تقرير ورشة

 الحركات الإسلامية وتحديات البقاء في وقتنا الراهن

مركز المجدد للبحوث والدراسات- الوحدة السياسية

26 سبتمبر 2020

      شكلت المرحلة التالية لسقوط الأنظمة السياسية عقب ما سمي بـ ” ثورات الربيع العربي” مرحلة مفصلية في مسارات الانتقالية، إذا لا يمكن الحديث عن نجاح الثورة بالحديث فقط عن إسقاط النظام الحاكم، وبالتالي كان للفراغ السياسي الذي تركه هذا السقوط وانسحاب المؤسسة العسكرية إلى حده الأدنى، إن فتح المجال للتنافس الأيديولوجي بين مختلف الفواعل السياسية سمح بالصعود المفاجئ للإسلاميين (الإخوان المسلمين) إلى السلطة في أكثر من دولة عربية، مما شكل نقطة فارقة في تاريخ الإسلام الحركي.

إن صعود الإسلاميين لم يتوقف في حدود دولة واحدة بل يمكن اعتباره بمثابة ظاهرة عبر قومية cross-national مست أكثر من دولة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ولأن الإخوان أيديولوجية فطبيعي جداً أن يكون لها تصور معين للدولة المثالية التي يجب أن تسود الأمة الإسلامية، وما يعطي لها القبول هو أن الرؤية الاستراتيجية الاجتماعية الدولاتية للإخوان تتماشى مع شروط الديمقراطية مما يعطي لها شرعية القبول والمنافسة، لذا فنجاحهم في الوصول الى الحكم سوف يعزز طموحهم في فرض أيديولوجيتهم على الدول الأخرى من خلال عملية الانتشار Spill over.

إلا أن ما بدا للمراقبين من أن صعود الإسلاميين يشكل تمهيداً لما يمكن أن يكون “ربيعاً اسلامياً” لم يدم طويلاً؛ فسرعان ما تم الإطاحة بالرئيس المصري المنتخب شرعياً في يوليو 2013، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ حيث واجه الإسلاميون في تونس والمغرب وباقي دول الربيع العربي تحديات للبقاء في الحكم والمنافسة السياسية. وقد بدا ذلك أشبه بثورة مضادة من قبل بقايا النظام السابق ضد صعود الإسلاميين للحكم، مما يذكرنا بسيناريوهات سابقة حول الانقلابات العسكرية على التجارب الإسلامية الصاعدة في أماكن أخرى.

وفي الوقت الذي كشفت فيه تجليات الأحداث في خضم السنوات الأولى للربيع العربي عن قوة الإسلاميين في التعبئة العامة، إلا أنه كشف عن قصور وسوء تقدير للحظة الفارقة التي منحت لهم من خلال وصولهم للسلطة لكن سرعان ما تم الانقلاب عليهم لاحقاً، مما يفتح النقاش بشأن مستقبل الحركات الإسلامية على ضوء الأحداث الراهنة.

لذا أدت السنوات التي تلت ما سمي بالربيع العربي، إلى صدمة مزدوجة Twin shock ؛ فتطلعات نحو إدماج الحركات الإسلامية (خاصة الاخوان المسلمين) التي اتخذت من التغيير السلمي منهجاً لها ضمن النسق السياسي، قد أدت إلى نهايات متعارضة تماما، في مقابل ذلك أدت مسارات التغيير إلى احتمالات غير متوقعة في الاتجاه العنيف، ظهرت على إثره فواعل غير دولاتية Non-State Actors  طاردة للدولة وفي نفس الوقت عابرة للحدود. من هنا فإن إعادة التفكير في الافتراضات الأساسية للحركات الإسلامية السائدة يعتبر ضرورة ملحة في ظل واقعها المعاصر.

