الثورات في الظروف الغير الملائمة

REVOLUTION IN BAD TIMES

المؤلف: ASEF BAYAT 

ترجمة: د. عبد الحق دحمان

الوحدة السياسية، مركز المجدد للبحوث والدراسات

abdelheqdahman@almojaded.com

المقال الأصلي

تحميل pdf

شكلت الثورات العربية أحداثًا من شأنها أن تغير العالم لناحية إعادة تعريف روح واقعنا السياسي. فالانتشار المذهل لهذه الاحتجاجات الجماهيرية، والتي أعقبتها بفترة قصيرة احتجاجات “حركة احتلوا”، مما وضع المهتمين في حالة من عدم اليقين حول هذه الظاهرة غير المسبوقة كونها بشرت بطريقة جديدة للتحرر والانعتاق. ووفقا لآلان باديو اعتبرت هذه الثورات ليس كبديل عن الأنظمة الاستبدادية فحسب بل وللأنظمة الليبرالية الديمقراطية على السواء؛ حيث أعرب الربيع العربي واحتجاجات وول ستريت عن توق الجماهير إلى “ديمقراطية حقيقية” كنوع مختلف من نظام الحكم. ماذا يمكن أن تخبرنا طبيعة الاضطرابات السياسية عن القيمة التي قدمتها هذه الثورات بعد مرور عشر سنوات. يبدو أن قلق الشعوب العربية عن مصير “ثوراتهم” في محله، فسقوط الدكتاتوريين في تونس، ومصر، وليبيا واليمن يبدو انه لم يغير بشكل فعال المؤسسات وقواعد العمل بالنسبة للنخب القديمة وخاصة الشرطة، الجيش، القضاء ووسائل الإعلام التي لازالت تسيطر عليها الدولة. مما يشير إلى أن هناك شيئًا غريبًا في طبيعة هذه “الثورات”.

 إذا أخذنا “الثورة” على أنها تعني التحول السريع والراديكالي للأبنية السياسية للحكم وتقودها حركات شعبية من الأدنى. فقد ركزت أغلب السرديات التي تناولت الثورة على دينامياتها كحركة من حيث التضامن والتضحية والهدف المشترك، مما يعني أن أغلب التركيز كان على تلك اللحظات السريعة في كل تعبئة ثورية لجهة تغير المواقف والسلوكات بشكل مفاجئ. إلا أن التركيز على “الثورة كحركة” قد عمل على حجب الطبيعة الخاصة لهذه “الثورات” من حيث هدف التغيير، مع عدم التركيز على المراحل اللاحقة لتخلي الديكتاتوريين عن السلطة، حتى أنه قد يعمل على إخفاء مفارقات هذه الاضطرابات التي شكلتها الأوضاع السياسية الجديدة والتي أفسحت المجال نحو مشاريع مجزأة وشبكات أفقية غير واضحة المعالم. فهل نحن حقاً بصدد لحظات ثورية؟

خلقت الليبرالية الغربية أزمة في الديمقراطية لناحية غياب الحكومات خاضعة للمساءلة في أجزاء كثيرة من العالم جنبًا إلى جنب مع زيادة عدم المساواة والشعور بالحرمان، حتى بين الفئات الماهرة والمتعلمة.  قبل عقد من الزمان، أشار ديفيد هارفي إلى هذا في القول بأن العالم يحتاج إلى بيان شيوعي أكثر من أي وقت مضى. والذي معناه أن العالم يفتقر إلى الوسائل والرؤية اللازمة لإحداث تحول جذري. بمعنى آخر، قد لا تكون هذه لحظات ثورية بقدر ما هي تحولات متناقضة، وقد تجلت هذه التناقضات في الاحتجاجات العربية. لذا ليس من المستغرب أن مسارات التغيير – باستثناء حالتي ليبيا وسوريا، اللتين اتخذتا أشكال حروب ثورية نتيجة التدخل العسكري الأجنبي – لا تشبه أيًا من المسارات المعروفة للتغيير السياسي.

