختلاف والغموض يلف عدة نقاط أخرى كحرية إنشاء مؤسسات جديدة للحكم غير الخلافة، وماهية تطبيق الشريعة، ومصادر السلطة، وقضايا التمثيل  السياسي. هل تطبيق الشريعة هو تطبيق الفقه كما في كتب التراث؟ أم الاجتهاد الجديد في فهم نصوص الوحي وتطبيقها وفقاً لمستجدات الواقع؟ أم مزيج بين الاثنين؟ ومن له الحق في التكلم باسم الشريعة وتمثيلها؟ هل علماء الدين وحدهم؟ وما هي مساحة الفصل بين الأحكام الشرعية الثابتة الواجبة التطبيق وبين الأمور المتروكة للمصلحة العامة؟ ومن هم ممثلو الأمة المخولون لاختيار الحاكم؟ أهل الحل والعقد؟ أم شرائح أوسع؟ وقبل الدخول في تفاصيل هذه “الثورة الفكرية” المعاصرة، قرر المؤلف أن يخصص فصله الثاني لاستعراض الفكر الإسلامي الكلاسيكي في ما يخص أسئلة السلطة والسيادة والقانون والتمثيل السياسي.

الفصل الثاني: سؤال السيادة في الفكر السياسي الإسلامي الكلاسيكي

بدايةً، يرى الكاتب أن السمة البارزة للتدابير القانونية والسياسية في الحضارة الإسلامية هي ثنائية الحكام والعلماء. الحكام يحكمون بالقانون الإلهي (السابق لحكمهم ولنشوء أي سلطة سياسية)، ويستمدون شرعيتهم من تطبيقه ولا يستطيعون تغييره. في هذه الحالة، ينظر لهم كخلفاء النبي في الحكم. والعلماء يراقبون تطبيق القانون الإلهي ويحمونه من انحرافات الحكام. ويوصفون كورثة الأنبياء. السلطة السياسية في أيدي الحكام (وإن كان العلماء يتدخلون فيها أيضاً) والسلطة القضائية في يد العلماء والقانون المطبق فيها مستمد من تفسيرات الفقهاء ولا تدخل للسلطة التنفيذية فيه. والسلطة التشريعية كانت بين الحكام والعلماء. أما غالب المجالات الاجتماعية والاقتصادية فكانت في أيدى الفقهاء الذين يديرونها وفقاً للشريعة الإسلامية. وشرعية الفقهاء كانت أخلاقية وعلمية وليست رسمية او شعبية. وبما أن هناك إجماعاً عاماً بين المسلمين على الحكم بشريعة الله، فإن سلطة العلماء (بهذا المعنى) مستمدة من الأمة وهم إفراز طبيعي حيوي للمجتمع الذي أنابهم: سلطة تفويضية. الخلاصة أن السيادة كانت مقسمة بين الحكام والعلماء ولم تكن يوماً في يد الحكام فقط، حتى في عهد السلاطين العثمانيين.

الفصل الثالث: كارثة الخلافة ونهاية النظرية السياسية الإسلامية الكلاسيكية

في الفصل الثالث، يشير الكاتب إلى انهيار الخلافة والنموذج السيادي الذي ارتبط بها (ثنائية الحكام والعلماء). ويلفت الأنظار إلى: رفض الإسلاميين للدول القومية الحديثة من ناحية، واكتشافهم لضرورة الالتزام بالسيادة الشعبية من ناحية ثانية. هنا، ظهر اسم الشيخ محمد رشيد رضا كأحد المساهمين في هذه الحركة الفكرية، وإن كانت لم تتبلور عنده نظرية إسلامية متكاملة للسيادة الشعبية انطلاقاً من التأويل الجديد لمفهوم خلافة الإنسان في القرآن.

