المدارس الديوبندية

في شبه القارة الهندية

(التراث حصنًا)

المشاركون

د نبيل فولي محمد

كرم الحفيان

   محمد أحمد رضا

تحميل المقال PDF

مقدمة

من درس التاريخ إلى إحياء الحاضر

أطل علينا العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين الميلادي. وبالتزامن مع ذلك، مرت عشرٌ كاملة على انطلاقة الحراك الشعبي الأوسع في المنطقة العربية الإسلامية منذ قرنٍ على الأقل أو ما عُرف بالربيع العربي. هذه الحركة التحررية الشعبية الممتدة والمتجددة وُلدت في الميدان وتفاعلت مع غالب الأفكار والبرامج السياسية والأطر الثقافية الموجودة مسبقاً. ومع دخول بعض الثورات في حالة استعصاء، وتعثُّر أخرى، ومراوحة بعضها بين هذا وذاك، كان لابد من مراجعة شاملة للمنظومات الفكرية الموجهة للحركة المجتمعية، وتفكيك مكوناتها لجهتين : جهة البحث عن العناصر الدافعة للاستقلال الفكري لتعزيزها وترسيخها. وجهة اكتشاف العناصر الجاذبة والمثبتة لحالة التبعية الفكرية والسياسية للحضارة الغربية الغالبة، للوعي بها وتحييدها. من هنا لمعت فكرة القيام بمشروع بحثي يعيد قراءة وتحليل أبرز تجارب ومشروعات الاستقلال الفكري في العالم الإسلامي في القرنين التاسع عشر والعشرين. وعلى الرغم من أهمية هذه التجارب وخصوصياتها فإننا لم نُفِد بالشكل المطلوب من رؤاها النظرية ولم نعتبر من دروسها العملية كلاً على حدة، فضلًا عن أن نقوم بعملية تركيب لهذا الرؤى وأوجه الاعتبار لنبني نماذج مستقيمة معرفياً وفعّالة واقعياً.  ومما يؤسف له أن بعض هذه التجارب غائبة تمامًا ومعطلة، ولذلك أسباب، منها بُعدها الجغرافي، وكَرُّ الزمان عليها، وازدحام الأحداث (العظيمة) على الأمة. وأوضح مثال على ذلك الحركة بالغة الخصوصية التي مَثَّلتها (المدارس الديوبندية) في شبه القارة الهندية، وهي فاتحة هذه السلسلة من الدراسات التقييمية لتجارب الاستقلال الفكري. والمفارقة التي ينبغي اللفت إليها هي أن هذه الحركة الديوبندية (شديدة المحافظة) مغمورة عربياً مشهورةٌ عالمياً، ودورها وأثرها الاجتماعي والسياسي استثنائي وعالمي ! بالطبع لدينا تجارب أخرى ذات حضور في الوعي الإسلامي؛ لأسباب أيضًا، منها قربها، بل مخالطتها لنا نحن في العالم العربي، بل انبثاقها منا، بيد أن هذا الحضور لا يغني عن درسها وإعادة النظر فيها وفي رؤاها الإستراتيجية وأعمالها الحركية لتحقيق درس التاريخ الذي لا يبلى (الاعتبار) وما يتلوه من إحياء وتفعيل في حياتنا اليوم (الشهود). ومن هذه التجارب االتجربة الإحيائية الإصلاحية ورموزها (جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا)، والتجربة الحركية التي أسسها (حسن البنا)، والتجربة النورسية في تركيا (بديع الزمان النورسي) وصولًا إلى الحركة الثورية التي صاغها (أبو الأعلى المودودي وسيد قطب)، ولن ننسى المشروعات الفكرية ذات الطابع الفردي لـ (عبد الوهاب المسيري)، و(محمد عمارة)، ولربما نتطرق لتجارب ومشروعات أخرى.  قبل الشروع في تفاصيل هذه الدراسة (الأولى) حول المدارس الديوبندية، لعله من المناسب التوقف قليلًا عند مفهوم الاستقلال وتحسس ملامحه الرئيسة، وأنواعه، وفلسفته، وأسسه التي ينهض عليها، ثم تنزيل ذلك كله على الاستقلال الفكري للمسلم تحديدًا. وهي وِقفة عامة تخدم قراءاتنا في هذا البحث والبحوث التالية.

-1-الاستقلال الفكري والخصوصية الإسلامية

 د. نبيل فولي محمد *

لعل البحث عن (الاستقلال) هو العنوان الأكبر للشرق الحديث، بما فيه العالم الإسلامي ودول الشرق الأقصى وغيرهما؛ ذلك أن سيطرة الفكرة الغربية وغزو الجيوش الأوربية للعالم حديثاً، قد أنتج تبعية عامة للغالب، وانتشارًا واسعًا لمنتجاته المادية والمعنوية. ولا شك أن أبرز أنواع الاستقلال -كما بدت خلال أحداث القرنين الأخيرين – هو: الاستقلال السياسي؛ نظراً لأنه ارتبط باعتراضات واحتجاجات الشعوب ومقاومتها للاحتلال، كما ارتبط بتحريك الجيوش، وانتقال القوات العسكرية، وإبرام اتفاقيات الاستقلال والجلاء، وما شابه ذلك من الأعمال المادية الظاهرة والمثيرة معاً. إلا أن الاستقلال السياسي لكي يتحقق بصورة غير منقوصة، فإنه لابدَّ له من أنواع أخرى من الاستقلال تسبقه أو تصاحبه أو تتلوه غير بعيد، ومنها: الاستقلال الاقتصادي، والاستقلال القانوني، والاستقلال الفكري. وقد برز في كل نوع منها فرسان كبار في العالم الإسلامي الحديث؛ مثل: طلعت حرب في مجال الاستقلال الاقتصادي، وخير الدين التونسي ونامق كمال وعبد الرزاق السنهوري في القانوني، ومعظم مفكري الإصلاح والتجديد المعاصرين في الاستقلال الفكري. لا نريد أن نعرض لكل هذه الأنواع من الاستقلال، وإن كان لابد من التنبيه بداية على أنها متكاملة في ما بينها، حتى إنه لا يمكن أن تتنازل أمة عن واحد منها وتزعم في الوقت نفسه أنها مستقلة. والشاهد التاريخي يقول: إن الخطأ الكبير الذي وقعت فيه حركات الاستقلال في بلادنا فعاشت طوال سبعة العقود الأخيرة تقريبًا استعمارًا مقنَّعًا؛ هذا الخطأ هو الفصل بين الاستقلال السياسي -الذي يشبه التنفيذ أو السلطة التنفيذية في حركات الاستقلال عن الاستعمار – وغيره من أنواع الاستقلال التي هي أشد تأسيساً للخلاص من التبعية، إلا أنها أقل ضجيجاً من أخيها الأكبر! مهما يكن، فإن ما يعني هذه السطور تحديدًا هو بيان الأسس والأصول التي يقوم عليها الاستقلال الفكري لأيِّ أمة، مع التطبيق على العالم الإسلامي كما يبدو في بعض نماذجه.

 البنية المفهومية

(الاستقلال) في عمومه يعني الانفصال عن الغير بحيث يمكن التصرف من دونه، ومنه استقلال الطفل عن والديه بما يمكنه من القيام بشؤونه المباشرة على الأقل بنفسه. ووصف (الفكري) يتعلق بالتصورات النظرية التي يؤمن بها الإنسان، وتمثل له ثوابت حياة ومنطلقات لسلوكه واختياراته المعتادة. ومركب (الاستقلال الفكري) يعني الارتباط بتصوراتنا الخاصة التي أنتجتها ثقافتنا والانعتاق من تصورات غيرنا، وينعكس هذا الارتباط في برامجنا التعليمية والتربوية والإعلامية والثقافية، حتى في حياتنا وسلوكنا اليومي. ويلزم عن هذا عدم استيراد تصورات الغير؛ الأساسية على الأقل، وإن كان هذا لا يمنع التثاقف الحر وتبادل التأثير إلى الحد الذي يقي من الوقوع في التبعية لصاحب الثقافة المؤثرة.

الأسس العامة

يقوم الاستقلال الفكري لأي جماعة إنسانية على أسس عامة واحدة، أو متشابهة على الأقل، وإن كان رفض التبعية الفكرية ليس واحدًا في كل مجتمع كما سأشير لاحقًا بعد، وأهم الأسس العامة التي يقوم عليها الاستقلال الفكري يتمثل في ما يلي:

 سنة (التمايز) الإلهية

هذه سنة الله في خلقه؛ لأن التشابه يصيب بالركود وفقدان التفاعل ومن ثم الفاعلية، وكأنَّ التنوع في الهويات – وهو أعمق صور الاختلاف بين البشر – يمثل محكاً واختباراً للتفاعل بين الجماعات البشرية؛ على أي أساس سيقيمونه؟ ولعل هذا – والله أعلم -مقصود بإشارة القرآن في قول الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَر وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ…﴾[الحجرات: 13]. وهذا التمايز في الهويات يعني أن ما يجعل المجتمع (أ) هو المجتمع (أ) يختلف عما يجعل المجتمع (ب) هو المجتمع (ب)، ومن شأن سماح أحدهما بغزو الآخر له فكرياً، وإسقاط عناصر الهوية لصالح نقائضها أو أضدادها أو مخالِفاتها، من شأنه أن يؤدي إلى احتلال التفكير الخاص ثم انحلاله.

حماية الرموز والتصورات

يمكن تقريب هذا العنصر بمقارنة حرص الإنسان على استقلاله الفكري بسعيه إلى استقلاله السياسي؛ إذ من شأن المجتمع المحتل بالجيوش الأجنبية أن تُستباح أرضه وثرواته وحقوقه، وبدلاً من أن توجه هذه الثروات إلى خدمة أبناء هذا المجتمع، إذا بها توجه لفائدة الغرباء. وكذلك يمثل الاحتلال الثقافي والفكري استباحة للرموز والمفاهيم والمعاني والتصورات، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى التلاشي المعنوي، ويوجه طاقات المجتمع الفكرية إلى خدمة الغرباء.

وهذا الأخير حاصلٌ مشاهَد في كثير من المجتمعات الإسلامية الحالية؛ إذ تحارب النخب المعلمنة والمغرّبة هويتها الأصلية، وتقوم بوظيفة الدعاية للهويات الأجنبية، وتدعو إلى اتخاذ سلوك واقعي يتفق مع هذه التبعية. ولا يخفى ما في هذا السلوك من ضياع للحقوق كلها مادية ومعنوية.

