إشكالية استدامة الاستبداد في العالم العربي: بين السلوك والسياق

إعداد: عماد عطوي

مقدمة

ارتبط الاستبداد ودلالاته بأنظمة العالم الشرقي عموماً وبالعالم العربي على الخصوص. فبعدما أثبتت الكثير من الكتابات والدراسات للمصطلح، ظهرت فلسفات طالما قسمت الاستبداد إلى شرقي وغربي ووضعت في ذلك ‘نظريات’ سعت لتفسير هذا الموضوع. و بذلك شكل مصطلح الاستبداد معضلة مفاهيمية عند الباحثين في الغرب على غرار نظرائهم من العالم العربي[1]. ففي حين يرى البعض من الإمبريقيين أن الاستبداد مصطلح يعكس سلوك التعذيب والقمع وممارسة القوة والظلم والدكتاتورية للاستفراد بالسلطة في كل العالمين، يرى البعض الآخر من المعياريين من الغربيين أنه مصطلح له قرائن نظرية طالما أسس لها واختلف عليها فلسفياً بداية من الإغريق مع أرسطو وسيسرو، مروراً بمونتسكيو و ديتوكفيل الى معضلة فولتير وروسو.

وإن تعددت المفاهيم وتزاحمت معضلة النظريات في مقاربة المفهوم، فإن الاستبداد عند كلا الجمهورين لا يعدو إلا أن يكون ظاهرة سياسية ذات غاية الاستفراد بالقوة يمارسها صاحب السلطة على من يكون تطبيق السلطة عليه واجباً. وبذلك هي سلوك يعكس ما يقترن بما يؤدي للمفهوم بغية تحقيق غاية صاحب السلطة أو القوة بالمفهوم السياسي[2].

ارتبط الاستبداد بالأنظمة السياسية العربية التي تم تبنيها نتيجة للتغيرات الدولية في القرنين 19 و20. نتيجة لذلك، تخطى البحث من مفهوم الاستبداد إلى معضلة البحث عن تفكيكه وتفسير استدامته بالعالم العربي في القرن 21. بمعنى، أن الاستبداد لم يكن موضوعاً متناولاً بكتابات العالم العربي الإسلامي قبل الهيمنة الغربية وفرض نظام عالمي بعد الحربين، بل بالأحرى هو وليد تزامن مع قوى خارجية سعت إلى دعم الاستبداد الوطني بالدول العربية لتحقيق مصالحها المتعددة التي شكلت سبباً للاستبداد[3]. فالتحولات الدولية التي أخرجت العالم العربي من رحم العالم الإسلامي إلى القومية العربيةPan-Arabism ، هو ما جعل مفهوم الاستبداد موضوعاً مثاراً نتيجة الأنظمة التي تم تبنيها في دول العالم العربي، حيث تستوجب تقسيم القوة والسلطة حسب النمط الغربي. وما دون ذلك اعتبر استبداداً: أي أن تركز السلطة في مركز الحاكم أو نخبة معينة بالقوة على حساب من يجب أن تقاسم معهم السلطة يُعتبر ضد النموذج المتبنى[4] ما بعد الحربين، وهو ما أطلق عليه استبداد[5]. وبذلك، أصبح الاستبداد سياسة تقترن بالأنظمة التي لا تراعي مبادئ أنظمة الحكم التي هي سارية كنموذج في العالم الغربي. بتعبير آخر، هي سياسات تعاكس مفهوم الديمقراطية التي تفرض حقوق المواطن في صناعة حاكمه، وتتنافى مع حرية حقوق الإنسان[6] وفق النموذج الغربي.

من خلال ما سبق، فإن الاستبداد مجرد وصف يقترن ويتماشى مع السلوك السياسي الذي تتبناه الأنظمة للاستفراد والاستدامة بالسلطة من جهة وتحييد المحكوم الذي يكون هو مصدر السلطة من جهة أخرى. وبذلك قد يقترن مصطلح الاستبداد بمصطلحات تشير الى الأنظمة الشمولية، الدكتاتورية أو العسكرية. بتعبير مختصر، انتهاج النظام سياسة غير التي كان يجب أن تتخذ في تسيير شؤون الدولة[7].

غير أنه من المفارقات في الدول العربية حول استدامة الاستبداد أنها تتوازى تماماً مع تلك التي كانت في العالم الغربي. بمعنى، بالرغم من تشابه أنظمة السياسات الغربية بنظيراتها في الدول العربية، فإن الاستبداد أصبح طي الماضي في دول كإسبانيا والشيلي وفرنسا وغيرها من الدول الوطنية. وهو ما يجرنا إلى مساءلة استدامة الاستبداد في العالم العربي. لمباشرة هذا البحث، تنطلق هذه الورقة من اعتبار العالم العربي إقليماً جغرافياً مثله مثل الأقاليم التي تقع عليها أي دراسة سياسية أو اقتصادية أو غيرها. ذلك أن العالم العربي لا يعتبر استثناءً طالما أن الدول التي تشكله تخضع لمفهوم الدولة الوطنية أو القطرية وإلى كل ما يحيط بمفهوم الدولة في وقتنا الحالي. فبذلك، يتعاطى هذا البحث مع جزء جغرافي يتشكل من مجموعة وحدات جغرافية مستقلة في تعاملها مع من مثلها من الدول، وتشترك في أنها خاضعة لأنظمة استبدادية. وهو مجال هذه الدراسة التي تبحث في تفكيك معضلة الاستبداد.

تبدأ الورقة بمقاربة للمصطلح لتركز على التعريف بالمفهوم من الجانب الإمبريقي الذي يقع على هذه الورقة. ثم تباشر لتلقي الضوء على السلوك الاستبدادي وإعطاء أمثلة من الوحدات الوطنية للعالم العربي كعينات للدراسة. لتنتهي الورقة بتحليل سبب استدامة الاستبداد.

الاستبداد: بين السياق والمفهوم

بالرغم من الاختلاف المعياري لسياق Context الاستبداد، فإن مفهومه الإمبريقي يتلخص في السلوك السلطوي لصاحب القوة أو السلطة تجاه الرعية أو الشعب. بمعنى أن الاختلافات الفلسفية استشكلت وضع سياق محدد بموضع الاستبداد في شكله العام، و هو ما أدى إلى ظهور الاستبداد في أشكال فلسفية مختلفة أنتجت استبداداً أوربياً Eurocentric ، وآسيوياً Asiatic وشرقياً Eastern …الخ[8]. غير أن التعريف لا يختلف مفهومه من الناحية الإمبريقية Empirical النظرية، طالما كانت نتائج سلوك الاستبداد تنتهي لغاية تموقع المستبد في بعض الأنظمة السياسية، وتحييد المُستبد[9]. وبهذا ارتبط الاستبداد بالأنظمة السياسية بين الحاكم و المحكوم[10].