تاريخيًا، عادة ما تنظم الحركات الاجتماعية والسياسية التي تنتهج استراتيجيات إصلاحية حملة مستمرة للدفع بالنظام القائم نحو القيام بإلإصلاحات، وباستخدام مؤسسات الدولة القائمة والاعتماد على قوتها الاجتماعية في تعبئة الطبقات الشعبية، تدفع مجموعات المعارضة النخبة السياسية على إصلاح قوانينها ومؤسساتها، غالبًا من خلال نوع من الاتفاق التفاوضي. لذا يحدث التغيير في سياق الترتيبات السياسية القائمة. على سبيل المثال كان الانتقال إلى الديمقراطية في بلدان مثل البرازيل والمكسيك في الثمانينيات من هذا النوع. كما سارت قيادة “الحركة الخضراء” في ايران على نفس المنطق الإصلاحي. نتيجة لذلك، يمكن أن يختلف نطاق الإصلاحات، فقد يظل التغيير سطحيًا، لكنه قد يكون أيضًا عميقًا إذا اتخذ شكل إصلاحات قانونية ومؤسسية وسياسية ثقافية مستمرة ومتتالية.

على النقيض من ذلك، تحتاج استراتيجية التمرد حركة ثورية، تم بناؤها على مدى فترة طويلة نوعاً ما تقوم بتطوير قيادة وهيكل تنظيمي معترف به، إلى جانب مخطط لنظام سياسي بديل. فبينما يقوم النظام الحالي بنشر أجهزته الأمنية والعسكرية لمقاومة أي تغيير، تبدأ الانشقاقات داخل النخبة الحاكمة. فيتقدم الجناح الثوري إلى الأمام ويستقطب المنشقين كما يشكل حكومة الظل عبر بناء هيكل لسلطة بديلة. هذا يتحدى قدرة الدولة على احكام سيادتها على نطاقها الجغرافي، مما يخلق حالة من “القوة المزدوجة” بين النظام والمعارضة، التي تمتلك عادة زعيمًا كاريزميًا على غرار لينين، ماو، كاسترو، الخميني، أو هافل. وبينما تنجح الثورة، تبلغ حالة ازدواجية القوة ذروتها في معركة انتفاضة يتولى فيها المعسكر الثوري السلطة بالقوة؛ مما يزيح أبنية السلطة القديمة ويؤسس أجهزة جديدة. يوجد هنا إصلاح شامل للدولة، بأفراد جدد، وأيديولوجيا ونمط بديل للحكومة. وتجسد الثورة الكوبية عام 1959، وكذا الثورة الساندينية في نيكاراغوا والثورة الإيرانية، وكلاهما في عام 1979، تجسد مسار لحركة التمرد الثورية لتمرد الحركة الثورية.

هناك احتمال ثالث وهو “انهيار النظام”. نتيجة العصيان المدني والإضرابات، أو من خلال معارك ثورية تقوم بتطويق العاصمة شيئاً فشيئاً، مما يضطر النظام إلى الانهيار في نهاية المطاف وسط اضطرابات وانشقاقات في داخله. في مقابل ذلك، تصعد نخب بديلة على عجل وتقوم بتشكيل أجهزة جديدة للسلطة، غالبًا في ظروف من الفوضى والاضطراب، يعمل بها أشخاص لديهم خبرة قليلة في المناصب العامة. على سبيل المثال انهار نظام تشوتشيسكو في رومانيا وسط حالة من العنف والفوضى السياسية عام 1989. نتيجة ذلك تشكل نظام سياسي واقتصادي مختلف تمامًا انبثق عن الهيئة المنشأة حديثًا (جبهة الإنقاذ الوطني)، بقيادة إيون إليسكو. في كل من العصيان الاضطراب الداخلي، لا تعمل محاولات تغيير النظام السياسي من خلال مؤسسات الدولة القائمة ولكن خارجها – على عكس المسار الإصلاحي.

