“سيف القدس”

فرصة سانحة لصعود المقاومة الفلسطينية

 د. عبد الحق دحمان

الوحدة السياسية- مركز المجدد للبحوث والدراسات

abdelheqdahman@almojaded.com

 

     لطالما كان الداخل الفلسطيني متأثرا دائماً بمبادرات وأجندات سياسية تفرضها إسرائيل استجابة لظروفها الداخلية، في حين كانت الاستجابة الفلسطينية تجاه هذا الواقع مفروضاً عليها التعامل معه عبر ردات الفعل. إلا أن تجدد الصراع الإسرائيلي -الفلسطيني مرة أخرى وهو الرابع من نوعه منذ 2008 جاء كرد فعل على استئناف إسرائيل لمخططات الضم الاستيطاني للسيطرة على القدس وتحديداً في حي الشيخ جراح. وطبيعي جداً أن تكون هناك مظاهرات في الضفة الغربية رافضة لعملية الاستيطان والتهجير والتي سرعان ما تتلاشى بعد عملية الاستنزاف الطويلة والتي خبرتها إسرائيل في تعاملها مع مثل هكذا أحداث. إلا أنه وفي أسوأ السيناريوهات لم تتوقع اسرائيل أن تكون ردات الفعل على عملية الاستيطان والتهجير قادمة من المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، حيث علق الكاتب الإسرائيلي بن كسبيت في جريدة “معاريف” أن ” الثقة المتزايدة لإسرائيل بقدرتها على تحقيق الأمن هو الذي دفعها إلى الاعتداء على المسجد الأقصى وحي الشيخ جراح، لكن ما لم يكن في الحسبان هو دخول غزة إلى المعادلة وانفلات الوضع”.

        طالما ركزت فصائل المقاومة في استراتيجياتها الصراعية على حماية قطاع غزة بشكل أساسي. فكونه محاصر ومستهدف ويعاني ندرة في أبسط حقوقه الإنسانية؛ حيث تشكل البطالة ما نسبته %46، بينما يبلغ معدل الفقر%39، ويتلقى أكثر من 70% من سكانه شكلاً من أشكال المساعدات الدولية. لذا فمنطق الصراع بالنظر إلى فارق القدرات بينها وبين إسرائيل وفي ظل حصار دولي وإقليمي يقتضي أن يكون التكتيك الحربي من قبل المقاومة في حده الأدنى. إلا أن التكتيكات المستخدمة من قبلها وسرعة تنفيذها فرضت معادلة جديدة للصراع قائمة على حقيقة أن رد المقاومة سيكون من الآن هجومياً وليس دفاعياً، ولكنه أيضاً متعلق بفلسطين التاريخية ككل وفي قلبها القدس وليس دفاعاً عن قطاع غزة وحده، وهي معادلة جديدة ستشكل المنطلق لمرحلة جديدة من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. من هذا المنطلق ماهي السياقات التي يمكن أن نفهم من خلالها كيفية ردود فعل المقاومة؟

التكتيكات المستخدمة من حماس وسرعة تنفيذها فرضت معادلة جديدة للصراع قائمة على حقيقة أن رد المقاومة سيكون من الآن هجومياً وليس دفاعياً