يعود المفهوم اللغوي للاستبداد إلى الفلسفة الإغريقية. حيث، كان يطلق هذا المفهوم على الاعتراف التلقائي المتميز للهوية اليونانية على حساب أعدائهم من الهويات والأمم الأخرى التي كان اليونانيون يعتبرونها دونهم ويطلقون عليها اسم “البربر” كالفرس والمناطق الآسيوية، التي تكونت فيها الأنظمة العربية لاحقاً. وبالرغم من أن الفكرة تعود إلى الخلاف بين الفرس واليونانيين، فإن الفرضية اليونانية كانت تعتبر أن الفرس عبيد وتابعين حسب ما عبر عنها الكثير من المؤلفين الإغريق[11]. ومن ذلك جاء أرسطو وأسس مفهوماً متيناً للاستبداد مقنناً له كأساس فلسفي للسياسة[12].

          لم يختلف المنظرين بوضع السياق المفاهيمي لما هو سلوكي لمفهوم الاستبداد. بداية من أرسطو وتقسيماته لأنواع الأنظمة في كتابه السياسة [13]Politics، حيث صنف ستة أنواع من الأنظمة ثلاث منها تؤدي إلى الاستبداد و صنفها على التالي: الاستبداد والأوليغارشيا و الديمقراطية. حيث فسر أرسطو سلطة المستبد وفق سلطة وقوة السيد أو الحاكم على خادمه. وفصل الاستبداد في الأنظمة الملكية على مفهوم الطغيان الذي هو سلوك يمارسه الحاكم غير الشرعي ضد إرادة الناس. أما الاستبداد فهو السلوك الذي يمارس على الناس الذين يقبلون طوعاً أو كرهاً هذا النوع من السلطة. بمعنى أن الطغيان مرتبط بالحاكم والاستبداد بالأنظمة. فحسبه، أن الحكومة الاستبدادية في حد ذاتها ليست غير قانونية أو تعسفية؛ إنما تعتبر شكل من أشكال الملكية التي تمزج مع الاستبداد لأن سلطة الحاكم تُمارس بطرق مماثلة والملكية الاستبدادية شرعية وراثية[14].

في العصور الوسطى، يتلخص أحسن مثال لمفهوم الاستبداد السياسي مع مكيافيلي الذي جمع النظام الارستقراطي بالنظام الديمقراطي للحكم في قالب أطلق عليه لقب “الجمهورية” التي من حقها أن تكون الوحيدة تتمتع بقوة الاستبداد بغية بقائها. بالرغم من أن مكيافيلي لم يستعمل مصطلح الاستبداد علانية، غير أن المفهوم يقصد به إعطاء القوة أو السلطة المطلقة لحاكم يحكم أمة من التابعين بدلاً من مواطنين أحرار[15]. بحيث كان الاعتقاد السائد حينها أن هذا النوع من القوة أو السلطة صعب تحقيقه، ولكن يبقى سهلاً الاحتفاظ به ما إن تحقق، طالما أن المحكومين لا يعرفون مفهوماً للحرية[16].

في وقتنا الحالي، هناك من يُركّب ويستعمل مفهوم الاستبداد بتبادل مع مصطلح الدكتاتورية والطغيان والسلطوية والشمولية وغيرها. بالرغم من الاختلافات المفاهيمية لهذه التعاريف من ناحية طريقة التعامل والأفكار البنيوية لها، فإن مخرجات السياسات يبقى واحداً طالما أن هناك من يصنف كل هذه الأنظمة عكس النظام الديمقراطي المعروف اليوم. وبهذا يذهب الكثير من المحللين إلى أن مشكلة الاستبداد تكون كنتيجة في خلل تقاسم السلطة[17]. بمعنى، أن القوة المطلقة التي تقع في يد الحاكم أو النخبة الحاكمة كالطغم العسكرية أو أفراد تنحصر فيهم السلطة في العالم العربي. فيرى علم السياسة أن الاستبداد هو تموقع القوة أو السلطة في يد الحاكم[18] على عكس الأنظمة الديمقراطية التي تلزم تقاسم السلطة عبر هيئات ومؤسسات تتوازى في إدارة وتطبيق القوة التي يكون مصدرها المحكوم[19].

ما هو عكس الديمقراطية في زمننا المعاصر يقصد به الاستبداد. اختلاف أسماء الأنظمة غير الديمقراطية يعني ممارسة للسلطة باحتكار من حاكم كهتلر وستالين وصدام حسين والقذافي وزين العابدين ومبارك في العالم العربي، أو طغم عسكرية أو بوليسية أو مدنية كالتي كانت في الشيلي و مصر اليوم. فالاستبداد هنا هو سلوك ممارسة السلطة بالقوة من حاكم أو عصبة محتكرة للقوة تسعى لطمس أو تحييد من يشاركها السلطة بعكس ما يكون في الأنظمة الديمقراطية. أي أن المحكوم في الديمقراطيات يبقى مصدراً للسلطة بتنازله في ممارستها لطرف يتمثل في الدولة وأجهزتها كما عرف عند جون لوك وهوبز بالعقد الاجتماعي[20]. فإن كان الخلل في الاستفراد بالسلطة من ناحية الدولة فيعتبر ذلك استبداداً طالما سلب حق مصدر السلطة باستعمال القوة.

الاستبداد في العالم العربي

يصنف الكثير من السياسيين أنظمة الدول العربية مستبدة[21]. إن اختلاف الدول العربية بين جمهوريات وملكيات لا يعتبر مؤشراً لوجود واستدامة الاستبداد. كما أشرنا سابقاً، طالما أن الاستبداد مقترن بسلوك الحاكم أو الطغم التي تتربع على ممارسة السلطة بغية الحفاظ على القوة، فإن أغلب دول العالم العربي مرت و لازال منها يعرف أساليب الاستبداد التي ترنو إلى بقاء تموقع القوة في يد الحاكم أو الأقلية بالقوة.
فجمهوريات كالعراق و سوريا و ليبيا ومصر و غيرها، أو ملكيات كالسعودية وعمان كانت على قائمة الأنظمة المستبدة لشعبها. بالرغم من تبنيها غطاء الديمقراطية الذي يتيح للمحكوم المشاركة في صنع القرار السياسي على الأقل في الملكيات واختيار الحاكم في الجمهوريات، كانت أساليب القمع والقوة التي تتشكل في استبداد الحاكم لبقائه في السلطة وإبعاد مصدرها الوسيلة الوحيدة التي تضمن بقاء الاستبداد. فالاستبداد في الدول العربية يعتبر آلية البقاء التي تضمن نظام الحكم الذي بدوره يبقى على الحاكم أو النخبة الحاكمة باستعمال القوة، بما في ذلك العسكر طالما صناعة القرار تكون منهم كمصر[22] والسودان.

انتهجت الدول العربية الكثير من طرق الاستبداد المختلفة بين الناعمة والقمعية في سلوكياتها للحفاظ على تمركز القوة بيد الحاكم أو النخبة الحاكمة. فبعد الربيع العربي الذي كان نقطة إعادة توازن القوة بين الحاكم والمحكوم، قامت أغلب النخب باللعب على أوراق مختلفة لإعادة استساغة الاستبداد الذي يضمن بقاءها كورقة الأمن والمؤامرات الدولية والأزمات الاقتصادية واستعمال ورقة الدين والاختلافات الإثنية والأيديولوجيات وفي وقتنا الحالي استعمال ورقة فيروس كوفيد-19.

