الاستبداد السياسي وأشكاله المعاصرة؛ بحث في أسباب الاستدامة في المنطقة العربية

د.سفيان فوكة 

تحميل المقال PDF

الملخص

تعد المساهمة في إدارة الحكم من خلال تسيير الشؤون العامة حق مشترك بين جميع المواطنين ولا بد أن يقوم وفق أسس من المساواة والعدالة، فلا يجوز الاستبداد به واحتكاره من قبل البعض دون البقية، وعليه فإن الاستبداد السياسي ظاهرة مرضية تصاب بها نظم الحكم، ولم تسلم النظم السياسية العربية من هذه الظاهرة السلبية التي أصيبت بها مبكراً، لتبقى خصوصية الظاهرة الاستبدادية العربية المعاصرة في استدامتها وصعوبة تفكيكها، إضافة الى ممانعة قيام نسق صالح للحكم ممكّن من التعبير السليم والسلمي عن حقوق واحتياجات جميع أفراد المجتمع، وممكّن من تحقيق التنمية الإنسانية الشاملة، فهذا الأخير لن يقوم إلا بتفكيك نظم الاستبداد وتبديلها بأخرى منفتحة.

إن أوّل أسباب استدامة الحكم الاستبدادي هي قبل كل شيء القبول به وذلك من خلال الوقوع في دائرة الخضوع والطموح إضافة إلى عدم تجاوز مسألة أخلاقية الحكم وضرورة الطاعة، فقبول المجتمع العربي المعاصر بحكام مستبدين إنما يقف وراءه منظومة تربوية متكاملة تنشئ أفرادها على الطاعة بداية من الأسرة لتمتد في شبكة العلاقات السياسية، وفضلاً عن ممارسات النظم الاستبدادية من قمع وما يرتبط به من عنف كآلية لاستدامة حكمها فإن ذلك لا يغيب عن الواقع العربي؛ حيث تسببت الدولة العربية -التي هي في بعث التطرف السياسي وما تبعه -بقمعها للمطالب الشرعية لشعوبها طويلاً لتتحجج فيما بعد بضرورة الاستمرار لمواجهة التوتر وغياب الاستقرار ومواجهة المخاطر، كما يسهم استشراء الفساد في هذه الاستدامة إذ إن العلاقة المباشرة بين الفساد والاستبداد تتمثل في أن الأول عندما يترسّخ فإنه يعمل على حماية نفسه وذلك بإبقاء كل الهياكل التي أنتجته على حالها، فيدعم استدامة الاستبداد الذي تشكل في ظله فيستفيد هذا الأخير من حليف جديد.

الكلمات المفتاحية: الاستبداد السياسي، التسلطية، أخلاقية السلطة، العنف السياسي، الفساد، المنطقة العربية.

 مقدمة

حين وجد الإنسان نفسه مهدداً من قبل أخيه الإنسان ولم يعرف في ذات الوقت حدود وضوابط حقوقه وحقوق غيره نشأت المشكلة الاجتماعية، فاختار الإنسان لنفسه ظاهرة السلطة وجهاز الحكومة لحل هذه المشكلة وتأمين الحقوق فأدى ذلك بدوره إلى تبلور مشكلة أخرى عرفت بالمشكلة السياسية، وما هذه الأخيرة إلا الجانب المتعلق بالحكم والسلطة من جوانب المشكلة الاجتماعية؛ وبما أن السلطة سيادة ومصدر قوة وفرصة للاستغلال والانتفاع والإنسان ميال لذلك بالفطرة انفتح الإنسان على جوانب جديدة من الصراع هي الصراع على السلطة والصراع مع السلطة[i]، وفي خضم هذا الصراع تمكن البعض من التفرد بالحكم والاستئثار بالسلطة ومنع الآخرين من الوصول إليها باستخدام أساليب غير شرعية، ليصير نظام حكمهم استبدادياً لتفردهم بما هو حق مشترك مع البغي في استخدامهم السلطة وما تمنحه من قدرة على قهر الآخر للحفاظ على المكاسب.

لقد شغل مفهوم الاستبداد والتسلّط حيزاً هاماً لدى الفلاسفة والمفكرين على مر الزمن فهو يثير مقولة فقدان الحرية وانعدام المساواة، إنه لا يوجد في مكان دون آخر بل استفحل في بقاع المعمورة قاطبة، وعليه فقد ظهر الصراع بين الحاكم والمحكوم منذ أن وجدت السلطة ومعها الحكم؛ وما يزال موضوع الاستبداد يشغل حيزاً من التفكير مراده الخروج من هذا المأزق الذي تعانيه الإنسانية، فالاستبداد داء تبتلى به الشعوب في بعض مراحل التاريخ وهو حسب “عبد الرحمن الكواكبي” (1849-1902) “أسوأ أنواع السياسية؛ وأكثرها فتكاً بالإنسان وبغيره في المجتمع المحكوم بالظلم والطغيان، مما يؤدي إلى تراجع في كافة مرافق الحياة ووجوهها وإلى تعطيل الطاقات وهدرها والى سيادة النفاق والرياء بين مختلف فئات الشعب حكاماً ومحكومين”[ii].

أهمّية الدّراسة وأهدافها: يعتبر الموضوع من مستجدات الساحة العربية فهو بحاجة إلى تقديم إجابات عن التساؤلات المحيطة به، وذلك من خلال تحديد نسق استدامة السلطوية عربياً والكشف عن آليات تفاعلها، وهو سبيل منهجي للتشخيص السليم لما سميّ بالاستثناء العربي تجاه الديمقراطية والذي دام طويلاً، ما قد يسمح بفهم المرحلة الحالية وتحدياتها واغتنام فرص التحول الموجودة من شأنها الإسهام في تفكيك الظاهرة.

مشكلة البحث: لكل دراسة علمية مشكلتها البحثية التي تصبو لتحليلها وتفسيرها والتنبؤ بآثارها، تتجسّد مشكلتنا البحثية في أننا نعيش انحصاراً عالميا للنظم الاستبدادية منذ نهاية الحرب الباردة مقابل ممانعة للتحول في المنطقة العربية عن طريق استمرار الظاهرة السلطوية ويترتب عليها تجدد واستدامة للاستبداد ما يشكل تهديداً حضارياً موسّعاً للمنطقة، وعليه نتساءل: ما هي العوامل والآليات التي تسمح للاستبداد السياسي المعاصر بالتجدد والاستمرار وكيف يظهر ذاك في المنطقة العربية؟

وتتفرع هذه الإشكالية الى الأسئلة الفرعية التالية:

  • ما المقصود بالاستبداد ومتى يكون سياسياً؟ وهل يمكن القبول ببعض أشكاله؟
  • ماهي الأشكال التي تتخذها النظم الاستبدادية المعاصرة؟ وما هي الخصائص المشتركة بينها؟
  • هل التنشئة على أخلاقية السلطة وأبويتها تضع المجتمعات العربية في دائرة التبعية والخضوع؟
  • كيف يمكن لكل من القمع والفساد أن يسمحا للسلطوية بالاستمرار والتجدد في البلاد العربية؟