سبق معركة ” سيف القدس” سياق دولي وإقليمي أدى إلى تبني غير المسبوق لردود المقاومة؛ باعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة بلاده إليها عام 2017، ثم الإعلان عن “صفقة القرن”. وكون هذا الاعتراف قد أنهى حلم الدولتين فإن هذا شكل نقطة فارقة في مسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. بالتالي لم تعول المقاومة على تغير الموقف الأمريكي حيال المسألة، بل صار تأكيداً لدى الإدراك الفلسطيني بأنه بغض النظر عن الحزب الحاكم فهناك سياسة خارجية أمريكية تجاه مسألة الصراع تحكمها محددات ثابتة وقائمة على الانحياز وتحقيق التفوق الأمني والسياسي والاقتصادي لإسرائيل في الشرق الأوسط ككل. وتم تأكيد هذا في سيرة الاستحقاقات الانتخابية الأمريكية منذ ترومان حتى يومنا هذا. بالتالي فحتى في ظل إدارة جو بايدن الذي طالما أكد أنه ” إذا كنت يهودياً فسأكون صهيونياً” و” … لا يشترط بي أن أكون يهودياً لأصبح صهيونياً”، فقد أكد أنه سوف يبقي على السفارة الأمريكية في القدس المحتلة، لذا لا يبدو أن السياسة الأمريكية في ظل الحزب الديمقراطي أنها سوف تتغير كلياً بقدر ما تسعى إلى إدارة الصراع بدلاً من حله كالدفع بالمفاوضات بين طرفي الصراع والإشراف على عملية تبادل الأراضي بين الفلسطينيين والاسرائيليين. في حين أن مسائل الحل النهائي من قبيل دولة فلسطينية كاملة السيادة على حدود 67 أو عودة اللاجئين فهي مستبعدة تماماً. وقد تأكد هذا الافتراض أكثر بعد موافقة بايدن على صفقة أسلحة لإسرائيل بقيمة 735 مليون دولار. إضافة إلى تصريح وزير الدفاع الأمريكي ليود اوستن عن دعم الأمريكي الراسخ لحق إسرائيل المشروع في الدفاع عن نفسها. كما منعت الولايات المتحدة صدور بيان عن مجلس الأمن بشأن الاعتداءات الإسرائيلية في قطاع غزة والمسجد الأقصى وذلك بعد مطالبة المندوب الصين الدائم من مجلس الأمن بأن يتكلم بصوت واحد وبضرورة تسوية عادلة للقضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين. وبالرغم من المظاهرات الحاشدة التي عرفتها المدن الأمريكية الداعمة للفلسطينيين والتي تعبر عن مواقف الشعوب من الصراع الجاري، إلا أنه من المستبعد أن تنعكس هذه المواقف على الموقف الرسمي، فهذه الأخيرة تبدو مختلفة تماماً، مما يعني أن السياسات الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية معزولة عن شعوبها.

      وما يقال على الولايات المتحدة الأمريكية ينسحب على أوربا؛ حيث ثمة رؤية تاريخية مشتركة ومتجذرة تعتبر التواجد الإسرائيلي في فلسطين كمشروع غربي وبالتالي أصبح ينظر إليها على أساس أنها ملحقة بالغرب. وأصبح واضحاً الاتجاه الذي رسمته الولايات المتحدة وإسرائيل للاتحاد الأوربي؛ من حيث الدعوة إلى المفاوضات بين طرفي الصراع، أو الدعوة للالتزام بشروط الرباعية. كما يبرز أيضاً الدور الوظيفي المكمل للدور الأمريكي لناحية التركيز على تقديم المساعدات الاقتصادية والمالية للفلسطينيين. بالتالي من المستبعد جداً التعويل على دور محوري للاتحاد الأوربي تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أو حتى حدوث تمايز بين الموقف الأوربي والموقف الأمريكي، أو أيضاً الحديث عن اختلاف جوهري في وجهات النظر بين أوربا وواشنطن بشأن قضايا الحل تجاه هذا الملف. رغم ذلك، تعترف أوربا صراحة بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم المستقلة. وفي الوقت الذي تنظر فيه إلى ممارسات المقاومة الفلسطينية على أساس أنها ممارسات إرهابية، فإنها أبقت الباب مفتوحاً لحماس والذي من شأنه حسب رأيها أن يعزز واقعيتها لناحية القبول بفكرة دولة فلسطينية على حدود 1967.