تلعب الأنظمة العربية على ورقة الأمن لتسكين القاعدة الشعبية محلياً وإرسال رسائل للقوى الخارجية أنه لولا هذه الأنظمة لكانت مصالح وأمن القوى الغربية في خطر. مثلاً، مع القذافي وزين العابدين وعلي صالح في اليمن كانت السرديات تتمحور في محاربة القاعدة التي كانت تمثل أكبر خطر لأمريكا والدول الغربية على العموم، بينما الاستبداد القمعي كان يدار في ممارسة القمع والقوة ضد المعارضين كمجازر القذافي بليبيا[23] وتصفية حسابات زين العابدين مع خصومه السياسيين[24].

أخذت الاختلافات الإثنية والأيديولوجية أيضاً حظها من أجندة الاستبداد الناعم بالعالم العربي. فمثلاً مسألة الطوارق والأمازيغ في تونس وليبيا[25] والمغرب والاختلافات الأيديولوجية السياسية بين السنة والشيعة والمسيح في لبنان وسوريا والمناهضين لمذاهب بقاء القمع بالسعودية جعل أنظمة الاستبداد تحول ذلك الى أن ظهور هذه الأيديولوجيات و الحركات يؤدي إلى تفكك الدولة الوطنية كالذي كان في أوربا في القرن 18 و 19. بل أكثر من ذلك، أن وصول الأقليات إلى السلطة يعني المطالبة بأقاليم جغرافية من شأنها تؤدي إلى الانقسامات الداخلية كالذي جرى في السودان.

أما بالنسبة لاستغلال فيروس كورونا، إن المُلاحظ لبعض الأنظمة العربية يرى أن أنظمة كمصر والسعودية وغيرهما استثمرت في جائحة كورونا لتحييد معارضيها أو الناقدين لسياسات الاستبداد. إن الهالة التي خلفها الوباء جعلت الدول تركز على مجالها الداخلي لمحاربة الوباء والتركيز أكثر على تحسين اقتصادياتها جراء الغلق الذي تبعته الدول للتقليص من فاجعة الفيروس. هذا كان سبباً وفرصة لأنظمة الاستبداد التي وجدت نفسها في معزل عن انتقادات المنظمات الحقوقية والمتابعات التي كانت تلاحقها جراء القمع الذي كانت تلحقه بالمعارضين ولكل من ينتقد سلطة المستبد. فمحاربة “أهل الشر” الذين يراهم السيسي في مصر مثلاً [26]، هم ثلة المعارضة التي انتقدت أداء الدولة قبل وأثناء الجائحة. كما يعمل الآن استبداد السيسي في استعمال ورقة الفيروس لتحجيم المظاهرات والتحركات الداخلية للمعارضين.

غير أن المفارقات في الأنظمة، هو أن الاستبداد انتهى في أشد الأنظمة قمعا مثلاً مع النازيين والشيوعيين وغيرهما، بيد أنه باق في دول العالم العربي بالرغم من أن النظام الدولي ما بعد الحربين وما بعد سقوط برلين من خلال موجات الديمقراطية[27]، حتم على العالم العربي و الأنظمة الاستبدادية أن تباشر أنظمة ديمقراطية تكون السلطة فيها مقسمة بين الحاكم والمحكوم. وبهذا حق لنا أن نكشف ونحلل أسباب استدامة الاستبداد في الجزء القادم من هذا البحث.

استدامة الاستبداد في العالم العربي:

تعود استدامة الاستبداد في العالم العربي إلى قوى غير وطنية[28]ساعدت على بقاء الأنظمة العربية المستبدة لأسباب جيوبوليتيكية واستراتيجية. بمعنى، أن الدولة القطرية الوطنية التي تعطي نموذج الاستبداد في العالم العربي، لم يعد فيها حل معضلة الاستبداد محلياً. فالأنظمة السياسية المستبدة التي سبقت تلك التي في العالم العربي، كانت قد زالت بسبب معالجة ظاهرة الاستبداد على المستوى الوطني بإحلال نظام ديمقراطي يتشارك فيه الحاكم والمحكوم على أساس لعبة سياسية أساسها المنافسة التي تحقق التوازن في السلطة Check and balance في دول أوربا الشرقية وآسيا وغيرها. أي أن الأنظمة التي نجحت في التخلص من الاستبداد لم تعرف تدخلا ًغير وطنياً أو قوة خارجية تمركزت لصالح الحاكم ضد المحكوم، بل كان التخلص من الاستبداد بين طرفين الحاكم أو النخبة المستبدة ضد المحكوم الذي عادة ما يتبع أسلوب الثورة لإعادة صياغة التوازن محلياً. عكس الدول العربية التي أصبح فيها العامل الجيوبوليتيكي والاستراتيجي هو الفاعل الحقيقي لوجود الاستبداد، والتدخل الخارجي هو السبب لاستدامته. بالرغم من انتهاج الثورات العربية كوسيلة لإعادة توازن القوة بين الحاكم والمحكوم والتخلص من استبداد الأنظمة بداية من 2011، فإن عامل التداخلات الجيوبوليتيكية والاستراتيجية بات هو المؤشر الذي يحدد طبيعة النظام الذي يعمل بطريقة متبادلة تساعد على تمركز القوة المحلية في يد من يحافظ على مصالح الفاعلين الدوليين من جهة، مقابل أن يحقق الفاعل الدولي حماية لإبقاء مصالح المستبد الذي يرى في بقائه ديمومة مصالحه.

بتعبير آخر، مؤشر العامل الخارجي هو الذي يساهم بشكل كبير في تحديد طبيعة النظام بداية من تونس التي تعتبر الدولة العربية الوحيدة التي نجحت إلى حد ما في الانتقال الديمقراطي بعد زوال الاستبداد مع نظام زين العابدين بن علي. أكثر من هذا، قد أصبح الرئيس في تونس مجرد وزير بحقيبتين يفتقر إلى صلاحيات الرئيس زمن بن علي. وهنا يمكن اختبار فرضيتنا السابقة نجاح تونس في خروجها من الاستبداد يعود فضله في افتقارها للخدمات الجيوسياسية والاستراتيجية حيث إنها ذات ثلاث حدود مع الجزائر وليبيا والمتوسط إضافة إلى مساحتها الصغيرة التي تفتقر إلى المواد الأولية. بمعنى أن ظهور الاستبداد سببه المصالح والخدمات الجيوبوليتيكية والجيوستراتيجية التي تتيحها الدول العربية للفواعل الخارجية، بينما استدامة الاستبداد متعلقة بالقوى الخارجية الداعمة للاستبداد المحلي بغية الحفاظ على مصالحها. فافتقار تونس للخدمات الجيوبوليتيكية والاستراتيجية خلصها من التدخلات الخارجية، وبذلك نجحت تونس في مسيرتها التي لازال يشهده تحولها الديمقراطي.