أولاً-مفهوم الاستبداد السياسي:

لغة يشير الاستبداد إلى حالة “الانفراد بالأمر والأنفة عن طلب المشورة وقبول النصيحة”، والمستبد (Despot) هو من استقل برأيه غروراً واستعلاء، وهو المنغلق على نفسه المستكفي بذاته، ولم يأت ذكر كلمة الاستبداد في القرآن الكريم ولكن معانيها ومرادفاتها وجدت أمثال: الطغيان والظلم والفساد وكثير من السور القرآنية تطرقت إلى معنى الاستبداد بصورة أو بأخرى، ومن بينها قوله تعالى: ﴿اذهب إلى فرعون إنه طغى﴾[iii]، وفي موضع آخر: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾[iv]، وفي آيات أخرى هناك ذم للاستبداد من خلال عرض النقيض له ففي خطاب الحق تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام يقول: ﴿وشاورهم في الأمر﴾[v] أما للجماعة فيقول: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾[vi].

كما جاء في لسان العرب “استبد فلان بكذا أي انفرد به، وفي حديث علي رضي الله عنه: كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقاً فاستبددتم علينا، واستبد برأيه: انفرد به”[vii]، وفي القاموس المحيط: “استأثر بالشيء استبد به، وخص به نفسه”[viii]، وعليه فالاستبداد كما تشير معاجم اللغة هو الانفراد فاستبد بالأمر أي انفرد به دون غيره، فقولنا استبد فلان بالسلطة أي أخذها لنفسه ولم يشارك فيها أحد فهو بذلك مستبد، وهكذا يكون الانفراد بالحكم استبداداً به، وهذا هو المعنى المقصود من استعمال كلمة استبداد للحديث عن أسلوب فاسد للحكم.

في اللغات الغربية تقابل كلمة (Despotism) نظيرتها العربية “الاستبداد” ، وهي مشتقة من الأصل الإغريقي (Despotes) والتي تعني رب الأسرة أو سيد المنزل أو السيد على عبيده، واستخدمت في السياق السياسي لوصف الحكم المطلق الذي تكون فيه سلطة الحاكم على رعاياه مماثلة لسلطة الأب على أبنائه في الأسرة حيث يبرر كل تصرفاته بأبويته للمواطنين بما فيها كل أنواع العقاب[ix]، واستعملت كلمة (Despotism) بمعنى استبدادية، ونقلت هذه الكلمة من اللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية للدلالة على الصيغة الاستبدادية في الدولة كلها، كما رادف كلمة (Autarchy) الانفراد بالحكم وهو مصطلح ذو دلالة لا تختلف كثيراً عن الحكم المطلق  absolutism))[x]. أما من حيث الاصطلاح فقد جاء في “الموسوعة الفلسفية العربية” حول الاستبداد ما يلي[xi]:

“الاستبداد ظاهرة قديمة ومستمرة في التاريخ وله أشكال وأنواع عديدة، ويمكن تعريفه –بصورة عامة- بأنه الانفراد بالأمر والأنفة عن طلب المشورة أو عن قبول النصيحة، حيث ينبغي الطلب أو القبول. فإذا كان الأمر متعلقاً بمصلحة الفرد نفسه فإن الاستبداد يأتي على الأغلب تعبيراً عن غرور المرء بنفسه، أو عن عدم قدرته على الانفتاح والتبادل أو عن إرادته كتم حقيقة عن غيره، وإذا كان الأمر متعلقاً بتدبير مصلحة جماعية معينة فإن الاستبداد يعني التصرف المطلق في شؤون تلك الجماعة بمقتضى المشيئة الخاصة والهوى وفي هذه الحالة لا يبعد معنى الاستبداد عن معاني التعسف والتحكم والاستعباد والسيطرة التامة”. أما الموسوعة السياسية فتربطه بظاهرة الحكم وتعرفه على أنه “كحكم أو كنظام يستقل بالسلطة فيه فرد أو مجموعة أفراد دون خضوع لقانون أو قاعدة ودون النظر لرأي المحكومين”[xii].

أما وصفنا الاستبداد بالسياسي”Political despotism” فنعني به “الانفراد بإدارة شؤون المجتمع السياسي من قبل فرد أو مجموعة أفراد دون بقية المواطنين الذين لهم حق المساهمة في السلطة والتداول عليها وإدارتها، فيصير الفعل هنا احتكار لحق جماعي يشترك فيه كل المواطنين المتمتعين بحقوقهم بالتساوي ، فمن المفروض وجود علاقة بين طرفين متساوين في الحقوق والواجبات العامة، ينفرد أحدهما بالحقوق المشتركة أي السلطة والحكم فيحتكرها لنفسه دون الطرف الآخر بغير وجه حق”[xiii]، وعادة ما يستند الاحتكار الشخصي للسلطة على أداة الدولة القمعية فيستمد المستبد شرعيته من واقع القوة التي يتفرد بها بدل المصدر القانوني، مما يجعل الفرد العادي الذي يعيش في ظل الاستبداد السياسي فاقداً لفعاليته متحولاً إلى ذات بلا مواطنية متجرداً من حقوقه الإنسانية والمدنية عديم التأثير في القرارات المجتمعية الواسعة، هذا ويستعمل مصطلح الاستبدادية لوصف درجة تسلط الحاكم فإذا كان الحاكم لا يلتزم بقانون وإنما قوله وفعله هما بمثابة القانون فهو نظام حكم استبدادي، أما إذا كان هناك قانون يلتزم به الحاكم ولكنه يحتكر سلطة التعديل والتغيير في القانون فهو إذن حكم مطلق”[xiv].

الاستبداد إذن وصف “لأشكال متعددة من الحكم على رأسها حكام لديهم سلطة لا قيد عليها، ويشير المصطلح إلى نوع من الحكم يكون فيه فرد –أو مجموعة- حائزاً للحكم المطلق المكتسب عن طريق القوة العسكرية أو الخداع السياسي أو استغلال المقدس لكسب قلوب المؤمنين وجعلهم يسيرون طائعين لأمره[xv]، في هذا النوع من الاستبداد المرتبط بالحكومة الدينية يقول “علي شريعتي” (1933-1977)[xvi]:

        “الحكومة الدينية هي الحكومة التي يحل فيها رجال الدين محل رجال السياسة، الاستبداد هو من المعالم الطبيعية التي تتسم بها هكذا حكومة…فالزعيم الديني يعطي لنفسه حق الزعامة مرتكزاً على قيمته واعتباره الديني لا على قيمة وآراء الناس وانتخابهم، إذن هو حاكم غير مسؤول وهذا النوع من الاستبداد هو أسوأ انواع الاستبداد والدكتاتورية الفردية، لأن الحاكم الديني يظن أنه خليفة الله فهو يسيطر على رقاب الناس.. وأعماله مقرونة برضا الله”.