محمد رشيد رضا

ويمكننا أن نلخص الأفكار الرئيسية للشيخ محمد رشيد رضا بخصوص السيادة الشعبية للأمة في خمس نقط:

  • التجديد الفقهي والتشريعي هو المنطلق الموصل للوحدة السياسية الممثلة في صورة خلافة شرعية جديدة مختلفة عن خلافة الضرورة التاريخية التي كان الوصول لها بالقوة لا بالبيعة الحرة من الأمة.
  • التجديد الفقهي والتشريعي لا يتم عبر الفقهاء فقط ولا باستعارة واستيراد قوانين أجنبية، إنما تقوم به الأمة بمجملها لاستعادة خلافة على نمط الخلافة الأولى الراشدة.
  • وفقاً لما سبق، الخلافة تمثل ليس فقط القوة الإسلامية الشعبية وإنما العقل الإسلامي الشعبي.
  • السعي لتوسعة مفهوم نواب الأمة وأهل الحل والعقد وعدم قصره على العلماء المختصين في العلوم الإسلامية.
  • مسائلة الخليفة المنتخب قد تكون واجباً شرعياً ولكن الثورة عليه قد تصل للردة.

والوصف النهائي بخصوص مسألة مساءلة الحكام في فلسفة الشيخ محمد رشيد رضا هي أنها حق مشروع للأمة أكثر منها حق سيادياً أصيلاً.

الفصل الرابع: حاكمية الله وخلافة الإنسان (أبو الأعلى المودودي)

وبالانتقال إلى الفصل الرابع، يذكِّر المؤلف بالتحول الكبير الذي حصل في عشرينيات القرن العشرين، والذي تمثل بانهيار النظام السياسي القديم وولادة ما أسماه بالسياسة الجماهيرية في العالم الإسلامي ومن ضمنها الحركة الإسلامية. ثم يتطرق للقضية الكبرى التي أعقبتها وشغلت الإسلاميين منذ خمسينيات القرن الماضي وهي المناداة بحاكمية الله المطلقة على التشريعات البشرية. في هذا السياق، ظهرت أطروحات أبي الأعلى المودودي ثم سيد قطب، بيد أنه تم التركيز على جوانب محددة منها وإهمال جوانب أخرى، تلك التي تتعلق بالتنظير للسيادة الشعبية. صحيح أن المودودي ليس أول من نادى بمفهوم السيادة الشعبية في ظل السيادة الإلهية. والمسلمون لم يكونوا ينتظرون علماء الدين أو المثقفين الإسلاميين ليبتكروا لهم هذا المفهوم، إلا أن ما وقع هو تطوير هذا المفهوم المهمل في الخطابات التقليدية.

نظرية الثيو-ديمقراطية

فالأطروحة الكاملة للمودودي هي ما أسماها “الثيو-ديمقراطية” theo-democracy، تلك التي تمثل صعوداً للسيادة الشعبية كنوع من اللاهوت السياسي في الفكر الإسلامي الحديث. ومن أهم ملامح الثيو- ديمقراطية:

  • النظرة السنيّة العامة للشعب كمصدر لأي سلطة تنفيذية.
  • دور الشعب في تعديل وتطوير المساحات المتروكة أو المسكوت عنها في القانون الإلهي.
  • التفسير السياسي والجمعي لعقيدة خلافة الإنسان، أي الأمة بمجموعها هي خليفة الله وليس الحاكم فقط.
  • النظام السياسي المثالي المحكوم ولو جزئياً بأناس متحدين على مبدأ العمل السياسي الفاضل.