مقاربة الاستبداد في العالم العربي

نتيجة لذلك فإن الدول التي مسها الربيع العربي تقع في هذه النظرية حيث أن ما تقدمه من مصالح جيوبوليتيكية واستراتيجية جعلها تنتقل إلى أنظمة استبداد بألوان مختلفة. فعينات كمصر، وسوريا، وليبيا، والسعودية واليمن تمثل مصالحاً جيوبوليتيكية واستراتيجية للقوى الفاعلة دولياً كما يوضحه الجدول الآتي.

الدولة نظام قبل الربيع العربي طبيعة النظام نظام بعد الربيع العربي موقع جيوبوليتيكي موقع استراتيجي القوى المهيمنة
مصر استبداد دكتاتوري مطلق عسكري نعم نعم أمريكا وقوى متوسطية
سوريا استبداد دكتاتوري بوليسي عسكري نعم نعم روسيا وقوى إقليمية
ليبيا استبداد دكتاتوري عسكرة النظام نعم نعم قوى متعددة
سعودية استبداد أوليغارشي ملكي حفاظ على نفسالنظام نعم نعم أمريكا
اليمن استبداد دكتاتوري استبداد نعم نعم قوى إقليمية
تونس استبداد بوليسي ديمقراطي لا لا لا توجد

يتضح لنا من الجدول أن العينات التي حافظت على الاستبداد كالسعودية أو انتقلت من استبداد إلى آخر يعود سببه إلى المواقع الجيوبوليتيكية والاستراتيجية. أما تونس تعتبر عينة شاذة بسبب عدم توفرها على خدمات تقدمها للقوى المهيمنة. أما باقي الدول في الجدول، عدا تونس، كلها ذات قيمة استراتيجية تجعل القوى المهيمنة تسعى دائماً أن تجد منفذ قدم لها ثم تشكيل سياسات تعمل من خلالها على المحافظة على مصالحها. الاستثناء الوحيد يتمثل في ليبيا كون الصراع الدولي عليها لم ينته بعد. فبعد ما يئس الغرب من سياسات القذافي منذ 1969، أدركت الدول الغربية أن صناعة مستبد يجب أن يكون بصنع غربي. فنظام القذافي لم يجعل منه مستبداً محلياً فقط، بل كان عاصياً للقوى الغربية المتصارعة[29]. فاستدامة استبداد القذافي لم تكن بدعم القوى الخارجية، بل كانت بسبب الفراغ الذي كان بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا حول ليبيا. فبذلك لعب القدافي على وتر النزاع وحافظ على نفس المسافة التي تقربه من الطرفين. وهو ما يؤكده تدخل الناتو في 2011 من القوى الغربية على نظامه. وما نلحظه اليوم في ليبيا، هو إعادة تشكيل نظام استبدادي يسعى إلى محافظة المصالح الجيوبوليتيكية والاستراتيجية للاعبين الخارجيين. وبالرغم من انقسام ليبيا إلى طرف غربي وشرقي، فكلا القوى المهيمنة تسعى بنفس السياسات إلى تشكيل استبداد محلي يضمن بقاء مصالحها.

فالموقع الجغرافي لكل من ليبيا ومصر يجعل قيمة جيوبوليتيكية تتمثل في جعل هذه الأقاليم الجغرافية كأحزمة تحافظ بها الدول الغربية على أمنها ومصالحها. بالنسبة إلى ليبيا، إضافة إلى مصادر الطاقة فإنها تعتبر منطقة عازلة Buffer Zone تقف ضد تصاعد المد المسلح والهجرات غير الشرعية التي قد تعصف بأمن أوروبا، كما أنها تعتبر حزاماً يربط منطقة الساحل الإفريقي كمنطقة تمركز النفوذ للغرب. أما من الناحية الاستراتيجية، فإن الحصول على موقع استراتيجي في المتوسط يعني الهيمنة العسكرية على المتوسط. فمثلاً، بينما تسعى روسيا لوضع موطئي قدم في المتوسط بغية السيطرة عليه وتحجيم الدور الأمريكي، تسعى أمريكا بمناوراتها المختلفة في الملف الليبي لإبعاد روسيا. بمعنى، ضمان ليبيا استراتيجياً هو ضمان لخطوط الإمدادات العسكرية التي تحسب لها أمريكا في حالة وجود حرب، من خلال تأمين كل الإمدادات العسكرية من جنوب أوربا و المحيط الأطلسي[30].

أما مصر، بالإضافة إلى كونها سوقا هاما وامتلاكها موقعا جغرافياً حساساً ذات ممر بحري هام، فإنها تبقى درعاً لحماية الكيان الإسرائيلي كشريك قوي للولايات المتحدة في منطقة العالم العربي. كما أن مضيق السويس يعتبر أهم معبر للولايات المتحدة الأمريكية كطريق طاقة يوصلها إلى السعودية ويضمن لها استراتيجياً إمداداتها العسكرية مع أساطيلها بالمحيط الهندي المرتبط بالمتوسط عبر مصر. وهو ما تسعى له روسيا من خلال توغلها في المتوسط عموما كي تعمل على تحجيم الدور الأمريكي وتملأ الفراغ من خلال إنشاء نقطة مراقبة عسكرية ضد الولايات المتحدة على سواحل سوريا من جهة[31]، وعلى إنشاء حيز بحري يربط بين سوريا وشمال إفريقيا يضمن لها المناورة و الإمدادات العسكرية وتعطيل الاستراتيجية الأمريكية في المتوسط. أما اليمن فتبقى بؤرة صراع بين السعودية حليفة أمريكا وإيران التي تريد تحجيم الدور السعودي الذي تراه إيران أنه مدعوم أمريكياً. إضافة إلى ذلك، أن اليمن تعتبر مصدر للثروات الطبيعية حيث تسعى بعض القوى الإقليمية إلى الولوج إليها لتأمين ما تحتاجه منها من الطاقة.

بعدما رأينا أن الاستبداد سببه التموقع الجيوبوليتيكي والاستراتيجي لبعض دول العالم العربي، فإن استدامة الاستبداد أصبح رهان بقاء المستبد الذي يكون بحماية القوى الخارجية التي ترى في بقائه دوام مصلحتها. مصر على سبيل المثال، بالرغم من الثورة التي أنتجت مرسي رئيساً، فإن انقلاب السيسي كان بمباركة أمريكية وصمت دولي بل وجعل من السيسي مستبداً مفضلا لأمريكا[32] . بالنسبة للغرب أي نظام ديمقراطي سيلغي مصالح الدول المهيمنة بعد سقوط أنظمة الاستبداد، كما سيكون خطراً ضد الكيان الإسرائيلي -في حالة مصر-كونه الشريك الوحيد لأمريكا في قلب العالم العربي[33]. كذلك هو الشأن بالنسبة لليبيا والسعودية واليمن وروسيا.