من هنا جاءت فكرة الورشة التي نظمها مركز المجدد للبحوث والدراسات، ضمن وحدته السياسية، بتاريخ 26 سبتمبر 2020 والتي تمحورت حول ” الحركات الإسلامية وتحديات البقاء في وقتنا الراهن“. وتأتي هذه الورشة في إطار الورشات التي يعقدها المركز شهرياً والتي تتناول قضية من القضايا التي تواجهها الأمة العربية والإسلامية بنظرة نقدية في محاولة لاستشراف اتجاهات بحثية جديدة غير مألوفة لدى المجتمع المعرفي التي بدورها يمكن أن تفتح آفاق فيما يتعلق بتأسيس مشاريع بحثية مستقبلاً فيما يخص إعادة التفكير في الحركات الإسلامية.

امتدت فعاليات الورشة على مدار ساعتين (عبر منصة Zoom)، استضافت من خلاله أربعة من الوجوه المعروفة لدى الوسط الأكاديمي. حيث كانت نقطة الانطلاقة للورشة عبر كلمة ترحيبية للمدير التنفيذي للمركز الأستاذ عادل الشمري والذي رحب من خلاله بالمتحدثين والمتابعين. في حين أدار النقاش مسؤول الوحدة السياسية للمركز د. عبد الحق دحمان والذي أعطى مدخلاً عاماً والمحاور الرئيسية للورشة وإشكالياتها والتي جاءت في النقاط التالية:  نقاش حول جاذبية الإسلاميين كأنموذج للحكم مع بداية” الربيع العربي”، وكذا نقاش حول تراجع هذه الجاذبية، ثم ضرورات التكيف التي تقتضيها الحركات الإسلامية للبقاء كنموذج بديل للحكم.

استهلت الورشة بمداخلة الأستاذ الدكتور نور الدين بن مختار الخادمي ، وزير الشؤون الدينية الأسبق لأول حكومة أفرزتها الثورة التونسية 2011، والمحاضر في قسم الفقه وأصوله بجامعة قطر. تمحورت مداخلته حول ” الحركات الإسلامية وتحديات البقاء في الوقت الراهن: أفكار نوعية لرؤية كلية، مستخلص تجربة ومنطلق تجاوز”، حيث قدم رؤية شاملة ومبتكرة نوعياً لما يسميه بـ “معاودة الجاذبية” والمقومات المطلوبة في اتجاه بناء مسارات جديدة يمكن للحركة الإسلامية إعادة بعث عناصر جاذبيتها التي تعتبر كحق دستوري واستحقاق ثوري ومقتضى للعمل السياسي بل وتكليف شرعي تدل عليه أصوله ونصوصه أيضاً. لذا يرى أن الاستثمار في عناصر الجذب و حوكمة التجاذب الجديدة قد يعزز الأداء السياسي للحركات الإسلامية مستقبلاً وخاصة فيما يخص اعتماد نموذج حكم إسلامي شريك وليس بديل ولا نافٍ للغير. بالإضافة إلى الانتقال من الفضاء الحركي الخاص إلى الفضاء الوطني والعالمي العام، وفي إجابته على السؤال بشأن إمكانية استلهام تجربة النهضة في تونس بالنسبة لباقي الحركات الإسلامية كونها قطعت أشواطاً كبيرة في ما يتعلق بإحداث تمايزات بين الجانب الدعوي-السياسي، فإنه نظرياً يتبنى ” وجهة النظر السياقية The contextualist view ” حسب أوليفييه روا Olivier Roy، والتي ملخصها أن سياسات النهضة وممارساتها لا تحركها الأيديولوجيا بقدر ما تحركها الأحداث بمعنى أنها تفاعلية وقابلة للتكيف، وهي إشارة ضمنية منه أن تجربة النهضة تعكس خصوصية تونسية بحتة وبالتالي على الحركات الإسلامية الأخرى أن تسعى للتكيف مع الظروف الخاصة بها حسب البلد الموجودة فيه.