والمودودي يفترض أن عودة حاكمية الله في شؤون الناس تعتمد على التفويض الجمعي للأمة لا على خليفة حامٍ أو طبقة علماء. وهذه النظرية المتمحورة حول الكمال الأخلاقي للشعب كطريق للثورة الاجتماعية والوصول لتطبيق السيادة الإلهية، هي حجة الكاتب الرئيسية في هذا الكتاب، وفي تصور العلاقة بين مبدأي السيادة الشعبية والسيادة الإلهية على أنها علاقة التزامات متبادلة أكثر منها علاقة تضاد وفقاً للفكر الإسلامي الحديث. ويأكد المودودي أن القانون الإلهي ترك مساحات كبيرة للاجتهادات البشرية كسائر الأمور الإدارية وغيرها من المسائل، هذه الأمور يتم حلها عبر إجماع آراء المسلمين وليس عبر قرارات فردية. وعلى صعيد النظرية الدستورية، فكان يرى أن الشريعة أتت بأطر عامة وتركت مجالاً كبيراً لتغيير التفاصيل، وعليه، تحدث المودودي عن أمور كثيرة منها إمكانية تقليص صلاحيات الحاكم لتجنب الميول الدكتاتورية. إضافةً إلى صياغة قوانين تبيح لأي فرد حق الاعتراض عند المحكمة العليا على أي قانون يراه مخالفاً للشريعة. هنا، نصل لصورة متطرفة من الشعبوية بحسب المؤلف، وذلك من ناحيتين، الأولى: توسيع فكرة المشاركة الشعبية السياسة إلى ما بعد اختيار نواب أو المساهمة في صياغة القوانين، لتشمل إعطاء حق الاعتراض الرسمي على المخرجات. والثانية هي أن تمثيل القانون الإلهي لا يقتصر على مجموع الأمة، إنما يمتد لأفرادها.

على أي حال، فمع المودودي شاعت فكرة خلافة الإنسان بتفسيرها السياسي والجمعي، وشكلت أطروحته مدخلاً مفتاحياً لجدلية السيادة الإلهية والسيادة الشعبية في صلب الفكر الإسلامي الحديث.

الفصل الخامس: القانون الذي سنعطيه لأنفسنا (سيد قطب)

في ذات السياق، ولكن بمقاربة أخرى، يربط سيد قطب فكرة خلافة الإنسان بالعلاقة بين القانون الإلهي والطبيعة البشرية (الفطرة). وهي علاقة انسجام بين القوانين الحاكمة للكون كله (بما فيها الجوانب اللاإرادية في الكيان الإنساني) والقوانين التي ينبغي أن تحكم البشر في شؤونهم الحياتية، فكلاهما مصدرهما رباني.

ينطلق قطب من هذه الفكرة المحورية ليقرر مبدأ التفويض السياسي للشعب، وليثبِّت الدور والمسؤولية الجمعية في بناء نظام اجتماعي سياسي متميز أخلاقياً، وليعلي الوصاية المجتمعية الجمعية على السياسة، وإن كان يقيد هذا كله بالسيادة الإلهية التشريعية.

وبالرغم من مركزية حاكمية الشريعة كقانون مطبق في المجتمع الإسلامي في رؤية قطب. بيد أنه ينظر لما وراء تطبيق القانون في نقاط كثيرة. فعند قطب، مجال القانون هو قدرة الإنسان على الاستجابة لأوامر الله وليس ذروة الكمال الإنساني. القانون يضع الحد الأدني للسلوك المقبول ضمن قدرات الشخص العادي، بينما الإسلام يضع أهدافاً ما بعد قانونية ويحفز المرء أن يصل لها.

التصور الشعبي والعضوي لتطبيق الشريعة

ووفقاً لأندرو مارتش، فمع أن المودودي اهتم أكثر بتفاصيل تطبيق السيادة الإلهية من الناحيتين القضائية والمؤسساتية، إلا أن قطب كان دليلاً أفضلاً للإسلاميين في صياغة رؤية تحررية تستعاد بها سيادة الله على الأرض. فتطبيق الشريعة ليس قانوناً يطبقه الخليفة أو السلطان أو الحاكم على الناس فحسب، إنما هو قانون يحكم به الناس أنفسهم. وذلك عبر إعادة صياغة الشريعة من منظور نفسي أخلاقي ليتحقق البعد الشعبي للقانون والسياسة، ونصل في النهاية إلى التصور العضوي للقانون عند قطب. بناءً على ما سبق، قلّ اهتمام قطب بالأجهزة المؤسساتية والدستورية.