مقاومة الهزيمة والاستلاب

ليست المشكلة دائماً في الاحتلال مهما يكن نوعه، فإن الاحتلال العسكري مثلًا لا تكاد تخلو منه صفحات تاريخ أي دولة في العالم، وكذلك السيطرة على اقتصاد دولة ما وتوجيهه، ولكن المشكلة تكمن في الهزيمة الداخلية أو ما يمكن تسميته بـ (الاستلاب) الذي يترتب عليه أن يرى الشعب المحتل أن السيطرة عليه اقتصادياً أو عسكريًا أو قانونيًا هو أمر طبيعي نابع من قوة الغالب وضعف المغلوب، وأن الحل هو التنازل عن قانون المغلوب لصالح قانون الغالب، واقتصاده لاقتصاده، وحريته لسطوة جيوشه؛ فإن مَنْ بلغ هذا المبلغ؛ أي احتلال ذاته، لا يمكن أن يبحث عن استقلال من أي نوع.

وفي كل هذا نلاحظ أن الذي مهد الأرض لهذه الهزيمة الماحقة هو اضمحلال الذات، واستسلامها لفكرة الغير، والشعور بأن منظومتها المعنوية غير صالحة للبقاء، أو على الأقل عاجزة عن المقاومة، وهو لا شك سقوطٌ نفسي وفكري قبل أي شيء.

لا إبداع في فلك الآخر

يرتبط الإبداع في المجال الحضاري العام، أو في أحد مجالات الحياة بالاستقلال الفكري بدرجة أو أخرى؛ وذلك أن الإبداع داخل منظومة أخرى؛ إن كان في المجال التجريبي والتقني فهو خدمة للغير، وإن كان في المجال الفني أو الأدبي – كمَنْ ينتج من العرب أدبًا فرنسيًّا أو أمريكيّاً تماماً؛ لغًةً وقِيَماً – فهو مجرد تقمص لشخصية مغايرة، وقد يحمل عداوة مستترة أو صريحة للثقافة الأصلية، فتُصنَع بالاكتشافات العلمية في هذه الحالة صواريخ يُضرَب بها الوطن، وبالأدب والفن والفكر أدواتٌ لتكريس الصور السلبية عن الذات الثقافية والمنبع الاجتماعي الأصلي للمبدع.

التنزيل على الحالة الإسلامية

أشرنا آنفًا إلى أن رفض التبعية الفكرية ليس واحدًا في كل مجتمع، والتعريج على هذا مفيد في بيان الفروق بين الاستقلال الفكري للمسلم مقارنة بغيره. ولست هنا بصدد إعطاء المسلم قيمة خاصة من الناحية الإنسانية الأصلية أكثر من غيره، فالإنسان في كل الأحوال إنسان محفوظ الحرمة والكرامة والقيمة، ولكن ما أريده هو تقديم تفسير لأكبر ممانعة يمكن أن تظهر في الواقع رفضًا للتبعية الفكرية، وهي التي ظهرت في العالم الإسلامي، مما دفع بالخصم إلى أساليب الختل والخداع، وإلى الضغط في حال الحرمان من الضروريات، و إلى الاعتماد على الإذابة طويلة المدى للهوية والثقافة؛ خاصة، بأدوات ووسائل عديدة، أهمها تبَنِّي مؤسسات التعامل مع الناشئة والشباب الغض خططاً منظمة في هذا الاتجاه.

إن التصورات النظرية للمسلم قائمة على العقيدة نفسها، بل إن العقيدة هي بعض هذه التصورات التي يجب أن يوقن بها المسلم، وإلا فإنه لا يكون مسلمًا. وفي الأفكار الخاصة بالأمور محل الخلاف؛ مثل طريقة بناء الدولة، أو شكل التوجه الاقتصادي، أو ما شابه ذلك من الموضوعات المتروكة لاجتهادات الناس، فإن المنطلق للتفكير فيها يجب أن يعتمد على الرؤية التي تقدمها العقيدة الإسلامية، فينطلق في بناء فكره الاقتصادي مثلاً من الإيمان بالله رازقًا معبودًا، ومن الإيمانِ بالمبادئ الاقتصادية العامة التي أقرها الإسلام: “دع الناس يرزق الله بعضهم ببعض”، وحرمة الربا والغش والاحتكار والتدليس، وما شابه ذلك.

ولا يتأسس التفكير في أي منظومة أخرى على أصول محكمة بهذه الصورة كما هو الحال في الإسلام الذي يبدو فقد الاستقلال الفكري فيه خطرًا على العقيدة نفسها؛ خاصة حين يكون الفكر الغازي لا يؤمن بالله واليوم الآخر، ولا يرى الدين إلا خرافاتٍ صنعتها عقول القدماء!

-2-الديوبندية : النشأة والمؤسسون والانتشار الجغرافي

محمد أحمد رضا*

قبل ما يقارب قرنين من الانهيار الكامل لسلطة المغول المسلمين في شبه القارة الهندية، شعر بعض الزعماء الدينيين بالخطر الشديد الذي يحدق بالإسلام في بلادهم، وبدأوا يفكرون في طرق الخلاص، وكان على رأس هؤلاء المصلحين الداعية الكبير مجدد الألف الثاني الشيخ أحمد السرهندي (ت: 1624م) الذي أدرك في الوقت المناسب حجم المشكلات السياسية والأخلاقية والعلمية والاجتماعية التي نشأت زمن الملك جلال الدين أكبر[1] ونورالدين جهانكير[2]،  وتزعم حركة لإصلاحها[3]. وتبعه شاه ولي الله أحمد الدهلوي (ت: 1762م)، وهو مفكر وزعيم كبير، شهد بداية انهيار الإمبراطورية المغولية بعينيه. كان متوجهًا لإصلاح النظام السياسي، وفي نفس الوقت ما غض بصره عن الانحطاط الاقتصادي والفكري والأخلاقي والاجتماعي، واختار في دفع نتائج هذا الانحطاط حلولًا عديدة منها ترجمة القرآن الكريم باللغة الفارسية، وتدريس الحديث لإصلاح عامة الناس، وبث الفكرة الدينية الصحيحة وكتابة الرسائل الموجهة إلى الملوك ونواب الدولة، ودعوة أحمد شاه الأبدالي ملك أفغانستان لنصرة المغول ضد البغاة وغيرها[4]. بعد شاه ولي الله، واصل التحرك السيد أحمد الشهيد (ت:1831م) وهو أحد تلاميذ الشيخ عبد العزيز بن شاه ولي الله الدهلوي (ت: 1823م). لقد فتح الرجل عينيه على البريطانيين وهم ينشبون مخالبهم في شبه القارة، كما رأى بعينيه الصراعات الإثنية بين الهنود أنفسهم، وكيف أنها تخدم المستعمرين دون أن تشعر. ثم تصدَّى لزعامة حركة حرة بأمر من الشيخ عبد العزيز الدهلوي، عرفت لاحقًا بأنها أول حركة شعبية ضد الاحتلال في الهند. وقد امتد أثرها إلى شبه القارة بأكملها. وضع الرجل خُطةً شاملة، وحمل السلاح، وخاض معارك كثيرة، وانتصر في عدد منها لكنه هُزم أخيرًا، واستشهد في 6 مايو1831 في بالاكوت (Balakot)[5]. هؤلاء الإصلاحيون الثلاثة هم مؤسسو استقلال الفكر في شبه القارة الهندية ضد الاستعمار وفكره، والحركات التي جاءت بعدُ تأثرت بهم بل انتسبت إليهم، وكان ممن تأثر بهم الحركة الديوبندية الفكرية التي تعد امتداداً فكريًّا وروحيًّا لهم، وتستقي منهم الكثير من القيم. إن من الصعب فهم حركات استقلال الفكر في شبه القارة من دون دراسة حركات هؤلاء الزعماء الثلاثة لذلك كان هذا التمهيد الذي رأينا ضرورته.

النشأة

على الرغم من أن الاستعمار البريطاني كان مسيطرًا على شبه القارة الهندية بكل ما فيها من أعراق وديانات، فإن المسلمين على وجه الخصوص كانوا مستهدفين أكثر من غيرهم، ذلك أنهم كانوا أصحاب السلطة، فمنهم انتزع البريطانيون الأمر، وقد بذلوا محاولات عديدة، فكان القتل والصلب للآلاف منهم، والحرق والتدمير والتخريب لمدارسهم.أما غير المسلمين فإنهم رأوا أن شيئًا كبيرًا لم يتغير، فقد كانوا تحت الحكم الإسلامي (المفارق دينيَّا) وهم اليوم تحت الحكم البريطاني (المفارق عرقيًا)، لذلك سارعوا إلى القبول بهذا الأخير، وتعاملوا معه. استفزَّ البريطانيون المسلمين بإلغاء اللغة الفارسية، التي كانت اللغة الرسمية ولغة أوساط العلم، واستبدلوا بها اللغة الإنجليزية، ونظروا نظرة دونية إلى من لا يعرفها من المسلمين ووسموه بالجهل، وهم الذين كانوا الطبقة العلمية العالية! لهذا هجر المسلمون اللغة الإنجليزية ولم يتعلموها وترتب على ذلك أن صارت الأفضلية لغير المسلمين في تولي الوظائف الحكومية والمناصب الإدارية[6]. كان المسلمون هم أكثر شعوب وأقوام شبه القارة، وبسبب القرارات التي اتخذت ضدهم تدهور وضعهم الاقتصادي تدهورًا كبيرًا[7]. ونتيجة للظروف التي تعرض لها المسلمون وتفاعلهم معها، ظهرت مدرستان فكريتان:

  • مدرسة مبهورة

رأت أن الحل الوحيد للخلاص هو التماهي مع الحضارة والفكر الغربي، وكان من زعمائها نواب عبد اللطيف (ت: 1893م)، والسيد أحمد خان (ت:1898م). قد تمثلت أهداف هؤلاء في ثلاثة أمور:

  • تعليم اللغة الإنجليزية للمسلمين.
  • اقتباس الأخلاق والقيم الثقافية الأوروبية.
  • جعل المسلمين موالين للحكم البريطاني.

 ولتحقيق هذه الأهداف بذلوا جهودًا متنوعة فكرًا وكتابة وعملًا.

  • مدرسة ناقدة

آمنت أن البريطانيين لم يأتوا للحكم أو لنهب ثروات الناس فحسب، وإنما إلى ما هو أكثر وأخطر من ذلك، أتوا لتجهيلهم ونشر الإلحاد وتشويه الهوية الوطنية[8].