بالنظر الى التجارب الثورية السابقة يمكن القول أن “الثورات” المصرية والتونسية واليمنية لم تحمل أي تشابه يذكر مع أي من هذه المسارات. وأول خاصية يمكن ملاحظتها هي سرعتها. ففي مصر وتونس، حقق زخم الاحتجاجات الجماهيرية القوية بعض النتائج السريعة بشكل ملحوظ: فقد نجح التونسيون في غضون 9 شهر واحد، والمصريون في غضون ثمانية عشر يومًا فقط، في تحييد الحكام المستبدين وتفكيك عدد من المؤسسات المرتبطة بهم، بما في ذلك الأحزاب السياسية والهيئات التشريعية وعدد من الوزارات – مع الالتزام بسياسات الإصلاح الدستوري والسياسي. وقد تحققت هذه المكاسب بشكل ملحوظ نسبياً، لكن هذه الانجازات السريعة- على عكس الثورات التي طال أمدها في اليمن وليبيا، أو تلك التي لا تزال مستمرة في سوريا – لم تترك سوى القليل من الوقت للمعارضين لبناء أجهزة حكومية موازية. وبدلاً من ذلك، أراد الثوار من مؤسسات النظام وخاصة الجيش المصري، على سبيل المثال من إجراء إصلاحات جوهرية لصالح الثورة من حيث تعديل الدستور، وإجراء الانتخابات، وضمان حرية الأحزاب السياسية، وإضفاء الطابع المؤسسي على الحكومة الديمقراطية. هنا يكمن التناقض الأساسي لهذه الثورات: تمكنوا بزخم اجتماعي هائل، لكنهم افتقروا إلى السلطة الإدارية؛ لقد حققوا درجة ملحوظة من الهيمنة، لكنها لم تتجسد في الواقع. وهكذا استمرت الأنظمة القائمة على حالها إلى حد ما. لم يكن هناك سوى القليل من مؤسسات الدولة الجديدة أو وسائل للحكم الجديد التي يمكن أن تجسد إرادة الثورة.

صحيح أن ثورات أوروبا الوسطى والشرقية في عام 1989 كانت سريعة بشكل مذهل، وفي معظمها كانت غير عنيفة: دامت ثورة ألمانيا الشرقية عشرة أيام، بينما كانت ثورات رومانيا خمسة أيام فقط. علاوة على ذلك، على عكس مصر واليمن أو حتى تونس، فقد أحدثوا تحولًا كاملاً في أنظمتهم السياسية والاقتصادية الوطنية. نظرياً، يبدو أن الفرق بين ثورات أوربا الشرقية والوسطى –  حكمتها أنظمة شيوعية ذات حزب واحد، واقتصاد موجه – وما يجب أن يكون – ديمقراطية ليبرالية واقتصاد سوق – كان راديكاليًا لدرجة أن مسار التغيير يجب أن يكون على هذا الأساس؛ في منتصف الطريق، كان من السهل اكتشاف الإصلاحات السطحية ومقاومتها. بالثورة المضادة. وبهذا المعنى، فإن التجربتين المصرية والتونسية تحملان تشابهًا وثيقاً مع “الثورة الوردية” في جورجيا عام 2003 أو “الثورة البرتقالية” في أوكرانيا عام 2005، حيث أدت في كلتا الحالتين إلى صعود حركة شعبية ضخمة ومستمرة إلى إسقاط المسؤولين الفاسدين. في هذه الحالات، كان يجب أن يكون المسار، في الاتجاه الإصلاحي وليس الثوري. ومع ذلك، كان هناك جوانب واعدة في الاحتجاجات العربية، من حيث وجود دافع ثوري قوي جعلها أكثر شمولاً وأبعد مدى عن الاحتجاجات مقارنة بجورجيا أو أوكرانيا. في تونس ومصر، سمح رحيل الدكتاتوريين وأجهزتهم السلطوية بمساحة حرة غير مسبوقة للمواطنين، وعلى رأسهم الطبقات الشعبية، لاستعادة الأمل وتأكيد وجودهم. كما هو الحال في معظم المواقف الثورية، تم إطلاق طاقة هائلة وتحول إحساس لا مثيل له بالتغيير في المجال العام. عادت الأحزاب السياسية التي كانت محظورة وتم إنشاء أحزاب جديدة – على الأقل اثني عشر في مصر وأكثر من مائة في تونس. نمت المبادرات الشعبية بشكل ملحوظ. مع زوال التهديد بالاضطهاد، ناضل العمال من أجل حقوقهم؛ ولعبت النقابات العمالية في تونس دوراً كبيراً في هذا الصدد.