في الفصل قبل الأخير، وقبل أن يقفز لنظرية “الديمقراطية الإسلامية” بصورتها الشاملة كما عند الغنوشي، يذكّر المؤلف بتاريخ وتطور الفكر الإسلامي السياسي الحديث بعد سقوط الخلافة. فيذكر الاتفاق على مبدأ السيادة الإلهية، وعلى أن الأمة مصدر السلطات، وأن الحكام موظفون مدنيون، وللأمة الحق في انتخابهم ومراقبتهم، ولها أن تشارك في كآفة صور الشورى وعملية صناعة القوانين. ثم يذكر دور المودودي وقطب في تقديم نظرية سياسية أدت لنوعٍ من السيادة الشعبية، وفي نفس الوقت رسّخت رفض الديمقراطية في التصور الإسلامي الحديث. ذلك لارتباط الديمقراطية بالحرية الفردية والجمعية المتطرفة في التشريع المطلق دون حدود. فالمودودي وقطب أنتجا مركباً فكرياً يجمع بين مضادة الديمقراطية بشكل جذري وتأييد الشعبوية في صورتها المتطرفة.

الفصل السادس: أمة سيدة وشريعة حية (راشد الغنوشي)

ومنذ نهاية الستينيات، يدور الفكر الإسلامي في فلك هذا المركب الفكري (رفض الديمقراطية والترويج للشعبوية)، مع محاولة تجنب المضامين الأكثر راديكالية في فكر قطب، ودون التخلي عن مركزية الفكرة ومثالية الرؤية. وقد نوقش سؤال الإسلام والديقراطية مراراً، وطورت الرؤية القائلة بأن الإسلام ينظر للشعب كأصحاب سيادة. ومع تراكم الأدبيات، خرجت النظرية التي يطلق عليها الكاتب: “الديمقراطية الإسلامية” وهي التي تأخذ عقيدة خلافة الإنسان لأقصى مدى في اتجاه الدمقرطة دون فقد مبدأ السيادة الإلهية. في هذا السياق، ظهر الغنوشي بنظريته السياسية.

خلافة الإنسان: الفكرة المركزية للحضارة الإسلامية

وفقاً للغنوشي، فعقد الاستخلاف (خلافة الإنسان) ليست عقيدة دينية واحدة ضمن عقائد أخرى كثيرة، إنما هي الفكرة المركزية للحضارة الإسلامية والمبدأ الأساسي في الفلسفة السياسية الإسلامية. فأهمية “خلافة الإنسان” أبعد بكثير من تفوق النوع الإنساني على الكائنات الأخرى. في مقاربة الغنوشي لعقيدة خلافة الإنسان، هناك جوانب داخلية وخارجية. الجوانب الداخلية تتعلق بالحالة القيمية والأخلاقية والقدرات الممنوحة للإنسان من الله. أما الجوانب الخارجية فتتعلق بالآثار القانونية والسياسية لهذه العقيدة والتي تتمثل بتوزيع السلطة بين الأمة الإسلامية.

من ناحية ثانية، فإن مفهوم خلافة الإنسان على الكون هو تأسيس لأنثروبولجيا ربانية تتصف بعدة معاني في الوقت ذاته: فهي حالة ثابتة، ومجموعة قدرات أخلاقية إضافة إلى أنها مسؤولية وطموح.

فأولأً، الإنسان هو خليفة الله في الأرض بغض النظر عن أي عملٍ آخر يقوم به. وهذه الخاصية يستخدمها الغنوشي في شرح المقاربة الإسلامية لحقوق الإنسان والحريات العامة، والتي يرى أنها مقدسة وسابقة لأي دولة أو سلطة ومؤسسة.