وكان رواد هذه المدرسة أولئك الذين استندوا إلى فكر مجدد الألف الثاني الشيخ أحمد السرهندي وشاه ولي الله الدهلوي. ومؤسسو المدرسة الديوبندية ينتسبون إلى هذه المدرسة.

المؤسسون

كان هدفهم حماية المسلمين والمواطنين الآخرين من أبناء بلادهم من الآثار القبيحة للاستعمار. ولتحقيق هذا الهدف، انضم هؤلاء السادة أولاً إلى الحركات المسلّحة ضد الحكم البريطاني، ثم لما قُضي على هذه الحركات، غادروا ساحة المعركة الميدانية والتفتوا إلى مجال المعرفة والفكر. فقد رأوا أن البريطانيين ألغوا المدارس القديمة للمسلمين في دلهي ولكناو وغيرهما من مدن الهند، وشعروا بالقلق، وأدركوا عمق الخطر، فكيف يكتسب أحد المعرفة الصحيحة بعد إغلاق هذه المدارس، ومن أين يولد العلماء إذا لم تكن هناك مدارس؟ ومن سيقود الناس في ذلك الوقت؟

كان من الضروري إنشاء مدرسة دينية عظيمة لمساعدة مسلمي شبه القارة، وكانت المسؤولية الكاملة عن حماية الإسلام في ذلك الزمان على عاتق العلماء، وقد شهد التاريخ بأن هؤلاء العلماء لم يتوانوا عن أداء واجبهم في الوقت المناسب. بهذه الرؤية تقدم مولانا محمد قاسم النانوتوي (ت: 1880م) لتأسيس مدرسة صغيرة في 30 مايو عام 1866م في قرية ديوبند في شمال الهند بمساعدة عدد قليل من المؤمنين بالفكرة، وعلى رأسهم الحاج سيد محمد عابد (ت: 1912م) ووافقهما مولانا محمد يعقوب النانوتوي (ت: 1884م) ومولانا ذو الفقار علي (ت 1904م) ومولانا رفيع الدين (ت: 1890م) ومولانا فضل الرحمن العثماني (ت: 1907م) ومولانا مهتاب علي (ت: 1876م).

بدأت المدرسة في أول يوم بمعلم واحد وطالب واحد، (كان اسم كل واحد منهما محمود)[9]، تحت شجرة رمان في ساحة “مسجد جتهه”، ثم زاد عدد الطلاب بشكل كبير، فبُني عدد قليل من الغرف للمدرسة في (الجامع) في القرية. ولما ضاقت الغرف ولم تعد تكفي اشتريت أرض، وبنيت عليها مدرسة، وأخيراً وُضع حجر الأساس لمبنى دائم عام 1876، أي بعد ما يقرب من عشر سنوات من إنشاء المدرسة. وَضَعَ الحجر الأول لهذا الأساس المحدث الشهير مولانا أحمد علي السهارنبوري (ت: 1880م) وتبعه مولانا محمد قاسم النانوتوي و مولانا رشيد أحمد الكنكوهي (ت: 1905م) ثم مولانا محمد مظهر النانوتوي (ت: 1885م)، هؤلاء السادة كانوا مؤسسي هذه المدرسة التعليمية الفكرية في الوقت نفسه، وكان لكل منهم مكانة فريدة في المعرفة والتقوى، وقدَّموا خدمات عظيمة لمسلمي الهند[10].

الانتشار الجغرافي

بمعلم واحد وطالب واحد بدأت المدرسة الديوبندية، لم يكن أحد يتخيل أنه في وقت قصير ستكتسب كل هذه الشهرة والتأثير. كان مؤسسو المدرسة مخلصين وعمليين لدرجة أنهم لم يتكلفوا حتى في تسمية المدرسة باسم رسمي، ولكن سميت على ألسنة الناس بحسب سمعتها العامة باسم (المدرسة العربية الإسلامية). أما اسم (دار العلوم ديوبند) فقد ظهر لاحقاً.

اشتهرت المدرسة في مدة زمنية قصيرة لدرجة أنها بدأت تُذكر ليس في الأوساط الدينية بل في الجامعات الحكومية أيضاً. وقبل أن يمضي على إنشائها عشر سنوات عَمَّت شهرتها الهند كلها، ووصلت إلى كثير من الدول الإسلامية، وبسبب المكانة الروحية والمعنوية العالية التي اكتسبتها بدأ المسلمون يتجهون ويعتمدون عليها في شؤونهم الدينية وشؤون حياتهم اليومية وقضايا الأسرة والمعتقدات جميعًا، حتى السياسة الداخلية[11].لم تعد هذه المدرسة مدرسة عادية، بل صارت مركزًا خاصًا للتدريب الفكري والروحي والسياسي لمسلمي شبه القارة. والحق أن النطاق الفكري والعملي الواسع الذي وضعه مؤسسو المدرسة مع الحجر الأول كان أكبر بكثير من نطاق أي مدرسة أو مؤسسة تعليمية. لقد أثبتت الخدمات العلمية والثقافية والأنشطة العملية لهذه المدرسة والعلماء التابعين لها في الماضي أن أهدافها كانت أعظم من التعليم والفتوى وحل مشكلات الناس، إنها تسعى إلى بناء القيادات الفكرية والتعليمية في جميع المجالات.

لم يُعجب المؤسسة استخدام نسبة (الديوبندي) على أنها انتماء طائفي أو وطني أو حزبي، وجعلت منها انتماء تربويًّا وفكريًّا. وتجاوزت بهذه الرؤية أسوارها، فقد ضمَّت إليها كل من ينتمي إلى الفكر الذي تؤمن به، سواء من أهل العلم الديني أو المجتمعي في أي منطقة من العالم، وظلت مرتبطة بحكمة الإمام شاه ولي الله الدهلوي ورؤية الشيخ أحمد السرهندي والمؤسِّسين الأوائل.. وازداد تأثيرها واتسعت قواعدها في كل مجالات الحياة: الدعوة والوعظ والتذكير والكلام والتصوف والتزكية والنقاش والمناظرة والإمامة والخطابة والصحافة والنشر والطب والحكمة والسياسة[12]. وأصبح خريجوها قادة المدينة أو البلدة أو القرية أو الزقاق الذي وصلوا إليه، حتى إن النبلاء والإداريين أنشأوا مدارس وجامعات منتظمة في أماكنهم ونسبوها إلى أمهم العلمية. لم تعد الديوبندية هندية وباكستانية وآسيوية فحسب، بل أصبحت مدرسة عالمية، لها أتباع ومريدون في كل العالم[13].

المنطلقات والتقاليد والآليات

مصادر الثقافة والمعرفة

يُصـرُّ الديوبنديون على أن انتماءهم الوحيد إنما هو لأهل السنة والجماعة، ويقولون إنهم جزء منهم اسماً ورسماً، صورةً وحقيقةً، علماً وعملاً، ذوقاً ووجداناً. ولذلك فالقرآن الكريم والحديث النبوي وإجماع الأمة والقياس هي المصادر الأساس لثقافتهم ومعرفتهم. وإضافة إلى ذلك هم لا يوسعون المجال لفهم معاني القرآن والحديث بحسب رأي أحد، ويرون أن الفهم الصحيح لا يتحقق إلا بوساطة الصحابة رضي الله عنهم قولًا وفعلًا. وعلى الرغم من ذلك فإنهم يحبون أهل العلم الظاهر والباطن من التابعين ومن بعدهم، ويستفيدون من فهمهم لمعاني القرآن وفقههم للحديث.

ولعل حفيد مؤسس المدرسة الديوبندية المقرئ محمد طيب القاسمي(ت:1983م) قد عَبَّر عن ذلك كله أحسن تعبير بقوله: “إذا أراد أحد أن يعرف الديوبندية وذوقهم الفكري فخلاصة ذلك أنهم مسلمون ديناً، أهل السنة والجماعة فرقةً، حنفيون فقهاً، ماتريديون مع الموافقة للأشعريين كلاماً، صوفيون مشرباً … ديوبنديون نسبة”[14].

يمكن أن نلخص- إذن- المصادر الأساسية لثقافتهم في سبع نقاط:

  • علم الشريعة.
  • اتباع السنة.
  • اتباع الطريقة.
  • التحنف فقهاً.
  • الماتريدية كلاماً.
  • مجانبة كل ما يؤدي إلى الزيغ والضلال.
  • التذوق الفكري بحسب الشيخين محمد قاسم النانوتوي و رشيد أحمد الكنكوهي[15].

مناهج التعليم

لا حرج في أن يسمى منهج الدراسة في دار العلوم ديوبند استمراراً للمنهج المقرر في المدارس الإسلامية الهندية منذ القرن السابع الهجري مع بعض الإضافات والتغييرات، فمنذ القرن السابع إلى نهاية القرن الحادي عشـر في شبه القارة الهندية كانت هناك مواد تعليمية مثل التفسير، والحديث، والفقه، وأصول الفقه، والفرائض، والمناظرة، وعلم الكلام، والتصوف، والعلوم العربية، والأدب العربي، والفلسفة، والمنطق، والطب، والحساب وغيرها، بيد أن الكتب المقترحة لهذه المواد لم تكن واحدة[16]. ثم في بداية القرن الثاني عشر الهجري، أجرى الملا نظام الدين السهالوي اللكنوي (ت:1748م) إصلاحًا رئيسًا للمناهج الدراسية، أدى إلى ظهور (الدراسة النظامية). في الأصل ما كانت (الدراسة النظامية) شيئًا جديدًا، بل كانت صورة منسقة لمقررات مناهج المدارس الإسلامية الهندية منذ قرون، ولكن الشيخ نظام الدين اختار كتبًا تمنح الطالب إمعان النظر ودقة الفكر في كل علم بعد تلقي الدراسة. إن الطالب في أي موضوع، لكنه يتمكن بمطالعته المستمرة من التخصص في مايريد[17]. في منتصف القرن الثالث عشر الهجري، غدت ثلاث مدن هندية مراكز الدراسة، دلهي ولكناو وخير أباد. وعلى الرغم من أن  المنطلقات ووجهات النظر لمدارس هذه المدن الثلاث كانت متطابقة تقريبًا، فقد كانت هناك اختلافات في التوجهات. كان التركيز في دلهي على التفسير والحديث، وفي لكناؤ على الفقه والأصول، وفي خير أباد على المنطق والفلسفة والعلوم العقلية[18]. وعندما تأسست دار العلوم ديوبند، فقدت هذه المراكز الثلاثة أهميتها، وحاول المؤسسون احتواء ميزاتها في مناهجهم الدراسية، وإضافة المزيد من المواد لجعل المناهج أكثر شمولية وحداثة وتناسب الاحتياجات العصـرية.