أما من وجهة نظر “توينبي” (Arnold Joseph Toynbee) (1889-1975) فما الاستبداد إلّا “بداية الانهيار عندما تتحلل أقلية مبدعة فتغدو أقلية مسيطرة تسعى للاحتفاظ بمركز لم تعد جديرة به مستخدمة في ذلك القوة، فيحدث القصور في طاقاتها الإبداعية وتعزف الأغلبية عن محاكاتها، ثم يؤول الأمر إلى فقدان الوحدة الاجتماعية في المجتمع الذي سوف يسرع الخطى نحو الانهيار المحتوم”[xvii].

هل يمكن تبرير الاستبداد؟

رغم ما شاع عن ذم الاستبداد إلا أن الفكر السياسي قد طرح نماذج من الاستبداد ذات رسائل تاريخية أو كمراحل ضرورية للانتقال إلى حكم رشيد يؤدي فيها المستبد دوره في تحضير التحول والإعداد للانتقال إلى وضع أفضل عن طريق مباشرة تنوير الأمة التي يحكمها، وهو أمر لابد فيه من الحزم والتدرج، هنا يبرز وصف “الاستبداد المستنير” “Enlightened despotism” او “الاستبداد الخير” “Benevolent despotism” وهو أنموذج للاستبداد عرف تاريخياً في الغرب الأوروبي والعبارة هذه بدأ استعمالها في القرن التاسع عشر من طرف الألمان للإشارة إلى نظام حكم معين في تاريخ أوروبا، ويندرج في نفس الوصف مصطلح “الدكتاتوريات المستنيرة” أو “الملكية المستنيرة” و”الحكم المطلق المستنير” هو شكل من أشكال الحكم الملكي الاستبدادي الذي تأثر فيه الحكّام بأفكار التنوير واعتنقوا مبادئها وطبقوها على أراضيهم[xviii].

يَعْتَبِرُ المؤرخون “فريدريك الثاني” (Frédéric II) (1740–1786) ملك بروسيا أنموذج الملك المستنير “إذ كان يعتبر نفسه الخادم الأول للدولة ويتصرف وكأن عليه تقديم حساب عن عمله أمام مواطنيه فيسامح في الدين ويهتم بالإصلاح القضائي والإصلاح المدرسي وغيره” وتصفه الموسوعة السياسية أنه ملك مستنير لكنه مستبد لأنه لا يخضع للمساءلة والحساب، لقد تزامن ظهور هذا الوصف في الفترة نفسها التي قادت إلى الثورة الفرنسية حين بدأ بعض حكام أوروبا كالنمسا واسبانيا والدنمارك والسويد ينتهجون سياسات إصلاحية حيث رفعت بعض إجراءات الرقابة، كذلك فتح الباب لتحقيق إصلاح ديني وقضائي واجتماعي وقد تم ذلك في ظل نظم ملكية استبدادية، ومن ثم كان المستبد مستنيراً وقام بدور الممهد لتحقيق التنوير ، فالاستبدادية المستنيرة التي عرفتها أوروبا هي ظاهرة حققت رسالتها التاريخية بشكل عام كمرحلة انتقالية على الصعيد النظري والعملي بين الملكية المطلقة التقليدية وبين عصر الأنوار[xix].

أما في التراث العربي الإسلامي فنجد وصف “المستبد العادل” وهي مقولة ألصقت بهذا التراث ونسبت إلى بعض مفكري النهضة في العصر الحديث، ففي الأصل العربي يقترن الاستبداد بالحزم وعدم التردد في اتخاذ القرار وتنفيذه ومنه المقولة: “إنما العاجز من لا يستبد”، وقد كان هذا هو معنى الاستبداد في المرجعية العربية بالخاصة عندما اقترن بـالعدل والملاحظ أن العبارة تتناقض مع نفسها إذ أنه لا يجتمع العدل مع الاستبداد كما أن الحزم والقوة وعدم التردد لا يعني الاستبداد والظلم والتعسف، فالمفهوم الذي تحمله العبارة يتناقض مع التراث الإسلامي السياسي نفسه[xx]، ونشير هنا أنَّ لفظ الاستبداد لم يكن شيئاً سلبياً في المرجعية اللغوية العربية بالمطلق كحاله اليوم، بل كان الاستبداد مرادفاً “للحزم وعدم التردد في اتخاذ القرارات التنفيذية ومن هنا تلك العبارة الشهيرة “إنما العجز من لا يستبد”، وذلك خاصة عندما يكون الاستبداد مقرونا بالعدل “أمَّا الاستبداد بدون عدل فكان له اسم آخر في المرجعية العربية وهو الطغيان”.

ثانياً-إشكال النظم الاستبدادية المعاصرة:

يتخذ مفهوم الاستبداد السياسي شكلاً عاماً ينطبق على جميع البلاد التي تعاني تعسفاً في نظم الحكم ويتخذ أوجها متعددة منها التسلطية والديكتاتورية والشمولية، هذه المفاهيم قد تختلف في تفاصيلها لكنها تشترك بصورة عامة في تعبيرها عن الاستبداد السياسي الدال على الاستئثار بالحكم، حيث تتقدم مصلحة الحاكم وبطانته على المصلحة العامة من خلال “التحكم في رقاب الناس، والاستئثار بخيرات مجتمعهم، والإسراف في استخدام القوة في إدارة السلطة من دون الخضوع للمحاسبة والمساءلة من قبل المحكومين”، وبما أن نظام الاستبداد هو كل نظام مهما كان شكله، يعتمد في تسيير شؤون الدولة والمجتمع على إخضاع الأغلبية لإرادة الشخص والمصالح الخاصّة عبر آليات المراقبة والتأطير والقمع؛ فما هي أشكاله المعاصرة وما هي خصائصها؟

أ-السلطوية المعاصرة (Authoritarianism):

التسلطية “Authoritarianism” مفهوم حديث نشأ مع الدولة الحديثة وامتداداتها البيروقراطية بحيث تخترق المجتمع المدني بالكامل وتجعله امتداداً لسلطتها، وتحقق بذلك الاحتكار الفعال لمصادر القوة والسلطة في المجتمع[xxi]، ويصفها “خلدون حسن النقيب” على أنها ظاهرة خاصة بالقرن العشرين، ونجد في التسلطية محاولة جادة لوصف الدولة العربية المعاصرة، فالمصطلح يكاد يكون مطابقاً في محتواه لنمط الاستبداد القديم مع الأخذ بعين الاعتبار الآثار الحقيقية على الحكم التي تنشأ من شروط الحياة المعاصرة وهو يدل على الهيمنة التسلطية على المجتمع، ويتفق مع الاستبداد في الاستئثار بالحكم بدون أي وجه حق أو سند قانوني أو أخلاقي أو سياسي[xxii]، فالنظام السلطوي أو التسلطي يقوم على انفراد صفوة معينة بالحكم يعلوها حاكم يتمتع بسلطات واسعة، ويفرض هذا النظام نفسه على الشعب ويفرض قيوداً مشددة على الحريات السياسية وقسم من الحرية الاقتصادية.  كما يمكن تمييز النظم التسلطية انطلاقاً من عنصرين هما[xxiii]:

-الحكام القائمين على رأس السلطة لا يخضعون في الواقع سلطتهم لمصادفات المنافسة السياسية المفتوحة أثناء انتخابات تعددية.