إلى جانب ذلك، يرى الغرب عموماً قيام ديمقراطيات عربية سيفضي إلى كيانات سياسية إسلامية كالتي كانت في الجزائر سنة 1990 ومصر وليبيا وتونس بعد الربيع العربي. يرى الغرب أن الأنظمة الديمقراطية هي طرق لتصاعد الإسلاميين الذين يعتبرون خطراً ضد مصالحه خاصة بعد ثورة الشاه التي جعلت إيران نداً لأمريكا[34]. وبذلك، عمل الغرب على إنشاء قنوات تعمل على حماية الاستبداد عن طريق حماية الحاكم أو النخب الحاكمة في دول ما بعد الربيع العربي. فأمريكا مثلاً حامية نخبة السعودية[35] ومصر[36]، وروسيا حامية نظام بشار الأسد[37]، بينما لازال الصراع بين الفاعلين الدوليين في اليمن وليبيا حول من يكون الحاكم، لكن كل نخبة تعمل على مصلحة القوى الخارجية والبقاء في السلطة محلياً. بهذا، استدامة الاستبداد مقترن بالمحافظة على المصالح الأجنبية للقوى الكبرى عالمياً، وتحقيق ذلك يكون بدعم سياسات الاستبداد التي تبقي الدول تحت رحمة القوي، لا دولاً قوية تمثل خطراً على القوى الكبرى ولا تهديداً يزاحم استراتيجياتها، ولا دولاً هشة قد تكون خطراً أمنياً على جغرافيات وكيانات القوى الكبرى.

لعل قائل يقول أن هناك دولاً ذات مواقع استراتيجية لكن لها أنظمة ديمقراطية مثلا كإندونيسيا أو ماليزيا و غيرهما؟ إن الجواب على هذا السؤال يجعلنا نتطرق ونغوص أكثر في عامل الجغرافيا والقيمة الاستراتيجية مرة أخرى لإثبات العوامل التي تتفرد بها الدول العربية على غيرها من الجغرافيات.

إن الملاحظ للموقع الجغرافي يلحظ أن ماليزيا مثلاً وأندونيسيا يستحوذان على مواقع جغرافية استراتيجية لا تقل شأناً عن تلك التي بالدول العربية. وبالمقابل دول كموريتانيا والسودان لا يعتبران دولا ذات مواقع استراتيجية إذا ما تمت مقارنتهما بماليزيا وأندونيسيا وحتى تونس. لكن في الحقيقة إن الحديث عموماً عن الجغرافيا بمنظور سياسي يتطلب منا أن نعير مبدأين هامين في منظور التوازنات الإقليمية أو الدولية عند كبار القوى. بمعنى أخر، ان مفهوم الاستراتيجية الجيوبوليتيكية عند القوى التي لها يد في التأثير تعير مبدأين في أهدافها: مبدأ السيطرة على الجغرافيا لضمان البقاء سواء كان ذلك لما تدره تلك الجغرافيا من خيرات ومواد أولية أو مواقع استراتيجية لضمان التوازنات والحسابات  الاستراتيجية للدول القوية، و مبدأ تحجيم مركز الخطر الذي قد يهدد بقاء القوى.

في هذا الصدد يمكن على سبيل المثال أن تمثل ماليزيا وأندونيسيا موقعاً استراتيجياً يضمن للقوة التي تسيطر على تلك الأقاليم من تحجيم أو احتواء خطر مثل ما هو الأمر جاري مع أمريكا ضد الصين. لكن كلا الدولتين لا تمثلان تهديداً أمنياً ولا قوة منافسة للقوى الكبرى كونهما منفصلتين جغرافياً وتختلفان في الكثير من السمات الجيوبوليتيكية فيما بينهما كاللغة والعنصر البشري والأثنيات إضافة إلى العامل الجغرافي الذي يحتم عليهما أن يكونا منفصلتين.

لكن بالمقابل، إذا ما نظرنا إلى خريطة العالم العربي فإن التهديد الذي تمثله هذه الجغرافيا أنها تحتوي على تناسق مجتمعي وتناغم كبير في نقاط التقاء العنصر البشري كاللغة والدين أو بما يعرف في بعض الأدبيات بالأيديولوجيا والثقافة والتاريخ.  وهذا في منظور القوى الكبرى يبقى تهديدا من شأنه تقويض مبدا البقاء Survival الذي تسعى اليه كل دولة.

في كتاب صراع الحضارات، صنف هانتنغتون الأمة الاسلامية من ضمن ثمانية أمم على مبدأ اللغة والدين والثقافة المشتركة. كل هذه الحضارات مجزأة لكنها تتموقع في إقليم جغرافي مشترك. بعد نهاية الحرب الباردة، توقع هانتنغتون أن التحديات الايديولوجية و القومية التي كانت سائدة أثناء الحرب الباردة بين الأمم ستعرف تغيرا    و انتقالا من الانحياز السياسي الأيديولوجي إلى الصراع حول الأبعاد الثقافية و الاجتماعية كمركز للصراع بين العديد من الحضارات[38].
سيكون مصرح الصراع حسب هانتغتون على طول المجال الجغرافي للثقافة    أو على الحدود المتاخمة لثقافة أخرى أين ستعاني التخوم نزاعات خاصة بما في ذلك الجغرافيا الإسلامية والصينية والغربية.

ففي السياق العربي يمكن اعتبار الجغرافيا العربية ضمن الأمة الإسلامية التي صنفها هانتغتون. حتى الملاحظ والمتبصر في تصنيف هاتنغتون يلحظ أن الكتلة الجغرافية العربية هي المقصودة أثناء حديثه عن الكتلة الإسلامية ككل. بمعنى، أن العرب كانوا دائما المحرك الأول للحضارة الإسلامية ووراء التوسع الجغرافي من آسيا إلى إفريقيا حتى جنوب أوربا. و أن العرب هم المحرك الفعلي للإمبراطورية العثماني. أكثر من هذا تشكل الجغرافيا العربية قلب المحرك الإسلامي بدل الدول الأعجمية الأخرى سالفة الذكر.   

يرى هانتغنتون أن هذا التناغم يهدد بالأساس البنية الجغرافية الأساسية التي تتموقع عليها الحضارة الغربية[39]. و بهذا الصدد كان أولى من جانب جغرافي حسب الاستراتيجيين الجيوبوليتيكيين الغربيين أن المسيطر على موقع العالم العربي الاسلامي [40]Rimland يضمن السيطرة على العالم [41]من خلال موازنة القوة من جهة و التمركز     و التموقع في جغرافيات التهديد لضمان أو احتواء التهديد من هذه المنطقة.  