ينقسم السلم التعليمي اليوم إلى ثلاث مراحل:

  • الإعدادية (خمس سنوات)
  • النظامية (ثماني سنوات)
  • التكميل والتخصص (سنتان)[19]

المطالعة

عادةُ يوصَى الطالب بمطالعة الدرس قبل دخوله في الدرس، حتى في بعض الدروس أو في بعض المعاهد يكلَّف بتحضيره وإلقاء ما فهم من مطالعته وتحضيره أمام الأستاذ والطلبة الآخرين، ثم يصحح الأستاذ ما أخطأ ويضيف إليه. لقد كانوا يعدون دخول الدرس من دون المطالعة والتحضير كدخول الصلاة بدون الوضوء![20]

الإعادة والتكرار

بعد تلقي الدرس من الأستاذ يجب على كل طالب أن يعيد درسه منفردًا أو مع مجموعة، وعادة يجلس طالبان أو أكثر فيعيد أحدهم درسا أمام الآخر، ثم الآخر درسًا آخر أمام الأول، هكذا يضبطون الدروس. ثم قبل أيام الامتحان يعيدون المقروءات بالطريقة نفسها استعدادًا للامتحانات[21].

نظام الامتحان

كل سنة من سنوات التعليم منقسمة إلى ثلاث مدد، في نهاية كل مدة توقف الدروس ويمتحن الطلاب، بما يعني أن  يواجه في السنة الواحدة الامتحان ثلاث مرات، والناجح هو الذي يستحق الترفع إلى الصف الأعلى، وبالطبع الامتحانات تكون بطريقتين: شفاهية وكتابية[22].

كتابة البحوث

في مرحلة التخصص يطلب من كل طالب أن يكتب بحثاً في تخصصه. ويشرف عليه أحد من أساتذته. وفي بعض المدارس في السنة الأخيرة يكلف الطالب بكتابة بحث صغير[23].

أساليب التعليم والدعوة

عادة يختارون طريقة التدريس لتعليم المقرر، فالأستاذ يحضّر بمطالعة الكتاب المقترح وما يمكن أن يضيفه، ثم يلقي درسه. في بعض الأحيان قبل إلقاء الدرس يكلف الطالب أو الطلبة بإسماع الدرس الماضي للتأكد من ضبطه واستيعابه له[24].

إصلاح النفس

ومنذ أول يوم لتأسيس المدرسة كان مؤكدًا أن النشاط لا يقتصـر على دراسة الكتب والمقرر، فثمَّ التربية التي هي جزء أساس، فقدانها يعني اختلال النظام التعليمي. من مستلزمات التربية أن يكون الأستاذ متوجهًا لإصلاح نفسه ونفوس الطلاب، لأجل هذا هم يختارون الطريقة الجشتية الصوفية عامة وغيرها من الطرق الصوفية النقشبندية والقادرية والسهروردية خاصة. كل أستاذ يكون له علاقة بشيخ صوفي من هذه الطرق. وبالنظر إلى سيرة الأستاذ يختار الطالب شيخاً لإصلاح نفسه. وفي عامة الأحوال الأستاذ نفسه يكون مجازاً، فيتعلق به الطالب بوصفه مريدًا. لذلك، نجد أن الديوبندية منذ تأسيسها كانت تعتمد أساتذة، هم أساتذة علم ومشايخ طرق في الوقت نفسه[25].

 مجالس المواعظ

تعقد مجالس المواعظ والدعوة تحت عناوين إصلاحية وتربوية للطلاب. ويدعى أستاذ من الأساتذة أو شيخ من الشيوخ، فيعظ الطلاب، وتسمى هذه المجالس مجالس إصلاحية، ثم إنها تجمع وتنشر في الدوريات والمجلات[26].

مؤسسات التعليم والدعوة

خريجو هذه المدارس أسسوا مؤسسات عديدة للتعليم والدعوة، لكل منها رؤية وطرق منهجية خاصة، فمثلًا من منتمي هذه المدرسة الشيخ محمد إلياس الكندهلوي الذي أسس جماعة الدعوة والتبليغ. وهي جماعة انتشرت في جميع بلاد العالم.

وعامةً أئمة المساجد يعقدون الدروس وكذلك الخطباء يخطبون كل جمعة بما يرونه مهمًّا، بعيدًا عن التأثيرات الخارجية[27].

طرق التمويل

من المرتكزات والمبادئ التأسيسية في فكر الديوبندية مسألة التمويل وطرقه وآلياته وفلسفته، وهذا ظاهر جداً في رأس وصلب قائمة المبادئ الثمانية للدعوة والمدارس الديوبندية[28]. ومن ضمنها اقتصار التمويل على المنح والأعطيات الشعبية، ورفض أي منح حكومية. وعدم الاعتماد على مورد مالي ثابت. وفلسفة هذه النقطة الأخيرة عجيبة، إذ يرى المؤسس النانوتوي أن في ذلك تضييعاً للتوكل وفقداً للبركة بدوام سؤال الله والافتقار إليه. والعجب أنَّ أكثر مدارس القارة لاتزال حتى الآن تؤمن بهذا المبدأ وتعمل به[29].

-3-تجليات الديوبندية وخصائصها

كرم الحفيان *

 وكما كانت ولادة الحركة الديوبندية ومقارباتها فريدة في طول العالم الإسلامي وعرضه، فمن الملاحظ أيضاً أن نتائجها وتجلياتها المجتمعية كانت ومازالت استثنائية وغير مسبوقة في عصور الحداثة والاستعمار وما بعدهما. التجلي الأكبر والكلّي الذي سنلمسه خلال عرض التجليات الجزئية في الصفحات القادمة هو تشكل هوية اجتماعية جديدة عريضة وعابرة للحدود السياسية والقوميات العرقية، وجامعة لشرائح وأحزاب وحركات اجتماعية ذات برامج عملية مختلفة (علمية- دعوية- سياسية- جهادية). هذه الهوية الجامعة مركزها علماء الدين الديوبنديين المستقلين عن دول ما بعد الاستعمار ومؤسساتها. وإذا ما أردنا الدخول في التفاصيل، فبإمكاننا تقسيم تجليات الحركة الديوبندية إلى تجليات خمسة أساسية:  نهضة علمية دينية، تربية ومقاومة روحية، دعوة عالمية، ممارسة سياسية، حركات جهادية. وفي تضاعيف هذه التجليات ستتكشف خصائصها.

1-نهضة علمية دينية

على الرغم من اعتمادها على التبرعات الشعبية العامة فقط، وتجنبها للتمويل الرسمي الحكومي منذ نشأتها كما ذكرنا سابقاً، فإن المعاهد والمدارس العلمية الديوبندية كبرت حتى غدت المنارة الأبرز للعلوم الدينية والعربية، ليس في الهند وما جاورها من بلدان كباكستان وأفغانستان وبنجلاديش فحسب، ولكن في القارة الآسيوية بأسرها. قال العالم الهندي الشهير أبو الحسن الندوي “إن أكبر معهد ديني في الهند يستحق أن يسمى أزهر الهند هو معهد ديوبند الكبير، بدأ هذا المعهد مدرسة صغيرة لا تسترعي الاهتمام ثم لم تزل تتوسع وتتضخم بفضل جهود أساتذتها والقائمين عليها وإخلاصهم وزهدهم في حطام الدنيا حتى أصبحت جامعة دينية كبيرة بل كبرى المدارس الدينية في قارة آسيا”[30]. حقيقةً، من الصعوبة بمكان الوصول لإحصائية دقيقة حول أعداد المدارس الديوبندية في آسيا؛ وذلك لكثرتها ولأن الكثير منها غير مقيد في الدوائر الرسمية الحكومية، بيد أنه مما لا شك فيه أن أعدادها اليوم بعشرات الألوف وطلابها بالملايين. وتشير بعض التقارير إلى أنه مع نهاية العام 2015م، بلغ عدد طلاب المدارس الديوبندية في معاقلها الرئيسة في جنوب آسيا (باكستان- بنغلاديش- الهند) نحو ستة ملايين طالب![31]

وقد سبق أن وصف الرئيس الباكستاني الأسبق برويز مشرف المدارس الدينية في بلاده بأنها أكبر مؤسسة خيرية في العالم، فسائر مراحل التعليم من بدايتها إلى التخرج مع كل مستلزماتها وملحقاتها من كتب وطعام وكسوة ومبيت تقدم للطلاب مجاناً، والممول هو الشعب، الذي يعتبر نفسه مالكاً لهذه المدارس[32].  هذا في ما يخص كم المدارس والطلاب. أما في ما يتعلق بجودة العلم الديني المقدم فيها، فمما تميز به الديوبنديون الاعتناء بــــ والجمع بين: أصول الفقه وعلم الكلام وعلوم الحديث النبوي الشريف. وبخصوص هذه الأخيرة تحديداً، ننقل هنا عبارات العالم المصري المعروف الشيخ محمد رشيد رضا عقب زيارته لدار العلوم ديوبند قال “لولا عناية إخواننا علماء الهند بعلوم الحديث في هذا العصر لقضي عليها بالزوال من أمصار الشرق، فقد ضعفت في مصر والشام والعراق والحجاز منذ القرن العاشر للهجرة حتى بلغت منتهى الضعف في أوائل القرن الرابع عشر”[33]. ومن ناحيته، قرَّر الكندي ويلفرد كانتويل أحد أشهر علماء الأديان المقارنة في القرن العشرين أن دار العلوم ديوبند هي المؤسسة الدينية العلمية الأهم في العالم الإسلامي بعد الأزهر في مصر[34]. خاصية أخرى فارقة وهامة للغاية في المدرسة العلمية الديوبندية، مرتبطة بلحظة الإنشاء الأولى ورؤية المؤسس الشيخ النانوتوي، هي أن الهدف من الـتأسيس لم يكن تخريج الفقهاء والمعلمين فحسب، وإنما تكوين مركز و”ثكنة تخرج المكافحين والدعاة الذين يفتحون جبهة جديدة للكفاح بعد ما لقي المسلمون الهزيمة المنكرة من الانجليز المحتلين، وانقرضت دولة الإسلام من الهند”[35]. وبالفعل، فإن أول طالب التحق بالمدارس الديوبندية هو من عاود الكرّة وأسس منظمة أسماها (ثمرات التربية) ثم هندَس وقاد ثورةً مسلحةً أخرى ضد الاحتلال البريطاني. الطالب هو محمود حسن الذي عُرف في ما بعد بمولانا شيخ الهند محمود حسن[36].  هذا الجانب التأسيسي الهام في تاريخ الديوبندية (إضافةً إلى استقلالها المالي عن أي حكومة أو سلطة) له بصمة ظاهرة (على امتداد عمر هذه الحركة العلمية منذ قرنٍ ونصف تقريباً) على شخصية وأداء الكثير من منتسبيها وخريجيها ورموزها سواءً كانوا ضمن جمعيات علمية أو أحزاب سياسية أو حركات مقاومة مسلحة كما سنرى لاحقًا.