ثانياً: الحرية أمانة وليست هبة من الطبيعة، فمفهوم خلافة الإنسان ليس حالة وضعية، إنما مجموعة من القدرات والقوى والإمكانات الموهوبة من الله. والوفاء بهذه الأمانة يقاس بتطبيق القانون الإلهي.

ثالثاً: بناءً على النقطة السابقة، فإن خلافة الإنسان مسؤولية مستمدة من القانون الإلهي وبالتالي هي طموح يجب تحقيقه.

لمزيد من التوضيح، ينبه الغنوشي أن حقوق الإنسان ليس ملكاً للإنسان ولم تنشأ عبره. إنما هي واجب ديني ذا مصدر إلهي، والوظيفة السياسية للأمة هي حراسة هذه الحقوق عبر برامج ومؤسسات. فخلافة الإنسان وسيادته سابقة لتوحيد الناس وتحديد الحقوق ضمن سلطات وأنظمة سياسية. بهذا المعنى، يمكن فهم معنى شرعية استخدام القوة السياسية خارج الهياكل السياسية الرسمية. وبهذا المعنى، ففكرة خلافة الإنسان لا تدل فقط على السيادة الشعبية الجمعية، إنما تفيد توزع السيادة ودورانها في المجتمع. وفي كل الأحوال، فالخلافة الشعبية ليست فقط سيادة الأمة (كجسم) على حكامها ومؤسساتها السياسية (وهي كذلك)، إنما هي تقييد سلطة الأمة بالأمور التي أمرها أو فوضها الله بها، ووفقاً لأندرو مارش هنا يتجلى الجانبان الثيوقراطي (النص) والديمقراطي (الشورى) في الفكر الإسلامي الحديث.

ويضيف الكاتب أنه بالرغم من تمسك الغنوشي بمبدأ سيادة القانون الإلهي إلا أن ذلك لا يجعل الدولة الإسلامية ثيوقراطية، لأن أي مسلم يستطيع أن يميز الثابت والواضح في القانون الإلهي من المتغير والمبهم وهذا لا علاقة له بقواعد الفقه الإسلامي وتفسيرات الفقهاء المختلفة. إلا أنه في الوقت ذاته يقر بنوع من السلطة التشريعية والرقابية لهيئة من كبار الفقهاء المستقلين عن الدولة ومؤسساتها. وهذه السلطة الخاصة بالفقهاء سببها مؤهلاتهم المعرفية التي تمنحهم حق الحكم على الأمور المتشابهة في أداء الدولة وممارساتها والتأكد من عدم مخالفتها للقانون الإلهي. إذن، فنظرية الغنوشي لا تلغي سلطة الفقهاء التقليدية، إنما تؤصل لنصف-سيادة شعبية. فمصدر القيم هو الله، وهذه القيم حاكمة وضابطة لقواعد السياسة العامة، وللفقهاء سلطة جزئية مردها قدراتهم العلمية وحسب. وبخلاف التوجه العام للفكر الإسلامي الحديث، فنقد الغنوشي للفلسفة السياسية الغربية ليس مطلقاً، وبنظره، فإن الديمقراطية النيابية الغربية بُنيت على حقوق الإنسان، وهي قادرة على حفظ كرامته، واصفاً إياها ب”ثاني أفضل نظام”. وهو يتفهم تطرف مبدأ السيادة الشعبية ورفض أي سيادة من خارج الكيان الإنساني في الغرب، ويراه ردة فعل على الصراع التاريخي مع الملكية المطلقة والكنيسة الفاسدة والطريق الوحيد لحكم القانون هناك، الأمر الذي لا ينطبق على السياق الإسلامي.