وإن كان المقصود بالتوازنات هنا يعني بالأساس الاتحاد السوفييتي أثناء الحرب الباردة ثم الصين وروسيا بعد الحرب الباردة، فان تجربة تكتل العالم العربي في صيغة عالم إسلامي كانت أسوء تجربة عند الغرب خلال ما يزيد عن خمس قرون. وقبل ذلك، كانت الجغرافيا الإسلامية العربية في العهد الأموي تمثل تهديدا وقوة رادعة للغرب. فبعد الفتوحات الإسلامية نحو شمال إفريقيا ثم جنوب أوربا في عهد الدولة الموحدية، ثم الإمبراطورية العثمانية، استخلص الغرب أن التهديد الذي من شأنه تغيير العالم الجيوبوليتيكي ضد الغرب ككل يتمحور في الشرق الذي يمثل تناغما جغرافيا[42].

التناغم الجغرافي تمثل تهديد لوجود العالم الغربي. يعتبر الغرب أي تناغم جغرافي على المستوى الايديولوجي (الديني) واللغوي والاثني والثقافي والسياسي والعرقي …الخ، مصدرا للتهديد. بمعنى، أن الموقع الجغرافي الاستراتيجي لا يعني فقط طبيعة وحجم الخدمات، بل بالأحرى حتى نوع التهديدات التي قد تكون وراء الجغرافيا المتناغمة. وبهذا فإن التناسق الجغرافي في الدول العربية والدول المستعربة كالسودان وموريتانيا و الدول المتأثرة بالعالم العربي كالتشاد و مالي و النيجر و بعض مناطق الساحل الافريقي، يجعل تهديدا و مركزا منافسا على القوة الدولية و الاقليمية للفاعلين الرئيسيين من الدول الغربية.

فالانسجام الجغرافي ههنا يضمن شيئين وعاملين للقوة إذا ما تم التحام الجغرافيا العربية: 1) مصدر ورحم للموارد الأولية: 2) القوة البشرية والاقتصادية المغذية والفاعلة على ترشيح هذه الجغرافيا أن تكون قوة استراتيجية وعسكرية. فان كان العامل الأول يلغي التبعية ويضمن الاستقلالية لهذه الدول، فان العامل الثاني يجعل من هذا التناسق قوة وإمبراطورية منافسة ورادعة.

نتيجة لذلك عمل الغرب على التقسيم الجغرافيا العربية. يعود التقسيم والشتات الجغرافي العربي إلى الحقبة الاستعمارية الغربية التي تلت سقوط الدولة العثمانية. فبعد حقبة الاستعمار قسمت الجغرافيا العربية إلى دولا وطنية وورثت مشاكل الدولة الحديثة المصطنعة. فأزمات الحدود التي شكلت أكبر مشاكلها في تشتيت التناسق الجغرافي من أثنيات وأعراق ورسم لغات وطنية لكل حيز جغرافي، كانت أحد الركائز التي عمل عليها الغرب في رسم وإعادة هندسة الجيوبوليتيكا العربية.

دعّم الرسم الجغرافي للدويلات المصطنعة أنظمة تحافظ على الهندسة الجغرافيا العربية. لم يكن كافيا التقسيم الحدودي لوحده، بل جرى البحث على الحفاظ على الرسم الجديد الذي يضمن الشتات ويكسر التناسق الجغرافي. وبذلك كانت النتيجة أن توضع أنظمة متعادية فيما بينها لتحافظ على الشتات، وغرس عصب حاكمة مدعمة من القوى الغربية. مثلا مصر يمكن أن تقدم نموذجا كاملا في هذا الطرح. فمصر تلعب دوراً جيوبوليتياً على الصعيد الخدماتي الجيواستراتيجي للغرب، و نموذجا لنظام يكبت أي تهديد ضد القوى الغربية[43].

لو أخذنا مبارك مصر أو ما تلاه من الأنظمة ما بعده، نجد أن بقاء الكيان الإسرائيلي يقف على نوع العصبة التي تكون على رأس مصر. بمعنى، بالإضافة إلى الخدمات الاستراتيجية التي يضمنها النظام المصري من تأمين قناة السويس وفتح السوق المصرية على سلع الغرب وتشكيل جغرافيا حامية Buffer Zone لحماية الكيان الإسرائيلي، فان النظام نفسه يعمل عبارة عن شوكة تخمد أي حركة مناهضة لأجندة الغرب مع النظام الحاكم، أو إعادة تشكيل التناسق الجغرافي. مثلا لو نظرنا إلى الحرب العربية الإسرائيلية في سنة 1967، نجد أن التناسق وإعادة التكتل الجغرافي كان وشيكا لو لم يكن هناك ما يشوبه من تطويع مع الغرب.

كانت حرب 1967 حدثا جيوبوليتيكي في القراءة الغربية. لو تمحصنا جيدا، لوجدنا أن التغير الجيوبوليتيكي الذي عمل عليه الغرب، تم تدعيمه وتطعيمه بقوة الأنظمة المستبدة التي لا تناقش ولا تدع مجالا للتناسق. فبالنسبة للغرب، كانت حرب 1967 خطأ فادحا ووجب على غراره تصحيحا جيوبوليتيكيا طارئ في إعادة تثبيت أركان الاستبداد كحل للمحافظة على الشتات والتناسق الجغرافي.

كما تم إعادة التشكيل الجيوبوليتيكي للمنطقة. كسر التناسق الجغرافي وتكملة التقسيم الجغرافي كالذي في السودان والجاري في ليبيا واليمن وخلق أنظمة متعادية ومختلفة، شكل جغرافيا مختلفة. لكن، بالرغم من عدم التناسق والاختلاف الكلي لهذه الدول، فان الشبه الوحيد بينها أنها تتشابه في أنظمتها المستبدة على المستوى الوطني لكل كيان جغرافي. فمثلاً، لو نظرنا إلى الدول العربية بالمشرق العربي، نجد كل الدول العربية متعادية فيما بينها، الأنظمة فيها تختلف بين ملكيات و جمهوريات لكن الاستبداد فيها يشكل نقطة الشبه الذي يتحد فيه الإخوة الأعداء فيما بينهم. دون استثناء، إن هذه الجغرافيات لم يكن لها أن تكون هكذا لو لم يكن هناك تناسق يجمع فيما بينها ويشكل خطراً على القوى الغربية.

خاتمة
 لا زال الاستبداد بالعالم العربي من أهم الظواهر السياسية و المواضيع التي لم تعرف زخما علمياً. رغم وجود كتابات حول الموضوع، فإن معضلة تفكيك الاستبداد لازال من الإشكالات الكبرى التي لم تعرف طرحا وافيا. فبالرغم من موجات الديمقراطية المتعاقبة ما بعد الحربين العالميتين وما بعد سقوط برلين، إضافة إلى ثورات العالم العربي المتتالية، فإن التحولات التي طرأت تمثلت في الحفاظ على الاستبداد.

عالجت هذه الورقة إشكالية استدامة الاستبداد. فبعدما قاربت المصطلح بين السياق والمفهوم، كشفت الغطاء عن وجود الاستبداد الذي ربطته بالخدمات أو التهديدات الجيوبوليتيكية والاستراتيجية التي تقدمها دول العالم العربي. فإن كان الموقع الجيوبوليتيكي والاستراتيجي سبباً لوجود الاستبداد، فإن التدخلات الخارجية للقوى الكبرى وعلاقاتها مع النخب الحاكمة في الوطن العربي يبقى رهان استدامة الاستبداد.