2- تربية ومقاومة روحية

في السياق نفسه، وبالتناغم مع موقفها الرافض لثقافة الحداثة الحداثة الغربية وقيمتها، فإن الحركة العلمية الديوبندية حرصت على مقاومة قيم المادية والنفعية والفردية عبر الحفاظ على المنظومة التربوية الروحية القديمة. ومن ناحيةٍ أخرى، أطلقت دعوتها الإصلاحية وأعربت عن رفضها لبعض الممارسات والموروثات الشعائرية المنتشرة في ذلك الوقت.

بدايةً، كانت البساطة بل الزهد في الدنيا قاعدة أساسية في نموذج التعليم الديوبندي، وذلك عند الأساتذة والطلاب على حدٍّ سواء[37]. فوفقاً للرؤية الديوبندية، فإنَّ فعالية العلم المنقول لا تنفك عن تطبيق المعلِّم الناقل، “هل تتعلم الزهد الصوفي على من هو ليس بزاهد، وهل تدرس الحديث على عالم لا يعيش وفقاً له؟”[38]. وانطلاقاً من هذا التصور التراثي الشمولي لعملية تحصيل العلم والمعرفة، اعتنت الديوبندية بالجوانب الأخلاقية والروحية المصاحبة للتعليم النظري المجرد، وعدَّتها عملية معالجة مستمرة للنفس، الهدف منها التخلص من الأخلاق الرذيلة كحب الدنيا والجاه والرياء والحسد، واكتساب الأخلاق الحميدة كالتقوى والخشوع والزهد والمحبة[39]. هكذا كانت تُبنى الشخصية وتُغرس الأخلاق والروح الإسلامية داخل المدارس من خلال مفهوم (الصحبة) الطويلة والتفاعل المتواصل بين الأساتذة والطلاب[40]، واشتراكهم في ممارسة أنماط سلوكية معينة مستمدة من الأحاديث النبوية، إضافةً إلى ضف أ وجود روابط وقصص تصوف مشتركة ممتدة بأسانيدها للنبي عليه الصلاة والسلام. نتيجة لما سبق تنشأ روابط روحية عميقة ومتينة ومودة مستمرة بين الأساتذة والطلاب[41]. وفي الاتجاه المقابل، أعربت الديوبندية عن نقدها لمجموعة من الممارسات المنتشرة وقتها كالحج إلى قبور الأولياء، والاحتفال بذكرى وفاتهم السنوية، والاحتفال بالمولد النبوي، وسعت لإعادة توجيه الممارسة الصوفية نحو إصلاح النفس، وإعادة مفهوم تبجيل الأولياء بالتمحور حول فضائلهم لا كراماتهم[42].

 3- دعوة عالمية

 من التربية الروحية ننتقل إلى الدعوة العالمية. قد لا يعرف الكثيرون طبيعة العلاقة بين الحركة الديوبندية العلمية وبين أكبر جماعة دعوية إسلامية في العالم: جماعة التبليغ والدعوة. الحقيقة أن العلاقة مثيرة ومتشعبة، تكاملية من جهة، وتخادمية من جهة أخرى، ومستقلة من جهة ثالثة! في البداية، ولدت جماعة التبليغ والدعوة في نهاية عشرينيات القرن العشرين من رحم الحركة الديوبندية. مؤسس الجماعة هو الشيخ محمد إلياس الكندهلوي أحد خريجي دار العلوم ديوبند. وكما مر معنا فإن قلب عمل المعاهد الديوبندية كان التعليم الديني وتخريج العلماء والمعلمين. فماذا عن الجماهير المسلمة العريضة وكيف السبيل لدعوتهم للالتزام بتعاليم الإسلام؟ من هنا جاءت فكرة تأسيس جماعة تذهب بالدعوة لعامة المسلمين، وفي الوقت نفسه تحفزهم على ممارسة الدعوة على صورة مجموعات وإن كانت بضاعتهم في العلم الديني قليلة. هذه الدعوة تركز على إصلاح الفرد إيمانياً، وتتجنب الكلام في الخلافات الفقهية والعلمية، وتتحاشى السياسة والعمل المسلح، إلا أنها بلا شك تحمل طابعَ وسمتَ المدرسة الديوبندية وتحتفظ بصلات قوية بعلمائها ومعاهدها[43]. وعلى الرغم من المعارضة المبدئية وتردد قادة الحركة العلمية الديوبندية، وتخوفهم من إسناد مهمة الدعوة والبلاغ لأفراد غير مؤهلين علمياً، فإنهم في نهاية المطاف، بعد أخذ ورد ثم موازنة الأضرار الناجمة عن الدعوة من غير المختصين، مع الحاجة للإصلاح العام للجماهير المسلمة، رجّح العلماء الديوبنديون الأمر الثاني، وعدُّوا جماعة التبليغ امتداداً لفلسفتهم في الإصلاح العام للأفراد عبر (صحبة) الأتقياء[44]. هنا تبرز العلاقة التكاملية بين الطرفين التي تطورت لتحمل صفة التخادم المتبادل. فأحد أهم أسباب انتقال الحركة الديوبندية إلى العالمية هو صعود جماعة التبليغ والدعوة كظاهرة عالمية منذ منتصف القرن العشرين. ومن أدق التوصيفات الموضحة لتفاصيل أدوار الحركة والجماعة، هو ما توصل له الباحث المتخصص في الدراسات الإسلامية البروفيسور برانون إنجرام  Brannon Ingram في دراسته الميدانية الهامة “النهوض من الأسفل، الحركة الديوبندية والإسلام العالمي”، يصف برانون إنجرام جماعة التبليغ كمحرك للوجود الديوبندي في الحياة العامة. بينما تمثل المعاهد العلمية الديوبندية الشاحن لهذا المحرك، الذي يعمل بدوره بشكل مستقل عنها[45].

4- ممارسة سياسية

بالعودة إلى معاقل الحركة الديوبندية في الجنوب الآسيوي، وعبر استقراء الخطوط العريضة للأدوار السياسية المختلفة للجمعيات العلمائية الديوبندية تاريخياً وحالياً، سنتعرف على ظاهرة غائبة عن عالمنا العربي منذ قيام الدول القومية في حقبة ما بعد الاستعمار. هذه الظاهرة تجلت في أحزاب دينية سياسية قوية (في باكستان) قادتها علماء دين، وقوامها طلاب علم ديني. ما يهمنا هنا هو تسليط الضوء على أهم تكتلين للعلماء الديوبنديين، جمعية علماء الهند، وجمعية علماء الإسلام في باكستان. تاريخياً، التمثل الأول للحركة العلمية الديوبندية في كيان سياسي كان باسم جمعية علماء الهند. هذا الكيان نشأ في سياق ما عُرف بحركة الخلافة عقب هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى. وكان الهدف منها منع الاستعمار البريطاني من القضاء على الخلافة العثمانية[46]. وبعد سقوط الخلافة، انخرطت الجمعية في النضال الوطني الهندي للاستقلال من الاحتلال البريطاني، وعملت بشكل مقرب من حزب المؤتمر الوطني الهندي بقيادة غاندي. ومع ظهور توجه جدي لإقامة دولة مستقلة للمسلمين على جزءٍ من الهند (باكستان حالياً)، مال غالبية علماء الهيئة إلى رفض التقسيم، في حين انشق قسم منهم وأسسوا جمعية علماء الإسلام في باكستان وتحركوا باتجاه استقلال باكستان. الرافضون للتقسيم كانوا يرون أنه بعد الاستقلال من بريطانيا وتسلُّم الغالبية الهندوسية للسلطة “لن يحرم المسلمون من حقوقهم المستحقة”[47] وسيحتفظون بهويتهم الثقافية الإسلامية بناءً على وعود غاندي في شكل الدولة الهندية المستقلة، إضافةً إلى خشيتهم على مصير الأقلية المسلمة في مناطق الهندوس إن حدث الانفصال[48]. مهما يكن من أمر، فإن جمعية علماء الهند عادت لاعتزال السياسة بعد استقلال الهند، وانحصرت نشاطاتها في الجوانب الثقافية والتعليمية.[49]