-لا يسمح هؤلاء الحكام عادة بالتعبير العام عن الخلافات فيما بينهم، ومع ذلك فإنها خلافاً للنظم الشمولية، لا تطالب المواطنين بأن يشاطروا الحكام أيديولوجيتهم بشكل حميم.

أما حول خصائص الاستبداد الحديث الذي لا يسمح بالحرية الفردية ولا بالحركة المنطلقة للمجتمع، فيمكن رصد أهمها[xxiv] في التالي:

    • كبرياء الحاكم وتعاليه؛ والتي تجعل الحاكم لا يرى إلا نفسه ولا يبصر إلا مصلحته، ولا يقرب منه إلا من يتملقه ويرضاه أي أن الحاكم فوق الجميع وفوق القوانين ولا يحق لرعيته مواجهته.
    • التبذير من قوت الرعية؛ أي الإسراف من طرف الحاكم وحاشيته في المال العام من غير حسيب، حيث لا يبالي المستبد من أين يأخذ المال ولا أين يضعه وهو ما يعرف “بالفساد النظمي”.
    • غياب النقد؛ وهو من أبرز خصائص الأنظمة الاستبدادية، حيث أنه لا يترك أي مجال للمعارضة السياسية للتعبير عن مواقفها وتصوراتها إزاء النظام، وإلا تعرضت قياداتها إلى الاعتقال والسجن أو الموت، فهي أنظمة لا يكاد ينبعث منها صوت المعارضة الإيجابية البناءة.
    • انعدام العدالة؛ في شتى المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وانعكاساتها على المستوى المعيشي للمحكومين، حيث تزداد الأسر الحاكمة نفوذاً وثروة في مقابل ازدياد المحكومين -الذين يشكلون الأغلبية- فقراً وجهلاً وحرماناً من أبسط حقوقهم الحياتية.

ب- الدكتاتورية (Dictature) والفاشية (Fascism):

الدكتاتورية مصطلح من مفردات اللغة الإيطالية ويعني “عدم التحرر” وقد حوله “موسيليني” إلى مصطلح فني للدولة الجديدة النقابية “الفاشية”، وقد استخدم المصطلح في اللغة الإنجليزية لوصف الأنظمة السياسية الثلاثة “الفاشية الإيطالية” و”النازية الألمانية” و”الشيوعية السوفيتية”، وهو على العموم مفهوم يستخدم ليدل على حالة سياسية معينة تصبح فيها جميع السلطات بيد شخص واحد يمارسها حسب مشيئته، فالنظام الدكتاتوري يقوم على أساس انفراد شخص بالسلطة يكتسبها عنوة واقتداراً بفضل ذكائه ومواهبه وجهده وقوة نفوذه وشدة أنصاره، فهو يستمد سلطته من شخصه ولا يدعي أي مصدر إلهي لها كما هو الحال في النظم الملكية على امتداد التاريخ، والتي قامت على أساس الطبيعة الإلهية المباشرة أو غير المباشرة للملوك، وعلى العكس من ذلك فإنه مع تطورات العصور الحديثة فإن الدكتاتوريات المعاصرة أصبحت تدعي كلها أنها تستمد حكمها من الشعب وفي سبيل تأكيد هذا الادعاء تلجأ إلى العديد من الإجراءات الظاهرية مثل الدعوة للاستفتاء أو إجراء الانتخابات لشغل مقاعد البرلمان، وذلك بعد أن تفرغ جميع هذه الإجراءات من مضمونها الفعلي بحسبانها تعبيراً عن الإرادة الحرة للمواطنين.

أما الفاشية فهي حسب “أندري هوريو” (André Hauriou) (1897-1973) هي “استعمال في بعض الظروف فن الاستيلاء على السلطة من قبل أقلية فاعلة واستخدام فكرة المجتمع الموحد -متجسداً بالحزب الواحد- لصالح الطبقة المسيطرة التي تخشى خسارة امتيازاتها وليس لصالح مجموع المواطنين”[xxv]. تجتمع الدكتاتورية والشمولية في “الحد الأقصى للسيطرة السياسية داخل المجتمع الحديث والتي تم تحقيقها بفضل المزج بين الأيدولوجيا الرسمية المعلنة وحزب وحيد ذو صفة جماهيرية، واحتكار المؤسسات القمعية والرقابة الاجتماعية ووجود نظام اقتصادي مركزي”[xxvi]، كما يمكن تحديد خمسة صفات لهذا النوع من النظم الفاسدة تسمح بالتغلغل والاستمرار وهي[xxvii]:

  1. تحول الدولة من دولة قانون إلى دولة بوليسية.
  2. تحول الدولة من دولة حرية إلى نظام استبدادي.
  3. سيطرة حزب سياسي واحد.
  4. السيطرة الاستبدادية على المجتمع ومنع أي تعددية.
  5. قيام النظام الحاكم على الإرهاب والقمع.

ج-الشمولية (Totalitarianism):

نصف بها نوعاً من النظم المعاصرة ظهر في القرن العشرين مع انتشار الأيديولوجية الجماعية التي تدعو إلى أهداف طبقية متطرفة لصالح الطبقة العاملة الماركسية أو أهداف قومية متطرفة كحالة النازية، ويزيد هذا النظام عن الدكتاتورية والسلطوية في أنه يقوم على حزب حاكم مهيمن يفرض سيطرته التامة سواء كان حزباً وحيداً لا يسمح بوجود أحزاب أخرى من الناحية الرسمية، أو كان حزباً وحيداً من الناحية العملية وإن سمح بوجود أحزاب شكلية تحت قيادته في صورة جبهة وطنية، ويرى “جابرييل الموند” (Gabriel A. Almond) (1911-2002) و”بيغهام باول” (Paul Bigham) أن الدكتاتورية الاستبدادية تعبر عن “عملية تحديث ناقصة لأنها تعبر عن ثقافة مركبة من خضوع ومشاركة معتمدة على أيديولوجية جامدة وعلى سلوكية خاملة”[xxviii]، وقد بدأ تراجع النظم الشمولية بعد هزيمة ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية في الحرب العالمية الثانية ، ثم اكتمل هذا التراجع بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط النظم التابعة له.