في مصر، أكد الائتلاف العمالي لثورة 25 يناير على مبادئ الثورة: التغيير، الحرية، العدالة الاجتماعية. بدأ سكان العشوائيات في القاهرة في بناء منظماتهم المستقلة الأولى. ناضلت مجموعات الشباب لتحسين المستوطنات العشوائية. نزل الطلاب إلى الشوارع لمطالبة وزارة التربية بمراجعة مناهجها. تشكلت تجمعات جديدة في مصر وفي تونس، الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة – للضغط على سلطات ما بعد الثورة من أجل إصلاحات ذات مغزى. بالطبع، مثلت هذه المستويات من التعبئة الشعبية الخاصة بهذه اللحظات الاستثنائية. لكن الإحساس الاستثنائي بالتحرر، والرغبة في تحقيق الذات، والحلم بنظام اجتماعي عادل، باختصار، الرغبة في “كل ما هو جديد”، كان هذا هو ما حدد روح هذه الثورات. ومع ذلك، مع قدمته هذه الطبقات الاجتماعية الجماهيرية بعيدًا عن نخبها، كشف عن التناقض الرئيسي لهذه الثورات: التناقض بين الرغبة الثورية في المسار “الجديد” والمسار الإصلاحي الذي يمكن أن يؤدي إلى احتواء “القديم”. على هذا النحو، فإن “الثورات” تجسد حقائق متناقضة لديها ميزة ضمان التحولات بشكل منظم، وتجنب العنف والفوضى المصاحبة لها؛ التي يمكن أن تجنب التجاوزات الثورية و “حكم الإرهاب” والمحاكمات السريعة. ومع ذلك، فإن إمكانية حدوث تحول حقيقي من خلال الإصلاحات المخطط لها ستعتمد على التعبئة الدائمة ويقظة المنظمات الاجتماعية – الطبقات الشعبية، والجمعيات المدنية، والنقابات العمالية، والحركات الاجتماعية، والأحزاب السياسية – التي تمارس ضغطًا مستمرًا. بخلاف ذلك، فإن “الثورات” تحمل مخاطر عودة الثورة المضادة، على وجه التحديد كونها لم تصل إلى المؤسسات الرئيسية لسلطة الدولة. قد تنشر النخب المهزومة حالة الخوف من خلال استحضار سرديات “الفوضى” وعدم الاستقرار، لتوليد الحنين إلى “الأوقات الآمنة” في ظل النظام القديم. ويقوم بهذا الدور عموما كبار المسؤولين السابقين، وأعضاء الحزب الحاكم، ومسؤولي الجرائد، ورجال الأعمال التابعين للنظام وكذا عناصر الأمن والمخابرات التي تضررت بنتائج الثورة القصيرة. والهدف من كل ذلك هو  تحويل الأمور لصالحهم. بالتالي يصبح خطر عودة استعادة النظام، او مجرد التغيير السطحي، أكثر خطورة مع انحسار الحماسة الثورية، وعودة الحياة العادية، وهي الظروف التي بدأت تظهر على الساحة السياسية العربية.

لماذا اتخذت الانتفاضات العربية، باستثناء تلك الموجودة في ليبيا وسوريا، هذا المسار “الانعكاسي”؟ لماذا بقيت المؤسسات الرئيسية للنظام السابق على حالها، بينما تم تهميش القوى الثورية؟ يتعلق هذا جزئيًا بالسقوط السريع للديكتاتوريين، مما أعطى الانطباع بأن الثورات قد وصلت إلى نهايتها، وحققت أهدافها، دون تحول جوهري في هيكل السلطة. يبدو أن “الانتصار” السريع لم يترك فرصة كبيرة للحركات لتأسيس أجهزة بديلة للسلطة، فقد ظل الثوار خارج أجهزة السلطة ولم يكونوا مستعدين للاستيلاء على الدولة. وعندما أدركوا ذلك، في المراحل اللاحقة، بأنهم في حاجة إلى ذلك، افتقروا إلى الموارد السياسية – التنظيم، والقيادة، والرؤية الاستراتيجية – التي ستكون ضرورية لانتزاع السيطرة من الأنظمة القديمة.