وفي الاتجاه المقابل للسيناريو الهندي، فإن وضع الديوبنديين السياسي في باكستان شهد نقلةً نوعية. فمنذ تأسيس دولة باكستان في 1947م، برزت جمعية علماء الإسلام في باكستان قوة سياسة كبيرة في الساحة الباكستانية. وقد تنوعت أدوارها بين العمل البرلماني النيابي، والحكم التنفيذي الإداري في بعض الأقاليم، ولكن دورها الأبرز يتجسد في القدرة على التعبئة الاجتماعية والتحول لجماعة ضغط pressure group ذات تأثير فيثيتأثير القرارات والسياسات الداخلية والخارجية لمن يحكم باكستان. من ذلك كان شنها للحملات الشعبية الواسعة والمتكررة مع قوى إسلامية أخرى لدفع الحكومة لأسلمة الدستور الباكستاني ونجاحهم الجزئي في حراكات أعوام 1949م و1951م و1972. ففي عام 1949 نجح الضغط في تثبيت مبدأ السيادة لله في الدستور وأن السلطة ستمارس ضمن حدوده. وفي عام 1951 جرى الاتفاق على اثنين وعشرين مبدأً تُمَثَّل تصوراً للدولة الإسلامية، منها بناء الدولة على أساس العقيدة لا العرق ولا الانتماء الجغرافي، وفرض قوانين الدولة على أساس القرآن والسنة. أما في عام 1972 فقد أمكن الوصول إلى اتفاق بين السلطة والجمعية يتم بموجبه تعديل القوانين المطبقة وقتها وفقاً للشريعة الإسلامية[50]. يبدو أن علاقة الشد والجذب بين السلطة والأحزاب الديوبندية أصبحت سمة من سمات السياسة الداخلية في باكستان، وما زال نداء وسعي جمعية علماء الإسلام لتطبيق النظام الإسلامي في مقدمة أهدافها حتى يومنا هذا. جانب آخر من الأداء السياسي لجمعية علماء الإسلام هو قيادة الحراك لإسقاط أو معارضة بعض الحكومات سواءً لمسائل تشريعية قانونية كما هي حالة الرئيس المتنحي أيوب خان في ستينيات القرن الماضي[51]، أو لأسباب التبعية السياسية للولايات المتحدة الأمريكية في حروبها كما كان الوضع مع الجنرال برويز مشرف في مطلع الألفية الجديدة[52]، أو لتدهور الأحوال الاقتصادية والمعيشية، إضافةً إلى تهم التزوير ومحاباة ودعم الجيش له كما هي الاتهامات الموجهة لعمران خان لاعب الكريكيت الشهير سابقاً ورئيس الوزراء منذ 2018م[53]. تجدر الإشارة هنا إلى أن تاريخ جمعية علماء الإسلام في باكستان شهد عدة انشقاقات حتى كان التوحد، واستقر الأمر على جماعتين مستقلتين: جمعية علماء الإسلام (فرع فضل الرحمن) وهي تهتم أكثر بالشؤون الباكستانية وتوصف بالمرونة والانفتاح والتحول في تحالفاتها مع الأحزاب المختلفة، وجمعية علماء الإسلام (فرع سميع الحق) وهي معنية ونشطة أكثر بالقضية الأفغانية، حتى إن زعيمها سميع الحق يطلق عليه لقب “أبو طالبان أفغانستان”[54]. وبغض النظر عن تقييم أداء الجمعيتين وقادتها في الحقب المختلفة، وما يثار حول فساد بعض القيادات[1]، أو أدوارٍ وظيفيةٍ تصب في مصلحة المؤسسة العسكرية الباكستانية[2] (الحاكم الفعلي)[3]. إلا أن ما يعنينا هنا هو لفت النظر إلى الأدوار السياسية التي لعبتها (خلال مسيرتها) والتي يمكن أن تلعبها الشبكات المدرسية الديوبندية المستقلة فكرياً ومالياً وهيكلياً عن الدولة الحديثة ومؤسساتها. هذه المدارس شكلت ومازالت تشكل قوة اجتماعية سياسية فعّالة وعصية على التذويب الثقافي أو التفكيك الهيكلي رغم التحديات الكثيرة الناعمة والخشنة داخلياً وخارجياً.

5- حركات جهادية

قد يظن بعض الناس أن العمل الجهادي للمدرسة الديوبندية بدأ مع حركة طالبان داخل الأراضي الأفغانية في منتصف تسعينيات القرن الماضي نتيجة للحرب الأهلية والفوضى الداخلية والفراغ السياسي. وقد يعتقد آخرون أن البداية كانت في الثمانينيات في الجهاد الأفغاني ضد السوفييت بتشجيع السلطات الباكستانية له وخاصة الرئيس الأسبق ضياء الحق.

على الرغم من الأهمية الكبيرة لما سبق، فإن الأمر أبعد وأعمق من ذلك. ففي نظر الباحث أنّ نمط حياة المجتمعات الديوبندية المتجنب لقيم الحداثة الغربية وطريقة الحياة العصرية، إضافةً إلى الروح التي قامت بها المعاهد الديوبندية والهدف الذي أسست لأجله (التأسيس للمواجهة). هذه الأمور الثلاثة أبقت ما يمكن أن نطلق عليه ثقافة (لقابلية للجهاد) حيّة في الذاكرة والممارسة الديوبندية منذ التأسيس وحتى الآن. قال الشيخ سميع الحق (أبو طالبان) وزعيم جمعية علماء الإسلام في باكستان “حتى قبل أن يكون للحكومة الباكستانية سياسة أفغانية، كنا نرسل مجاهدينا للقتال بجوار المجاهدين الأفغان”. ما يعزز هذا الزعم استمرار المدارس الديوبندية في الدعوة للجهاد (بباكستان وبدونها) حتى بعد سقوط حكم طالبان في أفغانستان نهاية 2001م[55].

بنظرة سريعة، فإن تاريخ الجهاد الديوبندي يعود لمشاركة علماء الديوبندية في العمل المسلح ضد الحكم البريطاني في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين[56]. إضافةً إلى قيادة ثورة أو حركة الرسائل الحريرية الشهيرة في العقد الثاني من القرن العشرين ضد البريطانيين أيضاً[57]، ثم القتال في إقليم كشمير ضد الجيش الهندي في منتصف الأربعينيات من خلال قبائل البشتون[58]، وصولاً إلى الحركات الديوبندية المسلحة المعاصرة وأبرزها حركة طالبان في أفغانستان.

الخريطة الديوبندية المسلحة

بإمكاننا أن نقسم الديوبندية المسلحة إلى قسمين رئيسيين: جماعات باكستانية، وحركة طالبان الأفغانية.

جماعات باكستانية

(أ‌) جماعات مناهضة للشيعة (سباه صحابة، لشكر جهنكوي)

نشأت جماعة سباه صحابة (وتعني بالعربية جيش الصحابة) في باكستان في 1985م ردَّ فعل على تمدد النفوذ الشيعي السياسي في باكستان في أعقاب الثورة الإيرانية 1979م، وهدفت لإنشاء دولة سنّية خالصة في باكستان. تمثَّل النشاط العسكري الأساسي للجماعة في استهداف الوجود والنفوذ الشيعي. وقد شنت الجماعة هجمات كبيرة وكثيرة ضدهم في العقود الأخيرة. وتُعد سباه صحابة على رأس الجماعات المتهمة بالانخراط في القتال الطائفي بجانب أحزاب شيعية أخرى كحركة سباه محمد والحركة الجعفرية في باكستان وغيرها. ويرى الكثيرون أن لإيران وبعض الأنظمة السياسية العربية يدًا في إذكاء أوار هذه الحرب المستمرة. الجماعة الثانية هي لشكر جهنكوي وقد خرجت من رحم سباه صحابة عام 1994م وسارت على المنهج نفسه [59].

(ب‌) جماعات كشميرية: (حركة الجهاد الإسلامي- حركة المجاهدين- جيش محمد)

في سياق آخر، وبعيداً عن الحرب الطائفية، تأسست الجماعات الكشميرية في العقدين الأخيرين من القرن العشرين (حقبة الجهاد الأفغاني وتوابعه)، وتلخصت أجندتها السياسية في أمرين: تحرير إقليم كشمير وضمه لباكستان، ثم الأسلمة الكاملة للدولة الباكستانية. وبجوار قتالها في أفغانستان، فإن نشاط الجماعات الكشميرية الأساسي كان باتجاه السلطات الهندية في كشمير والهند. وتحسن الإشارة هنا إلى تبني حركة المجاهدين وجيش محمد لبعض أدبيات “الجهاد العالمي” وقيامها بعمليات عسكرية عديدة مشابهة لنهج القاعدة (من خطفٍ للطائرات المدنية واستهدافٍ السياح الغربيين)، قبل أن تتراجع عن ذلك تدريجياً وتعود لبرنامجها الأصلي[60].

ومن جهةٍ ثانية، لا يعرف عن هذه الجماعات مشاركة في عمل مسلح ضد الحكومة في باكستان. ويرجع بعض المراقبين هذا إلى حرصها على الحفاظ على بنيتها التحتية الكبيرة الممتدة في باكستان. هذه البنية تشمل المدارس والمراكز الصحية والممتلكات والمكاتب والشبكات التنظيمية[61].

(جـ) جماعة تحريك طالبان (طالبان باكستان)

على الطرف الآخر من الجماعات الكشميرية، تبرز تحريك طالبان (الجماعة الديوبندية الأحدث) في مقدمة الجماعات المشتبكة عسكرياً مع الحكومة والجيش الباكستاني، وقد أعلنت عن وجودها في ديسمبر 2007م بعد تحالف نحو 40 فصيلاً قبلياً. في بداياتها بين عامي 2002 و2004 م كان خطاب وعمل الجماعة يركز في المقام الأول على دعم الجهاد ضد قوات الناتو الغازية لأفغانستان لإعادة حكم حركة طالبان (الإمارة الإسلامية في أفغانستان)، بيد أنه نتيجة لعوامل عديدة في مقدمتها حملات الجيش المستمرة على المناطق القبلية (ذات الحكم الذاتي ومعقل الجماعة) تحول برنامج تحريك طالبان إلى الصدام مع السلطة والجيش[62]. منذ ذلك الحين تحولت أولويات الجماعة لإقامة دولة إسلامية في باكستان، إضافةً إلى الارتباط بالجماعات الجهادية العالمية. ينحصر وجود الجماعة في المناطق القبلية بباكستان وكان تأسسيها أشبه بتحالف لا مركزي بين فصائل محلية كثيرة. من الناحية الفكرية، تُصنف الجماعة بأنها الأكثر تأثراً وقرباً من التنظيمات الجهادية العابرة للحدود[63]. ومن الناحية العملية، وعلى الصعيد المحلي، توصف الجماعة بجمعها بين قتال السلطة والإسهام في الحرب الطائفية[64] إضافة إلى استهدافها للأحزاب والعلماء المشاركين بالعملية السياسية في باكستان[65].

حركة طالبان الأفغانية

أما الجماعة الديوبندية المسلحة الأكبر والأكثر شهرةً إقليمياً وعالمياً فهي حركة طالبان أفغانستان. البوصلة العسكرية الأساسية للحركة منذ سقوط حكمها (الإمارة الإسلامية في أفغانستان) في 2001 تشير باتجاه قتال المحتل المستعمر والحكومة التابعة له في أفغانستان. والمشروع والسردية السياسية التي صاغتها طالبان كانت استعادة حكم (الإمارة الإسلامية في أفغانستان) التي أطاحت بها الولايات المتحدة الأمريكية[66]. من وجهة نظر الباحث، فإن نموذج طالبان أفغانستان يبدو الأقرب لنهج مؤسسي الحركة الديوبندية لجمعه بين ثلاثة أمور:

  – الحفاظ على ترابط الحركة المسلحة مع الحركة العلمية الديوبندية العريضة، نلحظ هذا في التأييد الواسع الذي تحظى به طالبان من مجمل الديوبندية العلمية إن جاز التعبير[67].