لا شك أن الاستبدادية الحديثة عكس التقليدية تمتلك إلى جانب الأيدولوجية “التكنولوجيا”[xxix] وهناك من يصف النظام الشمولي “بنظام القوة الشاملة حيث الدولة تفاضل من أجل التساوي في الامتداد مع المجتمع”[xxx] أي محاولة الدولة بأجهزتها السياسية أن تدمج المجتمع بالدولة، ولتحقيق ذلك ستلجأ إلى تعبئة الجماهير وتسييسهم؛ وهما خاصيتان تتميز بها الأنظمة الشمولية عن الأنظمة الاستبدادية التقليدية. فيمكن القول أن “مفهوم الشمولية يلتقي مع المفاهيم السابقة (الدكتاتورية والتسلطية) في سيطرة فرد أو مجموعة أفراد على الحكم، ويختلف عنها في أنه يسعى إلى صهر أفراد المجتمع في بوتقة أيديولوجية واحدة”[xxxi]. ويمكن الإشارة إلى مكونات النظام الشمولي من خلال ثلاثة أركان:

− نخبة متسلطة عسكرية أو مدنية أو حزب حاكم.

− هرم بيروقراطي قائم على مبدأ الولاء الشخصي.

−بنى موازية عشائرية ومذهبية وإثنية ومهنية.

أما التجليات الرئيسة في بناء أي نظام شمولي هي الإرهاب والأيديولوجيا والإعلام الموجه وثلاثة مبادئ تضمن هذه التجليات وتعززها وتسمح باستدامتها هي[xxxii]:

    • مبدأ الاحتكار الفعال للسلطة والثروة والقوة والحقيقة والوطنية، هذه الاحتكارات هي التي تبنيه وتمكنه، كما أنها تصنع نخبه الحاكمة وثرائها.
    • مبدأ الغلبة والقهر.
    • مبدأ شخصنة السلطة وانتقال قوة المنصب المادية والمعنوية إلى الشخص مما تكون نتيجته أن تحل الأوامر محل القوانين والامتيازات محل الحقوق والولاء والمحسوبية محل الكفاءة والاستحقاق.

يجذر بنا هنا التنبيه أن مصطلح “الشمولية” يلقى اعتراضاً عندما يتعلق بالبلدان العربية، لأنه يتضمن العديد من البنى والممارسات وأشكال القسر والتنظيم الموجودة في أنماط أخرى للدولة الشيوعية أو النازية، وعليه يفضل استخدام مصطلحات أخرى عندما يتعلق الأمر بالمنطقة العربية، حيث أنه لإنتاج نظام شمولي لابد من أسس هي غير موجودة في الواقع العربي ومن هذه الأسس:

    • مسألة المجتمع المدني: حيث أن وجود الشمولية يفترض بالأساس وجود المجتمع المدني الذي ستقوم باختراقه من داخل بنيته وبالأدوات ذاتها التي أنجبت هذا المجتمع وأنجبها كحيّز للعلاقات الفردية المبررة المتبادلة، ومن بين هذه الأدوات العناصر التكنولوجية والحيّز العام القائم الذي يتم تأميمه وأهم من ذلك الفرد.
    • مسألة الأيديولوجية: حيث أن أيديولوجية الدولة العربية غير قادرة على التحول “أو لم تقدر أن تتحول إلى بديل عقلاني لما هو قائم أو أن الأيديولوجية بالمعنى الفعلي للكلمة غير موجودة بالأصل”.

الخصائص المشتركة للنظم السلطوية المعاصرة:

عند هذا الحد يمكن الخروج بقاعدة مشتركة لخصال النظم الاستبدادية الحديثة أو ما يمكن تسميته بالنظم السلطوية المعاصرة؛ فبالرغم من تباين درجة التسلط إلا أنه يمكن القول هذا النوع من الحكم يشترك في جملة الأوصاف التالية[xxxiii]:

    • الحكم الذي يفشل في الفصل الواضح بين المصالح الخاصة والمصلحة العامة وبين المال العام والخاص، ويميل بشكل دائم إلى استخدام الموارد العامة واستغلالها لصالح مصلحة خاصة.
    • الحكم الذي ينقصه الإطار القانوني ولا يطبق مفهوم حكم القانون، بحيث تطبق القوانين نسبياً وتعسفياً ويعفي المسؤولين من تطبيق القوانين.
    • الحكم الذي يتميز بوجود أولويات تتعارض مع التنمية، وتدفع نحو هدر في الأموال والموارد المتاحة وسوء استخدامها.
    • الحكم الذي لديه عدد كبير من المعوقات القانونية والإجرائية أمام الاستثمار الإنتاجي بما يدفع نحو أنشطة الربح الريعي والمضاربات.
    • الحكم الذي يتميز بوجود قاعدة ضيقة أو مغلقة وغير شفافة للمعلومات، ولعمليات صنع القرار بشكل عام، وعمليات وضع السياسات بشكل خاص.
    • الحكم الذي يتميز بوجود الفساد، وانتشار آلياته وثقافته بما في ذلك القيم التي تتماشى مع الفساد.
    • الحكم الذي يتميز باهتزاز شرعية الحكم وضعف ثقة المواطنين به، مما قد يدفع إلى انتشار القمع ومصادرة الحريات وانتهاك حقوق الإنسان وسيادة التسلط.

في هذا السياق يرى الباحثان في علم الاجتماع السياسي “مونيك شوميلييه جوندرو” (Monique Chemillier-Gendreau) و”كلود كورفوازييه” (Claude Courvoisier) أن مختلف العناصر المكونة لظاهرة السلطوية هي عكس عناصر الديمقراطية الليبرالية، وعليه نجد[xxxiv]:

    • تشابك في السلطات، فالحرية التي يضمنها مبدأ الفصل بين السلطات تتركز فيها السلطات بين يدي رجل واحد أو مجموعة صغيرة من الأفراد.
    • تقليص أو إلغاء حرية التعبير وحرية الصحافة، حيث تحتكر الأقلية الحاكمة الإعلام.
    • منع بعض الأحزاب السياسية أو تقليصها لحزب واحد: أي غياب حرية التنافس على السلطة.
    • عدم استخدام الاقتراع العام إما بإلغاء الانتخابات التي قد تؤدي إلى تمثيل الشعب أو بالتحكم بهذه الانتخابات بفعل الإكراه أو التهديد اللذين تمارسهما السلطة الحاكمة على الشعب.
    • تقليص أو إلغاء الحريات الفردية بكاملها من حرية التنقل وحرية التجمع وحق الإضراب.

يمكن القول كذلك أن كل حكم ظهرت فيه هذه السمات أو جزء منها على الاقل فهو حكم سيء وفاسد (Bad governance) وهو بذلك حكم مناقض للحكم الصالح الرشيد، والملاحظ أنه منتشر بكثرة خاصة في البلدان النامية عموماً والعربية خصوصاً والتي عادة ما تتميز أنظمتها الحاكمة بالخصائص التالية[xxxv]:

    • عدم تطبيق مبدأ سيادة القانون.
    • عدم الفصل الواضح والتصريح بين المال العام والمال الخاص وبين المصلحة العامة والخاصة.
    • الحكم الذي لديه عدد كبير من المعوقات القانونية والإجرائية أمام الاستثمار الإنتاجي بما يدفع نحو أنشطة الربح الريعي والمضاربات.
    • الحكم الذي يتميز بوجود قاعدة ضيقة أو مغلقة وغير شفافة للمعلومات، ولعمليات صنع القرار بشكل عام، وعمليات وضع السياسات العامة بشكل خاص.
    • الحكم الذي يقوم على تجنب المبادرات الفعالة الموجهة لإيجاد سبل التطوير.
    • الحكم الذي يستشري فيه الفساد بكل مظاهره وانتشار آلياته وثقافته وقيمه.
    • الحكم الذي يتعارض من حيث أولوياته مع التنمية؛ ويدفع إلى الهدر في الموارد المتاحة وسوء استخدامها.
    • الحكم الذي يتميز باهتزازات شرعية الحكم وضعف ثقة المواطنين به، ممّا قد يدفع إلى انتشار القمع ومصادرة الحريات وانتهاك حقوق الإنسان وسيادة التسلط.