بتعبير آخر، لا موجات الديمقراطية ولا الثورات قادر على موازنة القوة بين الحاكم والمحكوم طالما الموقع الجيوبوليتيكي والاستراتيجي كفيل بوجود الاستبداد، والقوى الخارجية كفيلة بالمحافظة عليه. فكل الثورات العربية آلت إلى أنظمة استبدادية، ما عدا تونس التي نجت بسب عدم توفرها على ما توفره للغرب من مصالح جيوبوليتيكية و لا تهديدات تجعلها في نفس سياق الجغرافيات العربية الأخرى.

شاركت هذه الدراسة ولو بالقدر اليسير في الكشف عن معضلة الاستبداد في العالم العربي. إذ أنها ترى أن استدامة الاستبداد لا يكمن بالقوى الوطنية التي تبقى كفيلة بموازنة القوة إذا ما تحقق الصراع بين الحاكم والمحكوم دون طرف خارجي داعم للنخب الحاكمة. بل الإشكالية في استدامة الاستبداد يكمن في دعم القوى الأجنبية للنخب الحاكمة بحمايتها مقابل الحفاظ على المصالح الأجنبية ببعض الدول العربية.

من هنا، إذا كانت نماذج زوال الاستبداد ممكنة مثل التي كانت في أوربا الشرقية والغربية، فإن البحوث في اعتقاد هذه الورقة، يجب أن تدرس وتبحث عن طرق كفيلة للخروج من استدامة الاستبداد. أو بتعبير أخر، يجب أن تركز البحوث والدراسات على تفكيك مصدر قوة الاستبداد العربي بعزله عن الدعم الخارجي.

قائمة المراجع

  1. إشكالية البنية السياسية لنظم الجمهورية في المنطقة العربية، عمر جمعة العبيدي، طبعة 1، (عمان: دار الجنان للنشر و التوزيع، 2015). ص. 60-61.

2.      Abdelwahab El-Affendi. (2009). Political Culture and the crisis of democracy in the Arab World. In Samir A. Makdisi, Ibrahim Elbadawi. Democracy in the Arab World: Explaining the Deficit. Routledge Studies in Middle Eastern Politics. P. 11-40.

  1. A (2020). Égypte. Luttercontre les « personnesmauvaises » plutôt que contre le Covid-19. Orient XXI. Le journal de référencedu monde arabe et musulman. https://orientxxi.info/magazine/egypte-lutter-contre-les-personnes-mauvaises-plutot-que-contre-le-covid-19,4003

4.      Aristotle. (1895).Aristotle’s Politics: A Treatise on Government; A Treatise on Government.

5.      Bahey Eldin Hassan. (2019). New Political Struggles for Egypt’s Military. CARNEGIE. https://carnegieendowment.org/sada/79096

6.      B.J Jordan and Robert J. Pauly. JR (2007). The Centrality of Egypt to the Future of the Greater Middle East Jack Covarrubias, in Jack Covarrubias and Tom Lansford. (EDs). Strategic Interests in the Middle East: Opposition and Support for US Foreign Policy. US, University of Southern Mississippi, 157-170.

7.      Daniel Treisman. (2012). Why Russia protects Syria’s Assad. CNN. https://edition.cnn.com/2012/02/02/opinion/treisman-russia-syria/index.html

8.      Gellar S. (2005) Centralization and Democratic Despotism. In: Democracy in Senegal. Palgrave Macmillan, New York.

9.      Hazel Lian Zimeri. (2007).Knowledge in the Era of Despotism A Reading of Abdar-Ra mn al-Kawkib’s ab ic al-Istibddwa Ma ric al-Isticbd. Master Thesis in Arabic Studies Programme for Asian and African Studies.

10. Hugh Brody. (2011). Gaddafi and the Tuareg, the “Lords of the desert”. Open Democracy. https://www.opendemocracy.net/en/gaddafi-and-tuareg-lords-of-desert/

11. HRW. (2006). Libya: June 1996 Killings at Abu Salim Prison. Human Rights Watch. https://www.hrw.org/news/2006/06/27/libya-june-1996-killings-abu-salim-prison

12. Imad. A and Rania. K. (2020). Libyan protests, government manifesto and future. Daily Sabah. https://www.dailysabah.com/opinion/op-ed/libyan-protests-government-manifesto-and-future

13. Imad. A. (2020). What if the Berlin conference becomes a reality in Libya? CIGA.https://www.izu.edu.tr/en/ciga/articles-blogs/op-eds/imad_atoui/what-if-the-berlin-conference-becomes-a-reality-in-libya

14. Jeff . M, Roberta. R.(2019). Trump praises Egypt’s Sisi despite concerns about human rights, Russian arms. Routers. https://www.reuters.com/article/us-usa-egypt-idUSKCN1RL27S

  1. John H. Pryor. (2000).Geography, Technology, and War: Studies in the Maritime History of the Mediterranean 649-1571. Australia: Press Syndicate of the University of Cambridge.
  1. Kenneth Roth. (2009).Despots Masquerading as Democrats. InJournal of Human Rights Practice, Volume 1, Issue 1, March 2009. 140–155.
  1. Manfred F.R . Kets de Vries. (2006). The spirit of despotism: Understanding the tyrant within. In Sue Mahan, Pamala L. Griset, Terrorism in Perespective. London: Sage Publication. 69-84.
  2. (2013).Summary ofSocial Contract Theory by Hobbes, Locke and Roussea. SSRN. Available at SSRN: https://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id=2410525

19. Maryline Dumas. (2019). La Tunisie examine dans la douleur les crimes de la dictature Ben Ali. Le Figaro. https://www.lefigaro.fr/international/la-tunisie-examine-dans-la-douleur-les-crimes-de-la-dictature-ben-ali-20190409

  1. Michael Curtis. (2009). Orientalism and Islam: European Thinkers on Oriental Despotism in the Middle East and India. New York, Cambridge University Press.

21. Nancy.A, Viavian. S et. (2019). Trump, Awaiting Egyptian Counterpart at Summit, Called Out for ‘My Favorite Dictator’. The Wall Street Journal. https://www.wsj.com/articles/trump-awaiting-egyptian-counterpart-at-summit-called-out-for-my-favorite-dictator-11568403645

22. Niccolo Machiavelli. (1988). The Prince. Cambridge University Press. United Kingdom.

  1. Phill Kelly. (2016). Classical Geopolitics: A New Analytical Model. California: Stanford University Press.
  1. Rolando Minuti. (nd). Oriental Despotism. European History Online.