 كان الفارق الأساسي بين الانتفاضات العربية وسابقاتها في القرن العشرين هو أنها حدثت في أوقات أيديولوجية متغيرة تمامًا. حتى تسعينيات القرن الماضي، كانت هناك ثلاثة أيديولوجيات رئيسية تحمل “الثورة” كاستراتيجية للتغيير الجذري: القومية المناهضة للاستعمار والماركسية والإسلاموية. الأول، كما ينعكس في أفكار فانون، وسوكارنو، ونهرو، هو تشي مينه، تصور النظام الاجتماعي بعد الاستقلال على أنه شيء جديد تماماً، وإنكار لهيمنة الاستعمار القديم في الجوانب السياسية والاقتصادية. على الرغم من أن وعودهم تجاوزت بكثير قدرتهم على الإيفاء بها، فإن أنظمة ما بعد الاستعمار قد أحرزت بعض التقدم فيما يتعلق بالإدارة الوطنية، والبنية التحتية، والتكوين الطبقي. ولأنهم فشلوا في معالجة المشاكل الأساسية المتمثلة في عدم المساواة في توزيع الثروة، بدأت هذه الحكومات بفقد شرعيتها، نتيجة تحول المناهضون للاستعمار إلى اداريين لنظام ما بعد الاستعمار، وفي كثير من الأحيان تحولت الحكومات القومية الى أنظمة استبدادية.

شكلت الماركسية هي الأخرى بدون شك أقوى تيار ثوري في حقبة الحرب الباردة. حيث ألهمت الثورتان الفيتنامية والكوبية جيلًا من الثوريين: فأصبح تشي جيفارا وهو تشي مينه من الشخصيات البارزة، ليس على مستوى آسيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط فقط، بل امتد تأثيرهم أغلب الحركات الطلابية في الولايات المتحدة وباريس وروما وبرلين. في الشرق الأوسط، أخرجت جبهة التحرير الوطنية البريطانيين من عدن وأعلنت جمهورية جنوب اليمن الشعبية. لعب المقاتلون اليساريون أيضاً دورًا مهمًا في إيران والأراضي الفلسطينية المحتلة. كان تأثير هذه الحركات الثورية على المناخ الفكري للغرب لا يمكن إنكاره، أطاحت ثورة القرنفل بالديكتاتورية في البرتغال. في حين اتخذت بعض الأحزاب الشيوعية في أوروبا والعالم النامي مسارًا إصلاحيًا بشكل متزايد (“شيوعي أوروبي”)، في حين بقيت القوى الرئيسية داخل التقليد الماركسي اللينيني ملتزمة باستراتيجية الثورة. لكن الصورة تغيرت بشكل ملحوظ مع انهيار الكتلة السوفيتية ومن ورائها الشيوعية. كان مفهوم الثورة جزءاً لا يتجزأ من مفهوم الاشتراكية، فشكل انهيارها نهاية ” لمفهوم الثورة والتنمية التي تقودها الدولة أيضًا. هذه الأخيرة تم التقليل من شأنها باعتبارها غير فعالة وقمعية. كان لهذا تأثير عميق على مفهوم الثورة، مع تركيزها على سلطة الدولة، التي تم اعتبارها مرادفاً للاستبداد. ومع صعود النيوليبرالية التي بدأت مع الثمانينات القرن الماضي، فقد توسعت لتصبح الأيديولوجية المهيمنة في معظم انحاء العالم. فأصبحت الأفكار المصاحبة لذلك ليست ” الدولة” و” الثورة” فحسب، إنما أصبح الحديث عن المنظمات غير الحكومية، و”المجتمع المدني”، و “المجال العامة” وما إلى ذلك. بالتالي أصبح التغيير التدريجي هو الطريق الوحيد المقبول للتغيير الاجتماعي.