  – التراتبية التاريخية لمسيرة الحركة. فالانطلاقة كانت من التعليم والتكوين الديني الصرف المنعزل عن مؤثرات الحداثة والحياة العصرية، ثم الحركة الاجتماعية المسلحة، ثم الصعود السياسي الحر بمعزل عن المسارات والهياكل السياسية للاستعمار ودول مابعد الاستعمار[68].

 –  النأي بالحركة عن الخطابات والحروب الطائفية[69] والتركيز على مواجهة المستعمر وأدواته.

 يحسن التذكير هنا أنه على الرغم من الإطاحة السريعة بحكم حركة طالبان لأفغانستان في 2001 فإنها نجحت في جمع شتاتها وقيادة مقاومة جهادية لما يقارب عقدين في وجه تحالف دولي بقيادة أمريكا، ومؤخراً عادت الحركة بقوة لتصدُّر المشهد السياسي الأفغاني، ووقعت اتفاقية تاريخية تقضي بانسحاب جميع القوات الأجنبية من أفغانستان بحلول مايو 2021م[70]. إن عدنا عقدين إلى الخلف وتحديداً أبريل2001 م، سنجد أنفسنا أمام اجتماعٍ دوليٍ كبير، حشدٍ دينيٍ مشهود في بلدة تارو جابا قرب مدينة بيشاور الباكستانية. مناسبة الاجتماع هو مرور 150 عاماً على انطلاقة الحركة العلمية الديوبندية. والهدف المعلن من هذه الفعالية التي حضرها عشرات الآلاف هو مراجعة إنجازات دار العلوم ديوبند خلال تلك المدة. ضمت الفعالية وفوداً وشخصيات قيادية رفيعة ممثلةً لكبرى الكيانات الديوبندية العلمية والدعوية والسياسية والجهادية، بدءاً من منظم الحفل: جمعية علماء الإسلام في باكستان (الحزب الديني السياسي الأقوى في باكستان) ومروراً بجمعية علماء الهند (كيان علمي- تعليمي ضخم) وجماعة التبليغ والدعوة (جماعة دعوية عالمية) ووصولاً لممثلي حركة طالبان (حركة اجتماعية جهادية) الحاكمة لأفغانستان في ذاك الوقت. وعلى الرغم من الاختلاف الظاهر بين برامج عمل هذه الجماعات التي عبر عنها كل طرف من خلال الكلمة التي ألقاها في المؤتمر الجماهيري الحاشد. فإن الانطباع العام المأخوذ من هذا التجمع هو إظهار القوة السياسية للمدارس الدينية الديوبندية وتأييد مبدأ الحكومة الإسلامية ودعم حكم حركة طالبان سياسياً وأخلاقياً والوقوف معها في وجه العقوبات الغربية المفروضة عليها[71]. مهما يكن من أمر، فإن ظاهرة محورية الفكرة الديوبندية عند مختلف أتباعها وجماعاتها تبدو مستمرة ليومنا هذا.

خاتمة

 في الختام، حاولت هذه الدراسة أن تكشف النقاب عن تجربة فكرية مجهولة نسبياً في العالم العربي، وان كانت ثرية وذات أثر ثقافي وميداني هائل في دول وبقاع إسلامية كبرى؛ وهي الحركة الديوبندية، التي تصنف ضمن المدرسة التقليدية المتجنبة للتفاعل مع الثقافة والمعرفة العصرية بكل أنواعها، والغائبة عن تقديم أي مساهمات أو إنجازات في المجال التكنولوجي أو “الحضاري”. بيد أنه من خلال هذا البحث ظهر من خصوصياتها الفكرية والحركية ما أهّلها لبناء مجتمعات وتجمعات علمية ودعوية وسياسية قوية وفعّالة؛ فالمعاهد الديوبندية في شبه القارة الهندية أصبحت من أنشط، إن لم تكن أنشط المراكز العلمية في الأمة الإسلامية، وجهودها في المحافظة على ونشر المعرفة والتراث الإسلامي وترسيخ الأخلاق الإسلامية ظاهرة. والأهم من ذلك، هو استقلال هذه “القلاع” العلمية من تدخلات وتمويلات المحتلين وعبث الحكومات في عملها ومناهجها، وذلك عبر تفعيل دور المجتمعات المسلمة في تمويل وحماية مدارسهم ومعاهدهم العلمية وبث ثقافة الزهد في الدنيا والبعد عن الثقافة المادية الاستهلاكية. والمعادلة الصعبة التي نجحت المدرسة الديوبندية في تحقيقها في أحيانٍ كثيرة هو الجمع بين نمط الحياة البسيط الزاهد والحضور السياسي القوي، وأهم ما ميز هذا الحضور، هو القدرة على الحشد الشعبي الكبير والعمل كمجموعات ضغط سياسي لإقرار قوانين إسلامية، أو تعديل سياسات داخلية وخارجية، أو إلغاء قرارات حكومية ودستورية، أو التشبث باستقلالية منظوماتها وشبكاتها التعليمية الواسعة. والمتابع لمسيرة جمعية علماء الإسلام (بشقيها) في باكستان سيدرك ما أقول، وسيرى الفارق الكبير بينها وبين غالب الأحزاب الإسلامية الأخرى المنتشرة في أرجاء العالم الإسلامي. وهذا، رغم ما يشوب أداء بعض قادتها من أدوار وظيفية وتقلبات براجماتية، ورغم أنها مازالت غير قادرة على قيادة أي تحول سياسي جذري. ومن الناحية الدعوية، فإن مما لا يعرفه كثيرون أن الجماعة الدعوية الأكبر في العالم، وهي “جماعة التبليغ والدعوة” هي بنت المدرسة الديوبندية، وتعمل بالتنسيق معها.

وعلى الصعيد الحركي الجهادي، فقد أفرزت المدرسة الديوبندية نماذج شتى؛ ما بين تنظيمات مقاومة، وأخرى وظيفية أو طائفية، إلا أن الجماعة الأبرز هي حركة طالبان الأفغانية، الحركة الجهادية الأنجح عسكرياً وسياسياً واجتماعياً في حقبة ما بعد الاستعمار في نظر الباحث (وسنخصص دراسة قريبة مستقلة عنها). والملاحظة الجوهرية الجديرة بالتأمل هي القدر الكبير من الترابط، أو على الأقل عدم التناحر بين مكونات وكيانات ديوبندية كثيرة على اختلاف برامجها العلمية أو التربوية أو الدعوية أو السياسية أو الجهادية. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على قدر كبير من مركزية واستقلالية وتماسك الحركة العلمية الديوبندية ونموذجها الفكري، الأمر الذي نفتقده في حركاتنا العربية، ونحتاجه بشدة، خاصةً في مرحلة ما بعد الربيع العربي والتطورات الإقليمية والعالمية المصاحبة له. من أجل هذا، لعله قد آن الأوان لنفض الغبار عن إرث وحاضر هذه الحركة الفريدة في عالمنا الإسلامي، فهل من مشمّر؟

 

المراجع والمصادر:

* د. نبيل فولي محمد: أستاذ المنطق وعلم الكلام بكلية العلوم الإسلامية في جامعة السلطان محمد الفاتح الوقفية بإسطنبول، ورئيس قسم العقيدة والفلسفة في الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام آباد سابقًا.

*  محمد أحمد رضا: المحاضر في الكلية الحكومية، معهد التعليم العالي. بنجاب. باكستان، يعد لرسالة الدكتوراه في مصطلح الحديث ، جامعة ابن خلدون، اسطنبول-تركيا.

[1] ولد سنة 1542م وحكم بعد وفاة أبيه وهو في الثالثة عشرة من عمره، نحو نصف قرن من سنة 1556م إلى وفاته سنة 1605م. ولأنه تولَّى مبكرًا لم تتح له فرصة التعلم وعلى الرغم من ذلك جمع حوله العلماء في شتى مجال العلم. وفاز في ميادين الحرب والسياسة معًا، فأوصل الإمبراطورية المغولية إلى القمة. كانت له أفكار غريبة وآراء لاتوافق الشريعة الإسلامية.

[2] ابن جلال الدين الأكبر المذكور، ولد سنة 1569م، تولي بعد وفاة أبيه فاستكمل جهوده في تطوير الإمبراطورية التي حكمها بين عامي 1605م و1627م نجح في السياسة والحكومة وتحقق في زمنه شيء من العدل. كان محبا للدعة والخمر، فحصل في زمنه ضعف في الجو الديني.

[3] شیخ محمد اکرم۔ “رودِ کوثر”(پاکستان۔ لاہور، ادارہ ثقافت اسلامیہ: 2005) 222۔

[4] سید قاسم محمود۔ “اسلام کی احیائی تحریکیں اور عالمِ اسلام” (پاکستان۔ لاہور۔ الفیصل: 2012) 69۔

[5] سید قاسم محمود۔ “اسلام کی احیائی تحریکیں اور عالمِ اسلام”(ایضاً) 101۔

[6] سید محبوب رضوی۔ “تاریخ دارالعلوم دیوبند” (پاکستان۔ لاہور۔ ادارہ اسلامیات: 2005) ج 2۔ ص 302۔

[7] سلامت اللہ۔ “ہندوستان میں مسلمانوں کی تعلیم” (انڈیا۔ نئی دہلی۔ مکتبہ جامعہ:2011) 40۔

[8] ڈاکٹر محمود احمد غازی۔ “محاضرات تعلیم” (پاکستان۔ کراچی۔ زوار اکیڈمی: 2012) 292۔

[9] الطالب محمود سيصبح في ما بعد شيخ الهند مولانا محمود حسن وله إسهامات ضخمة في تاريخ الديوبندية، سنتطرق لها في النقطة الأولى من محور تجليات الحركة الديوبندية.