ثالثاً-كيف يستدام الاستبداد السياسي ويتجدد في المنطقة العربية؟

تحلل النظرية القانونية الدستورية التسلط بمصطلحات شكلية كما أنها ترد في أغلب الأحيان نشأة التسلطات إلى الأزمات المؤسسية[xxxvi]، كما يرى “موريس دوفرجيه” (Maurice Duverger) في نفس السياق أن الظاهرة تنشأ مع حدوث الأزمات البنيانية، فعندما تتطور عناصر التركيب الاقتصادي والاجتماعي التي يتكون منها المجتمع بصورة مضطربة وغير متوازنة، وفي نفس الوقت إن لم يصاحب النظام السياسي التغيرات التي تطرأ على النظام الاقتصادي والاجتماعي، فإن تراكم التباينات الناتجة عن هذا الوضع تصعب السيطرة عليها، مما يدفع النظام السياسي للتغيير كضرورة لينسجم مع تلك التحولات؛ ما يخلق ظروفاً ملائمة لظهور حكم التسلط، غير أن النظم الاستبدادية لن تقوم في حالة قيام النظام السياسي بإصلاح نفسه فيعيد بذلك الانسجام بين عناصر المجتمع المختلفة؛ لتجد الأزمات البنيانية حلولاً لنفسها دون اللجوء إلى التسلط ما لم تكن هذه الأزمات مصحوبة بأزمة في مشروعية الحكم[xxxvii].

لا شك أن الاقتراب القانوني بقي قاصراً في فهم وتفسير الظاهرة، خصوصاً في الفضاء العربي، ويمكن القول بأن هزيمة الاستبداد تبدأ من خلال فهمه وتفسيره بيد أن هذا التفسير يختلف من علاقة الفرد بالجماعة إلى شخصية الفرد المستبد والشخص الخاضع له، إلى تفاسير تبحث في بنية المجتمع كون الاستبداد ظاهرة معقدة ومركبة، ولعل من أهم أسباب استدامة السلطوية:

أ-أخلاقية الحكم وضرورة الطاعة:

في أدبيات الفكر السياسي نجد إشارات واضحة لكون شرعية الدولة تقوم على السلطة وشرعية السلطة هي قيامها لمصلحة المسود، فسلطة السيد على العبد هي لمصلحة العبد وسلطة الوالد على الأسرة غايتها مصلحة الخاضعين لها أو أنها مصلحة مشتركة[xxxviii]، كما نجد أن كلمة المستبد في أصلها اليوناني بدأت من الحقل الأسري ثم خرجت من هذا النطاق إلى عالم السياسية لكي تطلق على نمط من أنماط الحكم الملكي المطلق الذي تكون فيه سلطة الملك على رعاياه ممثلة لسلطة الأب على أبنائه أو السيد على عبيده، هذا الخلط بين وظيفة الأب في الأسرة التي هي مفهوم “أخلاقي”، ووظيفة الملك الذي هو مركز “سياسي” يؤدي في الحال إلى الاستبداد، وهو من مسوغات الاستبداد في الشرق حيث الحاكم أب للجميع أو هو كبير العائلة، وهذا يعني في الحال أن من حقه أن يحكم حكماً استبدادياً، لأن الأب لا يجوز أخلاقياً معارضته ولا الاعتراض على أمره، فقراره مطاع واحترامه واجب مفروض على الجميع…، فينقل هذا التصور الأخلاقي إلى مجال السياسة ويتحول إلى كبت للمعارضة أياً كان نوعها!! وتصبح الانتقادات التي يمكن أن توجه إليه عيباً، فنحن ننتقل من الأخلاق إلى السياسة، ونعود مرة أخرى من السياسة إلى الأخلاق وذلك كله محاولة لتبرير الحكم الاستبدادي”[xxxix].

ينطلق العديد من فلاسفة السياسية من الجزء وصولاً إلى الكل فتتشكل بذلك الدولة عندهم انطلاقاً من “نظرية التطور العائلي” “فأفلاطون” (Platon) (427-347 ق.م) و”أرسطو” (Aristote) (384-322 ق.م) نظراً للحاكم أو لرجل الدولة كرب الأسرة يدير شؤونها لخير أفرادها جميعاً، وأما “جون بودان” (Jean Bodin) (1530-1596) فرأى أن الدولة هي اتحاد عائلات يخضع أفرادها لسلطة حاكم واحد، وفي السياق ذاته رأى “دوجي” (Léon Duguit) (1859-1928) أن سلطة رب العائلة لدى أغلب الشعوب الآرية والسامية كانت هي النواة الأولى لسلطة الحاكم في الدولة[xl]، وفي هذا الباب يرى “إمام عبد الفتاح إمام” في كتابه “الطاغية” أن “الحاكم الذي يبرر حكمه “بأبوته للمواطنين” يعاملهم كما يعامل الأب أطفاله على أنهم قصر غير بالغين أو قادرين على أن يحكموا أنفسهم ومن هنا كان من حقه توجيههم بل عقابهم إذا انحرفوا لأنهم لا يعرفون مصلحتهم الحقيقية”[xli]، وهو نفسه ما صادفناه في تجربة الدولة الرومانية والفلسفة الرواقية، إذ أشار “أرنست رينان” (Ernest Renan) (1823-1892) أن المبدأ الذي يذهب إلى أن على الدولة إزاء أفرادها واجبات كواجبات الآباء قبل أبنائهم؛ هو مبدأ أُعلِن عنه لأول مرة في عهد الإمبراطور والفيلسوف الرواقي “ماركوس أوريليوس” (Marc Aurèle) (121-180ق.م)[xlii].