كان التقليد الثالث هو الإسلام الثوري، وهو منافس أيديولوجي للماركسية منذ سبعينيات القرن الماضي، استندت الحركات الإسلامية إلى أفكار سيد قطب في معركتها ضد الدول العلمانية في العالم الإسلامي. ومستفيدة أيضاً من الزعيم الإسلامي أبو الأعلى المودودي، الذي تأثر بدوره بالاستراتيجية التنظيمية والسياسية للحزب الشيوعي الهندي. أصبح كتيب قطب الصادر عام 1964، الذي ينادي بطليعة مسلمة للاستيلاء على الدولة الجاهلية وتأسيس نظام إسلامي حقيقي، بمثابة البيان المعادل لـ لينين ما العمل؟ لكن بروح إسلامية. نتيجة ذلك انشق عدد من اليساريين السابقين كعادل حسين، ومصطفى محمود، وطارق البشري – إلى المعسكر الإسلامي، حاملين معهم أفكارًا من التقليد الماركسي اللينيني. واعتبرت الثورة الإيرانية عام 1979 أنها مستوحاة بمزيج من الأفكار اليسارية والإسلامية. بالإضافة إلى ذلك اعتبر علي شريعتي، بصفته تلميذاً لليسار الفرنسي جورج جورفيتش، بحماس عن “الثورة” في مزيج من التعبيرات الماركسية والدينية. وهكذا كان مفهوم الثورة محوريًا للإسلاموية المسلحة بشكليها السني والشيعي. لقد وقف هذا التقليد دائمًا في تناقض واضح مع استراتيجية الإسلاميين الانتخابيين مثل جماعة الإخوان المسلمين، الذين كانوا يتطلعون إلى بناء دعم اجتماعي كافٍ للاستيلاء على الدولة من خلال الوسائل السلمية. إلا أنه من خلال حقبة ما بعد الحرب الباردة، يبدو أن إيمان الإسلاميين بزخم الثورة في ايران في حالة أفول، فقد أصبح مصطلح ” الثورة” الذي تم الاعتزاز به مرادفاً للدمار والتطرف على الأقل بعد فوز محمد خاتمي بالانتخابات الرئاسية عام 1997. وبتتبع التيارات ما بعد الإسلامية، كحزب العدالة والتنمية في تركيا وحزب النهضة في تونس والعدالة والتنمية في المغرب، يبدو أنها اتخذت مساراً إصلاحيًا في التغيير السياسي والاجتماعي عبر وسائل أخرى كالمجتمع المدني، والمساءلة، واللاعنف، والتدرج. وهكذا حدثت الانتفاضات العربية في وقت كان فيه تراجع الأيديولوجيات المعارضة الأساسية – القومية المناهضة للاستعمار والماركسية اللينينية والإسلاموية – مما نزع الشرعية عن فكرة “الثورة” ذاتها. بالتالي كانت هذه حقبة الثورات العربية مختلفة تمامًا، حيث لم يتخيل أحد تقريبًا تغييرًا في هذه الشروط؛ قلة من النشطاء العرب خططوا بالفعل لثورة، على الرغم من أنهم ربما كانوا قد حلموا بها. بشكل عام، كانت الرغبة في الإصلاح، أو تغيير ذي مغزى ضمن الترتيبات السياسية القائمة. في تونس، نادراً ما كان أحد يفكر في “الثورة”. في الواقع، في ظل دولة بن علي البوليسية، عانى المثقفون من “تغييب سياسي”. وبالتالي، فإن ما حدث مع اندلاع الاحتجاجات لم يكن ثورات في حد ذاتها وإنما حركات ثورية أرادت إجبار الأنظمة القائمة على إصلاح نفسها.