بينت ردات فعل الشعوب العربية والعالمية الداعمة لفلسطين إلى ضرورة الاعتماد على البعد الشعبي لناحية تفعيل الدبلوماسية الشعبية

        بالنسبة للسياق العربي، كانت التقديرات الإسرائيلية تشير بأن موجات التطبيع المتتالية مع إسرائيل سوف تؤدي إلى إنهاء الفيتو الفلسطيني على العلاقات العربية الإسرائيلية وبالتالي تراجع في الاهتمام بالقضية وأعبائها مما سيعزز الموقف الإسرائيلي فيما يتعلق بأي مفاوضات مستقبلية. إلا أن ردات فعل الشعوب العربية تجاه الأحداث الجارية وخاصة في دول الطوق بينت أن “رمزية فلسطين” أقوى من ” فلسطين الواقع” في حد ذاتها حسب تعبير محمود درويش. وحتى الدول التي طبعت مع إسرائيل سابقاً في إشارة إلى مصر والأردن فقد بينت التطورات عن مؤشرات مهمة في اتجاه الاعتبار لحركة حماس كفاعل مهم لا يمكن تجاهله في أي تسوية مستقبلية، وذلك لوقف التيار الجارف للتطبيع ولكن أيضاً لأجل الدفع بالقضية نحو سيناريوهات بديلة عن التسوية وما حملته من خيبات تلوى الأخرى منذ أوسلو إلى يومنا هذا.

      أكد نبض الشارع العربي تجاه قضاياه الأساسية عن معادلة لا يمكن تجالها لدى العقل الاستراتيجي الإسرائيلي، وما موجة الربيع العربي التي أزاحت العديد من الأنظمة التسلطية إلا دليل على ذلك. بالتالي بينت ردات فعل الشعوب العربية والعالمية الداعمة لفلسطين إلى ضرورة الاعتماد على البعد الشعبي لناحية تفعيل الدبلوماسية الشعبية ليس لأجل تبيان حقيقة القضية الفلسطينية وواقعها، ولكن أيضاً من أجل تبديد الصورة الخاطئة أو السلبية التي تحملها الشعوب الأخرى عن القضية الفلسطينية. لا شك أن الجهود الإقليمية والدولية سوف تفضي إلى وقف إطلاق النار بين الجانب الفلسطيني والإسرائيلي. والسؤال المطروح هو ما أثر ذلك على مسار القضية الفلسطينية والانقسام الداخلي الذي لازال يفرض نفسه. وماهي قواعد الاشتباك الجديدة التي فرضتها حماس على إسرائيل بعد تحملها المسؤولية التاريخية تجاه الأقصى والقدس.

صحيح أن الاحداث الجارية في قطاع غزة ستدفع لا محالة إلى صعود شرعية المقاومة بتدرجاتها المختلفة كأحد الآليات اللازمة لمواجهة مشروع تهويد القدس، وهذا كشرط أساسي لأي مواجهة أخرى مع العدو. فقد تبين أن مسار التسوية التي تبنته القيادة الحالية قد أستنزف ولم يؤدي سوى إلى زحف الاستيطان على حساب ما تبقى من فلسطين. لذا فأول خطوة لابد منها هي توحيد الصف الداخلي أولاً وذلك لإعادة الحيوية والفعالية إلى المؤسسات التمثيلية التي ستعكس طبعاً الإرادة الشعبية. فتعطيل الانتخابات يوم 29 أبريل 2021 وتأجيلها إلى وقت غير محدد من شأنه أن يضعف الموقف التفاوضي لدى القائمين على السلطة في مواجهة إسرائيل، والتي سعى رئيس وزرائها نتنياهو جاهداً إلى إبقاء غزة والضفة الغربية تحت قيادتين متنافستين مما يجعل حلم الدولة الفلسطينية المستقبلية أقل احتمالية. في ظل الزخم المتصاعد الذي أصبح يفرض نفسه علينا جميعاً، تبين أن الشعب الفلسطيني وباقي الشعوب العربية تتحرك لأجل القدس لما تمثله من بعد ديني ولا تتحرك لأجل مبادرات التسوية. مما يجعل الارتباط الجوهري بين صمود القدس وصعود المقاومة كأحد الابعاد الاستراتيجية التي لا يمكن تغييبها بأي حال في التعامل مع إسرائيل. لذا فإن لدى الفلسطينيين الفرصة لإجراء الانعطاف الحاسم لناحية بناء مسار جديد ذي طابع استراتيجي، بحيث تشكل ضمنه حركة حماس النقطة المركزية في معادلة الصراع والمواجهة وكممثل أساسي للشعب الفلسطيني.

اترك تعليقاً

Enable Notifications    OK No thanks