كما ترى مدرسة علم النفس السلوكي أنه كلما أظهر الأتباع المزيد من الخضوع عزَّز ذلك مشاعر السيطرة عند القادة ويمكن فهم ظاهرة الاستبداد بتفسير وتحليل سلوك وشخصية طرفي الظاهرة ذاتها؛ أي المُسْتَبِد والمٌسْتَبَدُ به، فتفسير العلاقة الموجودة بينهما تكمن في فهم نزعتي السيطرة والخضوع، إن دافع المستبد هو السيطرة على الآخر وجعله عاجزاً خاضعاً لإرادته؛ فقدرته على السيطرة مستمدة من احتمال وصبر الطرف الآخر بدل المواجهة، فالعبودية تجد طريقها إلى الناس من مدخلين هما الإكراه أو الخداع، وبالنظر للمستبد به فإنه يعبر عن نزعة الخضوع لشخصية أقوى منه تحرره من خوفه فهو بذلك يعبر عن “خوف من الذات؛ إنه لا يستطيع تحمل ذاته الفردية المستقلة عن ذوات الآخرين لهذا فهو يبحث عن ذات أخرى أقوى منه، ينضوي تحتها ويخضع لها ، ذات تمنحه الأمان، فهو يحتاج إلى المسيطر مادام شعوره بالقوة كامناً في أنه خاضع لشخص ما ويشعر من خلالها بالقوة، فالخاضع لا يجنح لامتلاك القوة بل ينتهي إلى الخضوع وهو قد لا يعي هذه التبعية على الإطلاق”[xliii]، ويُصَدِّقُ ذلك “جون لوك” (John Locke) (1632-1704) ويضيف إلى الخضوع الطمع والطموح الأعمى، ويؤكد أن التمسك الخاص بالحرية دون خوف هو سبيل النجاة؛ فيقول في كتابه “الحكومة المدنية” “Civil government” [xliv]:

“الحاكم لا يمكن أن يغتصب سلطة غير مشروعة دون أن يميز أولئك الذين يجب أن يشتركوا معه فيها، ثم إن الأفراد لا يسمحون بأن يقع عليهم جور أو ظلم إلا إذا كانوا مدفوعين بطموح أعمى وباتجاه أبصارهم إلى أسفل أكثر منه إلى أعلى، إنهم يحبون السلطة أكثر مما يحبون الاستقلال وبخضوعهم للعبودية قد يتجهون بالتالي إلى استعباد الآخرين… ليس بوسع أي سياسي مهما تكن مهارته استعباد أناس تنحصر رغبتهم الوحيدة في التمتع باستقلالهم. أما عدم المساواة فتجد طريقها بسهولة بين العقول الطموحة أو الخائفة، التي تقف دائماً على استعداد للمغامرة في سبيل تحقيق أغراضها ويستوي لديها أن تكون آمرة أو خاضعة مستعبدة”. لما كان الأمر كذلك فإن هزيمة المستبِد لا تستدعي أن ينهض المستبَد بهم لمحاربته كي يهزموه بل يكفيهم الامتناع عن عطائه، فالخلاص مرهون بالكف عن خدمة الطاغية.

هنا نجد أن قبول المجتمع العربي المعاصر بحكام مستبدين إنما يقف وراءه منظومة تربوية متكاملة تبدأ من الأسرة لتمتد في شبكة العلاقات السياسية، وفي هذا النمط من العلاقة هناك عامل مشترك واحد يجمع بين ثلاثة مستويات هي الأب على مستوى الأسرة والقائد الأعلى على مستوى الوطن والإله؛ والعامل المشترك هو مفهوم “الطاعة” الذي ينتج الولاء والتبعية؛ وعندما يحدث الخلط بين هذه المستويات وتصير “الطاعة” هي القيمة الأولى في المجتمع تنتفي الإرادة وينحسر الاختيار الحر، هنا يرى “هشام شرابي” (1927-2005م) أن “التبعية” أو “الاستقلال الذاتي” هما نظامي قيم مما يشكل احتماليين ممكنا الحدوث حسب وجود ظروف مواتية لأحدها؛ فإما تبعية مرتكزة على الخضوع والطاعة وتنهض على “أخلاقية السلطة”؛ أو استقلال ذاتي قائم على “الاحترام المتبادل والعدالة” ويعتمد على الحرية.

الملاحظ أنه في التعبير عن الوضع العربي شعار العائلة العربية هو نفسه شعار التربية المدرسية وهو “على الولد أن يكون مطيعاً” وهو شعار المسؤول في العمل وعلى مستوى أكبر هو شعار أصحاب السلطة السياسية؛ فهو أحد أهم القيم السائدة في المجتمع العربي، ولا يختلف معظم الباحثين الاجتماعيين في كون “المنظومة التربوية” السائدة في المجتمعات العربية هي سبب رئيس من أسباب تأخر هذه المجتمعات، و”المنظومة التربوية” تعني هنا “نظام القيم الذي يخترق العلاقات الاجتماعية وينعكس في نظم التربية والتعليم وقواعد الضبط والسلوك الاجتماعي”10.

لعل نظرية “أخلاقية السلطة” “كثقافة مجتمعية” وما ينجم عنها من طاعة وخضوع للمستبد تجد سندها المستمر في الفكر السياسي ما يجعلها في نظرنا تفسيراً مقبولاً للاستبداد في بعض جوانبه على الأقل ما يعني أن التحرر من “أخلاقية الطاعة العمياء”* حين تتعدى مجالها وتصل لحد المبالغة من أهم مٌرَشّدَات الحكم و جوهرُ أي ثورة أو انتفاضة، ذلك أن “أخلاقية السلطة” تصل عند المبالغة إلى درجة انتفاء الأخلاق، وجوهر نفي أخلاقية سلطة الحاكم تعود في نظرنا لسببين اثنين؛ أولاهما الحق المقدس في الثورة على الحاكم إذا بغى؛ وثانياً البغيان إذ يفسر ببساطة بتجرد هذا الأخير من الأخلاقية الحقيقية للسياسة، وعليه فإن البديل الأمثل لهكذا نوع من الثقافة هو الثقافة الديمقراطية المبنية على قبول الآخر، حينها تكون الثورة أخلاقية وقائمة ضد فساد الأخلاق في شقها السياسي، وفي ذلك يقول “مالك بن نبي” (1905-1973) : “إن ثورة ما؛ لن تستطيع تغيير الإنسان إن لم تكن لها قاعدة أخلاقية قوية”[xlv].

ب-القمع كآلية لاستدامة الاستبداد والتسلط:

في الدولة الاستبدادية يسود التخلف والقمع والعلاقات الاضطهادية سواء في العلاقة بين السلطة والمجتمع، أو بين أفراد المجتمع ذاته، وتنتشر حالة من “التوتر الوجودي العام” بحسب تسمية “مصطفى حجازي” الذي يقول: “تميل العلاقات نتيجةً لذلك، إلى أن تتخذ طابعاً اضطهادياً، يجعل إمكانية انفجار العنف المتعصب كبيراً”، ويضيف: “والواقع إن العدوانية تنفجر لدرجة تبلغ حدّ الرغبة الهوامية في إبادة الخصم”[xlvi].