في الحقيقة، الثورات تحدث ببساطة ولا علاقة لحدوث الانتفاضات الجماهيرية بأي تنظيرات لها. كما لا يمكن بنائها والتخطيط لها، قد يكون لدى البعض فكرة عن “الثورة” وقد لا تكون كذلك؛ لكن امتلاك أو عدم وجود أفكار حول الثورات يؤثر بشكل حاسم على النتيجة عند حدوثها. قد يكون من السيء أن نتذكر أن معظم ثورات القرن العشرين – روسيا والصين وكوبا وإيران – التي نجحت في الإطاحة بالأنظمة الأوتوقراطية القديمة قد صاغت بسرعة دولًا جديدة لكنها استبدادية وقمعية. الاضطرابات الحاسمة في النظام والإدارة هي أثر جانبي آخر للتغيير الثوري الراديكالي. قد لا تكون ليبيا، موضع حسد مقارنة بتونس ومصر، حيث تمت الإطاحة بنظام القذافي بعنف، لكن لا يزال يتعين على الإدارة الجديدة أن تنتج نظام حكم أكثر شمولية وشفافية. حيث ظل المجلس الوطني الانتقالي مبهم من ناحية هوية أعضائه وعملية صنع القرار فيه. بالإضافة إلى ذلك، الانقسامات الداخلية بين الإسلاميين والعلمانيين، مما جعله مفتقراً إلى سلطة فعالة على مختلف الميليشيات المنتشرة. يضاف إلى ذلك ضعف مهاراته الإدارية مما جعل المجلس الانتقالي غير مجهز للعمل الحكومي. الهدف ليس التقليل من قيمة الثورات الراديكالية، ذلك أن هناك العديد من الجوانب الإيجابية لمثل هذه التجارب، من حيث إحساس بالتحرر وحرية التعبير والآمال المفتوحة لمستقبل أفضل هي من بين الجوانب الأكثر إضاءة. بدلاً من ذلك، من الضروري إبراز حقيقة أن الإطاحة بنظام قمعي عبر ثورة لا يضمن في حد ذاته نظامًا أكثر عدلاً وشمولية. فقد تحمل الثورات الأيديولوجية الراديكالية في حد ذاتها بذوراً للحكم الاستبدادي، لأن إصلاح الدولة والقضاء على المعارضة قد يقلص التعددية والمنافسة السياسية الواسعة. على النقيض من ذلك، قد تخلق “إعادة انتاج الثورة” بيئة أفضل لتعزيز الديمقراطية الانتخابية لأنها، بحكم التعريف، ليس لها قدرة على احتكار سلطة الدولة. بدلاً من ذلك، فإن ظهور مراكز قوة متعددة – بما في ذلك مراكز الثورة المضادة – يمكن أن يحيد تجاوزات النخب السياسية الجديدة. وبالتالي، من غير المرجح على سبيل المثال أن يتمكن الإخوان المسلمون في مصر وحزب النهضة التونسي من احتكار السلطة بنفس الطريقة التي فعلها الخميني في إيران ما بعد الثورة، وذلك على وجه التحديد لأن مجموعة من المصالح القوية، بما في ذلك مصالح النظام القديم، لا تزال نشطة وفعالة. قد يكون من المفيد بعد ذلك التفكير في مفهوم آخر لـ “الثورة”، على غرار الخطوط التي طورها ريموند ويليامز في كتابه “الثورة الطويلة” – أي عملية “صعبة”، بمعنى أنها معقدة ومتعددة الأوجه، “كاملة”، أي انها ليست مجرد تحول اقتصادي ولكن اجتماعي وثقافي بالأساس. وبالتالي، بدلاً من البحث عن نتائج سريعة أو القلق بشأن مطالب محددة، فمن الأجدر أن ننظر إلى الانتفاضات العربية على أنها “ثورات طويلة’ ‘قد تؤتي ثمارها في غضون عشر أو عشرين عامًا من خلال إنشاء أنماط، وطرق جديدة للتفكير في القوة. لكن على المحك ليست مجرد مخاوف دلالية حول كيفية تعريف الثورات، والمشاكل الصعبة داخل هياكل السلطة والمصالح الراسخة. بغض النظر عن وصف العملية – على أنها “ثورة طويلة”، أو على أنها تلك التي تبدأ بالتحول الجذري للدولة – فإن السؤال الحاسم يكمن في كيفية ضمان تحول جذري من النظام الاستبدادي القديم وإطلاق تغيير ديمقراطي هادف، مع تجنب العنف والقهر والظلم المصاحب لها. ومع ذلك، هناك شيء واحد مؤكد وهو أن الانتقال من ” الوضع القديم” الاكثر قمعاً إلى “وضع جديد” أكثر تحرراً لن يتحقق بدون نضالات وتعبئة شعبية مستمرة، في كل من المجالين العام والخاص. بل يمكن تصور مسار جدلي للثورة قد يتعين معه أن تبدأ “الثورة الطويلة” حينما تنتهي “الثورة القصيرة”.

 

اترك تعليقاً