 على العكس من ذلك، تبنى الدكتور حسن سلمان آدم، القيادي في المؤتمر الإسلامي الارتري ومؤلف كتاب ” التعايش الوطني وإشكالية الدولة والدين”، وجهة النظر الجوهرية The essentialist view ” مفادها أنه لا يمكن للحركات الإسلامية أن تتخلى عن أجندتها الأيديولوجية لصالح نهج أكثر براغماتية. وفي مداخلته حول ” تراجع الإسلاميين كأنموذج للحكم ” يرى الدكتور حسن أن الحركات الإسلامية أكرهت على التكيف مع واقع ما يسميه “بالكنتونات القطرية” والاستجابة لإكراهاتها والقبول بمنطقها، وبالتالي العمل ضمن النسق السياسي للحكم الذي يعتبر نتاج المنظومة الدولية، فأصبحت هذه الأخيرة هي الخصم والحكم، بل صارت هناك قابلية للتوظيف من خلال التقسيم للتيارات الإسلامية وضرب بعضها بالآخر تحت تسميات الاعتدال والتطرف أو الإسلام السياسي في مواجهة الإسلام الجهادي وإدماج المعتدل في المنظومة الدولية ومواجهة التيار الآخر بحجة التطرف والإرهاب وصار التماهي مع المنظومة الدولية والحصول على رضاها أحد متطلبات العمل والحركة دون وجود أي شكل من الحساسية الفكرية والعقدية والسياسية. لهذا وحسب رأيه فإن فكرة “العدو القريب- البعيد” التي تشكل أحد المبادئ التأسيسية الاسلامية أصبحت مغيبة في استراتيجية العمل لدى الحركات الإسلامية (الاخوان المسلمين). وتجلى هذا بعد وصول الإسلاميين إلى السلطة في أكثر من دولة عربية؛ فبحجة المصلحة والحفاظ على التوازنات القائمة، تراجعت عن مشروع الدولة الإسلامية، التي عكست تفكيراً رغبوياً Wishful Thinking وتوجهت بدلاً من ذلك إلى الاشتباك السياسي الداخلي والقبول بالإطار الوطني والعمل على حل مشاكله وأزماته المختلفة بعدسة واقعية. لهذا يرى الدكتور حسن أن القبول بالعمل ضمن هذا دون التطلع نحو كيان جامع للأمة قد أفقد هذه الحركات الإسلامية بريقها ورصيدها الأخلاقي.

في حين يرى الدكتور عمر خيري، الأستاذ بمعهد الشرق الأوسط بجامعة سكريا (تركيا)، والمهتم بالحركات السياسية في المراحل الانتقالية، يرى أن الحركة الإسلامية بمختلف تياراتها عرفت انقساماً حاداً بين الداعين لتبني “وجهة النظر السياقية” و ” وجهة النظر الجوهرية”؛ فالمقاربة الفكرية لحركات الإسلام السياسي، يمكن أن تكون مؤشراً على قدرتها على التكيف مع التغيرات في المستقبل، وفي هذا السياق، ذهب إلى توضيح جانبين، يتعلق الأول بالعمليات الفكرية التي أجرتها التوجهات المختلفة في الحركات الإسلامية، وذلك من منظوري التفاعل بين الإطار التنظيمي والمحتوى الفكري، وأشار إلى أنه على مسار تاريخها قدمت رؤى مختلفة لمشروع الدولة، حيث تميل غالبية الحركات لمفهوم الدولة الإسلامية وتختلف درجة صدامها مع الدولة القطرية حسب وسائل التغيير السياسي، فبينما تتبنى الحركات الجهادية التغيير العنيف، فإنها أكثر حدة في رفض الدولة الوطنية، وبخلاف محدود، تقبل حركة الإخوان المسلمين التعايش مع دولة وطنية وتعتبره مرحلياً، فيما أن الحركات السلفية تقبل بالوضع القائم. على أية حال، لم تقدم أي من هذه الحركات نظرية واضحة لمفهوم الدولة كما تراها، واكتفوا ببعض النقولات دون شرحها، بحيث ظلت أقرب لشعارات لا تقوى على التصدي للقضايا الحاضرة.