25. Routers. (2018). Trump: I told Saudi king he wouldn’t last without U.S. support. Routers. https://www.reuters.com/article/us-usa-trump-saudi-idUSKCN1MD066

26. Samuel P. Huntington. (1992).The Third Wave: Democratization in the Late 20th Century. University of Oklahoma Press; Norman

  1. Samuel Huntington. (2011).The Clash of Civilizations and the Remaking of World. Order. New York: Simon and Schuster.

28. Van Genugten. S. (2016). Libya in Western Foreign Policies, 1911–2011. (1 Ed). EU: Palgrav Macmillan.

[1] Michael Curtis. (2009). Orientalism and Islam: European Thinkers on Oriental Despotism in the Middle East and India. Cambridge University Press. New York. Pp-80-88.

[2] Michael Curtis. Op.cit.

[3] و هو ما نقرؤه في كتابات معاصرة عند الكواكبي في طبائع الاستبداد و بعض شعراء السياسة كأحمد مطر و غيرهما.

[4] Hazel Lian Zimeri. (2007).Knowledge in the Era of Despotism A Reading of Abdar-Ra mn al-Kawkib’s ab ic al-Istibddwa Ma ric al-Isticbd. Master Thesis in Arabic Studies Programme for Asian and African Studies. P. 25-26.

[5] إشكالية البنية السياسية لنظم الجمهورية في المنطقة العربية، عمر جمعة العبيدي، طبعة 1، (عمان: دار الجنان للنشر و التوزيع، 2015). ص. 60-61.

[6]Kenneth Roth. (2009).Despots Masquerading as Democrats. InJournal of Human Rights Practice, Volume 1, Issue 1, March 2009, Pages 140–155.

[7] Ibid.

[8] Rolando Minuti. (nd). Oriental Despotism. European History Online. file:///C:/Users/imad/Downloads/minutir-2012-en.pdf

[9] Manfred F.R . Kets de Vries. (2006). The spirit of despotism: Understanding the tyrant within. In Sue Mahan, Pamala L. Griset, Terrorism in Perespective. London: Sage Publication. 69-84.

[10] عمر جمعة العبيدي. المرجع سابق.

[11] Rolando Minuti. Op.Cit.

[12] Ibid.

[13] Aristotle. (1895).Aristotle’s Politics: A Treatise on Government; A Treatise on Government.

[14] Rolando Minuti. Ibid.

[15]Niccolo Machiavelli. (1988). The Prince. Cambridge University Press. United Kingdom.

[16] Op-cit.

[17]عمر جمعة العبيدي. المرجع سابق.

[18] Gellar S. (2005) Centralization and Democratic Despotism. In: Democracy in Senegal. Palgrave Macmillan, New York.. P.44-58.

[19]عمر جمعة العبيدي. المرجع سابق.

[20]ManzoorElahiLaskar. (2013).Summary ofSocial Contract Theory by Hobbes, Locke and Roussea. SSRN. Available at SSRN: https://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id=2410525

[21]Abdelwahab El-Affendi. (2009). Political Culture and the crisis of democracy in the Arab World. In Samir A. Makdisi, Ibrahim Elbadawi. Democracy in the Arab World: Explaining the Deficit. Routledge Studies in Middle Eastern Politics. P. 11-40.

[22]Bahey Eldin Hassan. (2019). New Political Struggles for Egypt’s Military. CARNEGIE. https://carnegieendowment.org/sada/79096

[23] HRW. (2006). Libya: June 1996 Killings at Abu Salim Prison. Human Rights Watch. https://www.hrw.org/news/2006/06/27/libya-june-1996-killings-abu-salim-prison

[24]Maryline Dumas. (2019). La Tunisie examine dans la douleur les crimes de la dictature Ben Ali. Le Figaro. https://www.lefigaro.fr/international/la-tunisie-examine-dans-la-douleur-les-crimes-de-la-dictature-ben-ali-20190409

[25] Hugh Brody. (2011). Gaddafi and the Tuareg, the “Lords of the desert”. Open Democracy. https://www.opendemocracy.net/en/gaddafi-and-tuareg-lords-of-desert/

[26] Ahmed. A (2020). Égypte. Luttercontre les « personnesmauvaises » plutôt que contre le Covid-19. Orient XXI. Le journal de référencedu monde arabe et musulman. https://orientxxi.info/magazine/egypte-lutter-contre-les-personnes-mauvaises-plutot-que-contre-le-covid-19,4003

[27] Samuel P. Huntington. (1992).The Third Wave: Democratization in the Late 20th Century. University of Oklahoma Press; Norman

[28] المقصود بها ما فوق وطنية، قد تكون إقليمية أو دولية.

[29] Van Genugten. S. (2016). Libya in Western Foreign Policies, 1911–2011. (1 Ed). EU: Palgrav Macmillan.

[30]Imad.A and Rania. K. (2020). Libyan protests, government manifesto and future. Daily Sabah. https://www.dailysabah.com/opinion/op-ed/libyan-protests-government-manifesto-and-future

[31] Daniel Treisman. (2012). Why Russia protects Syria’s Assad. CNN. https://edition.cnn.com/2012/02/02/opinion/treisman-russia-syria/index.html

[32]Nancy.A, Viavian. S et. (2019). Trump, Awaiting Egyptian Counterpart at Summit, Called Out for ‘My Favorite Dictator’. The Wall Street Journal. https://www.wsj.com/articles/trump-awaiting-egyptian-counterpart-at-summit-called-out-for-my-favorite-dictator-11568403645

[33]Imad. A. (2020). What if the Berlin conference becomes a reality in Libya? CIGA. https://www.izu.edu.tr/en/ciga/articles-blogs/op-eds/imad_atoui/what-if-the-berlin-conference-becomes-a-reality-in-libya

[34] Op. Cit.

[35] Routers. (2018). Trump: I told Saudi king he wouldn’t last without U.S. support. Routers. https://www.reuters.com/article/us-usa-trump-saudi-idUSKCN1MD066

[36]Jeff . M, Roberta. R. (2019). Trump praises Egypt’s Sisi despite concerns about human rights, Russian arms. Routers. https://www.reuters.com/article/us-usa-egypt-idUSKCN1RL27S

[37] Daniel Treisman. Ibid

[38] Samuel Huntington. (2011).The Clash of Civilizations and the Remaking of World. Order. New York: Simon and Schuster, 81-83.

[39] Ibid.

 الريم لاند هو مصطلح جيوبوليتيكي لوصف الحافة البحرية (الأرض أو المنطقة على الأطراف) للقارة الأوراسية..[40]

[41] Phill Kelly. (2016). Classical Geopolitics: A New Analytical Model. California: Stanford University Press. P.4

[42] John H. Pryor. (2000).Geography, Technology, and War: Studies in the Maritime History of the Mediterranean 649-1571. Australia: Press Syndicate of the University of Cambridge. P. 102-1010.

[43] B.J Jordan and Robert J. Pauly. JR (2007). The Centrality of Egypt to the Future of the Greater Middle East Jack Covarrubias, in Jack Covarrubias and Tom Lansford. (EDs). Strategic Interests in the Middle East: Opposition and Support for US Foreign Policy. US, University of Southern Mississippi, p. 157-170.

اترك تعليقاً

Enable Notifications    OK No thanks