جدلية الإسلام والديمقراطية

وعليه، فجدلية الإسلام والديمقراطية تأخذ مساراً مختلفاً عند الغنوشي. فمن جهة، الآليات والمؤسسات الديمقراطية الحديثة قد تكون مفيدة لإحياء نظام سياسي إسلامي. ومن جهة ثانية فإن الإسلام قد يمثل الوفاء بوعد الديمقراطية فهو وحده القادر على شحنها بطاقة جديدة، واحترام جميع الاحتياجات الإنسانية المادية والروحية والفردية والاجتماعية. ومن ضمن ملامح الديمقراطية التي يمكن استعارتها وفقاً للغنوشي: المساواة المدنية، الانتخابات، التداول السلمي على السلطة على قاعدة حكم الأغلبية وحق المعارضة للأقلية، والسيادة الشعبية. والسيادة التي يعنيها الغنوشي هي تلك المقيدة دستورياً بالقانون الإلهي.

وبخصوص النقطة الأخيرة فإن الغنوشي يرى أن السلطة التشريعية الشعبية في ظل الشريعة الإسلامية تقوم على ثلاثة أفكار رئيسية:

– السيادة الإلهية تتجسد في قانون مرن وبحاجة لجهود كبيرة لفهمه وتطبيقه.

– يظل الناس مصدر أي سلطة تشريعية مقتبسة من علماء القانون الإلهي (لوجود فرق بين الفقه والقانون).

– تمتد سلطة الناس للحق في فهم القانون الإلهي وتطبيقه في أماكن وأوقات مخصوصة.

وبالتالي، فالمشاركة الشعبية في الحكم والتشريع ليست خاصة فيما سكت عنه القانون الإلهي في نظر الغنوشي، بل تشمله عبر التشارو المتبادل. وخلافة الإنسان تتحقق بشكل جمعي عندما يعبر المجتمع عبر نوابه المختلفين عن معان النصوص، والمصالح الحقيقية للأمة، وأحوال العصر، والظروف الملائمة لتطبيق هذا القانون أو ذلك. فالأمة هي خليفة الله وليس الحكام أو أهل الحل والعقد. وقد انتقد الغنوشي إعطاء الحق لأهل الحل والعقد في تولية الحكام في التاريخ الإسلامي، ووصفه بأنه الطريق التقليدي للسلطوية. الأمر الذي لم يقاومه (في نظره) إلا ابن تيمية حين اشترط وجود بيعة عامة من الأمة وليس فقط من أهل الحل والعقد.

الفصل السابع: ما بعد الديمقراطية الإسلامية، ما بعد السيادة

وفي الفصل الختامي للكتاب، وبعد سرده للأحداث والتحولات الميدانية التي أعقبت بدء الربيع العربي، ومشاركة أحزاب إسلامية في السلطة السياسية، والانقلابات العسكرية التي تلته، وظهور تنظيم الدولة داعش، وبروز تيارات طاعة الحكام ورفض السياسة، مع ما رافق كل ما سبق من أطروحات فكرية متعلقة بأسئلة السلطة والشرعية والطاعة. بعد هذا كله، وفي ثنايا استشراف مصير “الديمقراطية الإسلامية”، تحدث أندرو مارش عن التخلي الرسمي من الغنوشي وحزب النهضة التونسي عنها، وتراجعهم عن عقيدة خلافة الإنسان كمنطلق للعمل السياسي الجمعي وفق مبدأي السيادة الإلهية والسيادة الشعبية. وتحولهم لعقيدة سياسية أخرى بسبب ضغط الواقع السياسي وتجاربهم الشخصية. هذه العقيدة تتجاوز “الديمقراطية الإسلامية” ومفهوم السيادة الإلهية فيه بل والشعبية أيضاً تجنباً لعنف وهيمنة السلطات، ويتحول حملتها من “الديمقراطية الإسلامية” إلى “مسلمين ديمقراطيين” يرفضون وجود أي تناقض بين قيم الإسلام وقيم الحداثة، كما جاء في مؤتمر حزب النهضة الرسمي مايو 2016م.

اترك تعليقاً