أما الجانب الثاني، فقد أثار استجابة هذه الحركات لاحتمالية التحول السياسي في الربيع العربي، وأشار لملاحظة، تبدو مهمة، وكانت واضحة في أن تيارات الإسلام السياسي ظلت طوال الفترة المحدودة للتنافس الديمقراطي تعمل بشكل متنافر بحيث كانت خصماً من رصيد القوة السياسية المتاح في تلك الفترة، وكانت محاولات التنسيق فيما بينها قليلة، وهذا ما يعكس انخفاض قدرتها على التجديد الفكري وركونها لميراث صراعي حول حالة جامدة لمفاهيم وقفت عاجزة أمام أسئلة الحاضر؛ الدولة والثورة، وكان هذا واضحاً في الحالة المشرقية، فيما تبدو تجربتا المغرب العربي في طور محاولة التكيف مع الدولة، ولعل هذا ما يفسر عدم إجراءها لمراجعات وتقييمات في مشوارها الفكري بإخفاقاته ونجاحاته أو تخلفه وتقدمه. وأسباب الفشل المستمر حتى الوقت الراهن، وبالتالي يعد استمرار نمط الأداء مؤشراً قوياً على خفوت ظاهرة الإسلام السياسي أو بقائها كمشكلة سياسية وأمنية.

في الأخير قدم الأكاديمي الجزائري الدكتور يحيى بوزيدي، مقاربة ثلاثية مكونة من المأسسة والممارسة والرصيد الأخلاقي التي شكلت عوامل أساسية لصعود الإسلاميين في خلال الربيع العربي، إلا أن غياب التفكير الاستراتيجي وسوء التقدير للحظة الثورية من قبل هذه الحركات، جعل هذه الثلاثية تعمل في الاتجاه المضاد للحركات الإسلامية، وتجلى سوء التقدير أكثر هذا فيما يتعلق بمدى إدراكهم لفلسفة تقاسم السلطة كأحد التكييفات الأيديولوجية في إطار النقد الذاتي لها كاستجابة لضرورات الانخراط في العمل السياسي، فبدل التمكين للمجتمع فقد سعى الإخوان المسلمون بعد وصولهم للحكم  في مصر إلى استدعاء مشاريعهم الأيديولوجية مبكراً، نتيجة ذلك بدأت المنافسة مبكراً بين قوى المعارضة، فإنه لم يختلف بذلك عن الحالة السودانية فيما يتعلق بجبهة الإسلامية بعد وصولها للحكم. إلا أن مشاركة حركة حمس (حركة مجتمع السلم- الجزائر) في السلطة ضمن الائتلاف الرئاسي (لمدة دامت 12 سنة) والذي ضم بالإضافة إلى حركة مجتمع السلم، جبهة التحرير الوطني (الحزب الحاكم)، وشريكه في الحكم (التجمع الوطني الديمقراطي)، فبدلا من أن يعزز التعددية السياسية فقد أدى هذا التكتيك إلى تراجع شعبيتها، الذي انعكس على وعائها الانتخابي، بل وتنكرت السلطة الحاكمة لخدماتها لاحقاً، فكانت نتيجته ظهور العديد من الحركات التصحيحية من الحركة الأم؛ جبهة التغيير الوطني، التجمع من أجل الجزائر، حركة البناء الوطني… إلخ. مما يطرح التساؤل بشأن مدى ملائمة مقاربة تقاسم السلطة لدى الحركة. عرفت الورشة تعقيبات ونقاشات بين المتحدثين من جهة وبين المتابعين حول أهمية إعادة التفكير في  الاتجاهات الجديدة في دراسة الحركات الإسلامية الذي يعتبر عمل مثير للإعجاب وملهم في نفس الوقت، وذلك لتجاوز الأطروحات المألوفة من قبيل ما هو موقف الإسلام من السياسة والتركيز بدلاً من ذلك على ترشيد الممارسة السياسية للإسلاميين؟ وهو بلا شك سيكون مساهمة جوهرية في الفكر الحركي للتيارات الإسلامية.

اترك تعليقاً

Enable Notifications    OK No thanks