[10] سید محبوب رضوی۔ “تاریخ دارالعلوم دیوبند” (پاکستان۔ لاہور۔ ادارہ اسلامیات: 2005) ج 1، ص 146۔ 183۔ ڈاکٹر رشید احمد جالندھری۔ “دارالعلوم دیوبند” (پاکستان۔ لاہور۔ ادارہ ثقافتِ اسلامیہ: 2004) 121۔

[11] ڈاکٹر رشید احمد جالندھری۔ “دارالعلوم دیوبند” (پاکستان۔ لاہور۔ ادارہ ثقافتِ اسلامیہ: 2004) 146۔

[12] قاری محمد طیب قاسمی۔ “علمائے دیوبند کا دینی رخ اور مسلکی مزاج” (پاکستان۔ لاہور۔ ادارہ اسلامیات:1988)22۔

[13]  سید محبوب رضوی۔”تاریخ دارالعلوم دیوبند” (پاکستان۔ لاہور۔ ادارہ اسلامیات: 2005) ج 2، ص 17-22۔

 ڈاکٹر رشید احمد جالندھری۔ “دارالعلوم دیوبند”(پاکستان۔ لاہور۔ ادارہ ثقافتِ اسلامیہ: 2004) 141-163۔

بروفسر بختیار حسین صدیقی۔”مسلمانوں کی تعلیمی فکر کا ارتقاء”(پاکستان۔ لاہور۔ ادارہ ثقافتِ اسلامیہ:2009) 126-129۔

[14] قاری محمد طیب قاسمی۔ “علمائے دیوبند کا دینی رخ اور مسلکی مزاج” (پاکستان۔ لاہور۔ ادارہ اسلامیات:1988)193۔

[15]  سید محبوب رضوی۔ “تاریخ دارالعلوم دیوبند” (پاکستان۔ لاہور۔ ادارہ اسلامیات: 2005) ج 2، ص 429.

والنقاط الست الأولى مستنبطة من كلام الشيخين ، أما النقطة السابعة (التذوق الفكري) فالمراد منها التفاعل مع الأصول الستة المذكورة بحسب تفاعل الشيخين مع الاعتدال والوسطية والجمع بين النصوص وعمل الرجال من المتقدمين، للمزيد: مولانا محمد طيب القاسمی “دارالعلوم دیوبند کی جامع و مختصر تاریخ” (انڈٰیا، دیوبند، شیخ الیند اکیڈمی:2016)144.

[16] پروفیسر بختیار حسین صدیقی۔ “برِصغیر پاک وہند کے قدیم عربی مدارس کا نظامِ تعلیم”(پاکستان۔ لاہور۔ ادارہ ثقافتِ اسلامیہ:2009) 10-35۔

[17] پروفیسر بختیار حسین صدیقی۔ “برِصغیر پاک وہند کے قدیم عربی مدارس کا نظامِ تعلیم”(ايضا) 10-35۔

[18]  سید محبوب رضوی۔ “تاریخ دارالعلوم دیوبند” (پاکستان۔ لاہور۔ ادارہ اسلامیات: 2005) ج 2،ص 268.

[19]  مولانا شوکت علی قاسمی۔ “دارالعلوم دیوبند اور مدارسِ اسلامیہ” (انڈیا۔ دیوبند۔ مرکزی دفتر رابطہ مدارسِ اسلامیہ عربیہ:2018) 51۔

[20]  مولانا شوکت علی قاسمی۔ “دارالعلوم دیوبند اور مدارسِ اسلامیہ” (ايضا) 91 و124و192.

[21]  مولانا شوکت علی قاسمی. “دارالعلوم دیوبند اور مدارسِ اسلامیہ” (ايضا) 119.

[22]  مولانا محمد اللہ قاسمی۔ “دارالعلوم دیوبند کی جامع و مختصر تاریخ” (انڈٰیا، دیوبند، شیخ الیند اکیڈمی:2016)206۔

[23] پروفیسر بختیار حسین صدیقی۔ “برِصغیر پاک وہند کے قدیم عربی مدارس کا نظامِ تعلیم”(ايضا) 36-44۔

مولانا شوکت علی قاسمی۔ “دارالعلوم دیوبند اور مدارسِ اسلامیہ” (انڈیا۔ دیوبند۔ مرکزی دفتر رابطہ مدارسِ اسلامیہ عربیہ:2018) 66۔

[24]  مولانا شوکت علی قاسمی۔ “دارالعلوم دیوبند اور مدارسِ اسلامیہ” (ايضا) 97۔

[25]  مولانا محمد اللہ قاسمی۔ “دارالعلوم دیوبند کی جامع و مختصر تاریخ” (ايضا)143-

[26] مولانا شوکت علی قاسمی۔ “دارالعلوم دیوبند اور مدارسِ اسلامیہ” (انڈیا۔ دیوبند۔ مرکزی دفتر رابطہ مدارسِ اسلامیہ عربیہ:2018) 151.

[27]  مولانا محمد اللہ قاسمی۔ “دارالعلوم دیوبند کی جامع و مختصر تاریخ” (ايضا)261-323.

[28]  سيد محبوب الرضوي الديوبندي، نشأة الجامعة الإسلامية: دار العلوم / ديوبند (الحلقة 13)، مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند، العدد 9- 10، يوليو- سبتمبر 2013م.

[29] مولانا شوکت علی قاسمی۔ “دارالعلوم دیوبند اور مدارسِ اسلامیہ” (ایضا) 31.

*  كرم الحفيان: باحث في الحركات الإسلامية، ويعد لرسالة الماجستير في علم الاجتماع ، جامعة ابن خلدون ، إسطنبول – تركيا.

[30]أبو الحسن علي الحسن الندوي، المسلمون في الهند. الطبعة الأولى، (دار ابن كثير: دمشق، 1999م)، 129.

[31] Victor mallet, Financial times, Madrassas: behind closed doors (Are south Asian madrassas causing a surge in extremism?, OCT 30 2015.

[32] مهيوب خضر، الجزيرة نت، مدارس باكستان الدينية.. ماض زاهر ومستقبل مجهول، 10 يوليو 2007.

[33] أبو الحسن علي الحسني الندوي، أضواء على الحركات والدعوات الدينية والإصلاحية ومدارسها الفكرية ومراكزها التربوية في الهند، الطبعة الندوية، (مطبوعات المجمع الإسلامي العلمي: لكناؤ-الهند: 1995م). ص24-25.

[34] Wilfred Cantwell smith, Modern Islam in India, (London: Victor Gollancz, 1946), 295.

[35]  أبو الحسن علي الحسني الندوي، الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية في الأقطار الإسلامية، ط 2، (دار الندوة للتوزيع:لبنان،1968)، 75-76.

[36]  Silken letters movement, complied by Maulana Muhamed Miyan, (District Saharanpur: shaikul al Hind Academy- Dar uloom Deoband: 2012).  3-5.

[37] Dietrich Reetz. from madrassa to university- the challenges and formats of Islamic education, the sage handbook of Islamic studies, edited by Akbar s. Ahmed and Tamara sonn, (London: Sage. Publications Ltd: 2010).115.

[38] Brannon D. Ingram, Revival from below: the Deoband movement and global Islam. (California: university of California press: 2018), 21.

[39] Ibid, 120.

[40] Ibid, 147.

[41] Barbara D. Metcalf. “Traditionalist” Islamic activism: Deoband, Tablighis, and Talibs. (Netherlands: Leiden Isim: 2002), 5.

[42] Brannon D. Ingram, Revival from below: the Deoband movement and global Islam. (California: university of California press: 2018(. 2-3.

[43] Barbara D. Metcalf. “Traditionalist” Islamic activism: Deoband, Tablighis, and Talibs. (Netherlands: Leiden Isim: 2002). 8-12.

[44] Brannon D. Ingram, Revival from below: the Deoband movement and global Islam. (California: university of California press: 2018(. 158.

[45] Ibid, 139.

[46] Muhammad Rizwan- Manzoor Ahmed- saima gul. Ideology and politics of Jamiat Ulema-i-Islam (1947-1973). Global Social Sciences Review (GSSR), Vol. III, No. I (Winter 2018). 46.

[47] Ibid, 47.

[48] Mian, S.M. Ulmaa- e-hind ka shandaar Mazi (Glorious past of religious scholars of India), volume iv, (Karachi: Maktaba – e- Rasheedia, 1957). 93-117-136.

[49] Ibid, 584.

[50] Ideology and politics of Jamiat Ulema-i-Islam (1947-1973).  Vol. III, No. I. 49-53.

[51] Ibid, 51.

[52] maulana fazl, samiul haq under house arrest,  Dawn, 8 October 2001.

[53] الجزيرة نت، مباراة “المضرب” و”العمامة” في باكستان.. خان في مواجهة فضل الرحمن ، 2 نوفمبر 2019م.

[54] Fida Ur Rahman, Democratic transitions in the muslim world, (Malaysia:IAIS intenational institute of  advanced Islamic studies: 2018). Chapter 11, 212=214.

[55] ICG Asia Report N°49,Pakistan: the Mullahs and the military, International crisis group, 20 march 2003, 13.

[56] Husain Haqqani, The ideologies of South Asian jihadi groups. Current Trends in Islamist Ideology, vol. 1, (Washington DC: Hudson institute: 2005), 21.

[57] Silken letters movement, complied by Maulana Muhamed Miyan, (District Saharanpur: shaikul al Hind Academy- Dar uloom Deoband: 2012).

[58] ICG Asia Report N°49, International crisis group, 20 march 2003, 13.

[59] Ali Riaz, Faithful education: Madrassas in south Asia. (New Brunswick, new jersey, London: Rutgers university press, 2008). 109-113.

[60] Muhammed Amir Rana, Pakistan- based militant groups & prospects of their re-integration: A structural analysis. Mantraya occasional paper, 12 march 2018. 2-3-8-9.

[61] Ibid, 12.

[62] Ibid, 3-4-10.

[63] Ibid, 12.

[64] Michael simple, the Pakistan Taliban movement: an appraisal. (Belfast: institute for study of conflict transformation and social change- Queen university, 2016). 72

[65] Fida Ur Rahman, Democratic transitions in the Muslim world, 217-218.

[66] Michael simple, the Pakistan Taliban movement: an appraisal. 65-67.

[67] Dietrich Reetz. From madrassa to university (2010), 118. DAWN newspaper, JUI-S leaders says party still supporting Afghan Taliban, 8 April 2016.

[68] Abdul Salam, Zaeef. “My life with Taliban”: edited by Alex strick van linshoten & Felix Kuehn. (New York: Columbia university press, 2010).

[69] انظر: كرم الحفيان، ملامح المشروع السياسي لحركة طالبان. (اسطنبول: المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية، 2019). النقطة الخامسة.

[70] وكالة الأناضول، نص اتفاق السلام بين الولايات المتحدة وطالبان في الدوحة (وثيقة)، 29 فبراير 2020.

[71] Dietrich Reetz. The Deoband universe: what makes a transcultural and transnational educational movement of Islam, Comparative Studies of South Asia, Africa and the Middle East, Volume 27, Number 1, 2007, 152-153.

اترك تعليقاً

Enable Notifications    OK No thanks