تستخدم النظم التسلطية “Authoritarian regimes” العنف كوسيلة لاستدامة سلطانها وتستغل في ذلك مختلف الوسائل القمعية الممكنة، والغرض هو تصفية المعارضين أو الحد من نشاطهم بتجريدهم من كل فاعلية ومن حرية العمل وهذا يفترض وجود شرطة سرية أو استخدام القمع القانوني أو القمع الجنائي بفعل تشابك السلطات ما يدفع القضاء لإبداء ليونة زائدة وخضوع، ما قد يسمح إلى جانب ذلك باللجوء للقضاء الخاص ما يجعلنا أمام “القمع السياسي الحقيقي الذي لا يعتمد قوانين محددة[xlvii]، وهو يسمح بتصفية المعارضة أو بلجمها عن طريق إلقاء القبض على المعارضين بأعداد كبيرة وبالتعذيب والسجن في مخيمات الاعتقال والإعدامات”، كما يمكن الحديث عن عنصر لا يقل أهمية عن العناصر السابقة وهو استخدام الآلة القمعية، فالنظرية الدستورية تقر بأن العناصر الأساسية لآلة القمع تتواجد أيضاً في النظم الديمقراطية، فكل دولة تستند إلى عناصر الإكراه فهو دون أدنى شك ما يعرف بالاحتكار الشرعي للعنف من استناد إلى شرطة وقضاء وجيش يعمل على تأمين رد الأخطار من الخارج وحفظ النظام الداخلي.

غير أن الاقتراب القانوني يوضح مدى التوافق بين سلطة الأكثرية وحق التعبير الممنوح للأقلية في النظم الديمقراطية، هذا التوافق والانسجام لا يسمح باستخدام آلة القمع على أساس قاعدة القانون المنظم للمجتمع والمحدد للقيود الموضوعة على الدولة في ممارستها للسلطة، وهو ما يوضح التضاد بين الديمقراطية والتسلط، أو ما يمكن تسميته في هذا الموضع وفقا للمقاربة القانونية بالتنافي بين “دولة الحق” و”الدولة البوليسية” أو “الدولة الأمنية” حيث يسود في حال التسلط وضع غير مقبول يكمن في أن “يحل تعسف فرد أو مجموعة صغيرة من الرجال محل القانون الذي يصير عاجزاً عن وضع الحدود، فتصبح ممارسة السلطة غير محدودة بل مطلقة[xlviii].

لعل أحد الأمثلة وضوحاً في استخدام العنف لاستدامة الاستبداد هو ما يتعلق بالحالة العربية المعاصرة حيث أن الدولة العربية التي تسببت في بعث “الإرهاب السياسي” بقمعها للمطالب الشرعية طويلاً تضعنا أمام مفارقة مفادها أنه في ظل التوتر وغياب الاستقرار تتذرع بضرورة استمرار نخبها ونظمها لمواجهة الإرهاب وباقي المخاطر المهددة لكيان الدولة، ولسان حالها يقول أن الخراب هو النتيجة الحتمية في حال وصول المعارضة إلى الحكم في ظل مجتمع غير ناضج وغير مستعد، هذه المرة إذا ما تمت تجاوزات من طرف أجهزة الدولة فإنها داخلياً ستؤدي إلى استمرار سلطان الخوف من النظام المستبد مما يطيل عمره[xlix]، وأما خارجياً وبدعوى محاربة الإرهاب فإن الضغوط الدولية ستتغير نسبياً.

النتيجة هي أن “العنف السياسي” وسيلة نجحت الدولة العربية ليس في استخدامها وإدارتها فقط بل في استثمارها لاستدامة الاستبداد رغم خطورتها الشديدة لفتحها المجال واسعاً أمام دوامة لا تكون الدولة بريئة فيها من ممارسة الإرهاب فقد يمارسه النظام بدوره ضد بعض الجماعات والعناصر المناوئة في الداخل بقصد تحجيم دورها وتقليص معارضتها من خلال ما يعرف بـ”إرهاب الدولة” أو “الإرهاب الرسمي” أو “الإرهاب المؤسسي”، وعلى هذا الأساس يكون الإرهاب أحد أساليب “الصراع السياسي” بين النظام الحاكم والقوى المعارضة له[l].

حسب الباحث في مؤسسة “راند” الأميركية “غراهام فولر” “Graham Fuller”  فإن بعض القيادات العربية تستفيد من هذه الاستراتيجية فيقول “في الجزائر ومصر وجدت السلطة أن من الأفضل لها دفع الإسلاميين إلى العنف من أجل تبرير سحقهم تحت شعار محاربة الإرهاب”، وبحكم أن الدولة بطبيعتها تحتكر حق الاستخدام الشرعي للقوة كما يقول “ماكس فيبر” فإن درجة من العنف ترتبط بوجود الدولة واستمرارها وقيامها بوظائفها، وهنا يثار التساؤل حول طبيعة وحدود العنف الذي يقوم به النظام وذلك في إطار أداء الدولة لوظائفها، وبالذات تلك المتعلقة بحفظ الأمن العام والنظام من جانب، والعنف الذي يعتبر نوعاً من التعسف في استخدام السلطة من جانب آخر، والعنف اللازم استخدامه في مواجهة “الإرهاب السياسي” الذي تتعرض له مؤسسات الدولة والشعب[li]؟

ج-الفساد كآلية لاستدامة الاستبداد:

الفساد (Corruption) هو “إساءة استخدام الصلاحية أو المنصب أو السلطة العامة لتحقيق منفعة شخصية من خلال الرشوة أو الابتزاز أو إساءة استخدام النفوذ أو محاباة الأقارب أو الاحتيال أو الثراء السريع أو الاختلاس”، والفساد كظاهرة لا تخلو منه حتى نظم الحكم الديمقراطية لكنها تعتبر ظاهرة استثنائية لا أصيلة في هذه النظم، فهي تواجه كلما ظهرت عن طريق خلق المؤسسات الكفيلة بالحد منها لكن غياب هذه المؤسسات في النظم التسلطية تطرح إشكالية استدامة الفساد[lii] الذي يشجع على ظهور بيئة مضادة للديمقراطية تتسم بالشك وعدم القدرة على التنبؤ بالتطورات المستقبلية وانحطاط القيم الأخلاقية وعدم احترام المؤسسات الدستورية والسلطة ومن ثم يعكس الفساد وجود قصور في الديمقراطية وإدارة الحكم مما يؤثر سلبًا على الأمن الإنساني ويزيد من ظاهرة الفقر المنعكسة سلباً على المشاركة السياسية.

مما لا شك فيه أن الفساد ينتج عن غياب قيم الشفافية والنزاهة والمساءلة وسيادة القانون وهي قيم ترتبط ارتباطاً وثيقاً بطبيعة النظم الاستبدادية، ومرد غيابها عائد للمخرجات المباشرة للاستبداد السياسي الذي يؤثر سلباً على الاقتصاد والثقافة؛ ما يجعل الفسـاد يترعرع في بيروقراطيـة التنظيم الإداري وما تتسم به مـن رذائـل التسـلط والـتحكم والاستعلاء، فالبيروقراطية بصورتها السلبية تنشأ في الذهنية أحياناً قبل أن تظهر في القوانين واللوائح، ويمكن القول أن غياب المساءلة والشفافية والنزاهة كنتيجة أساسية للإدارة الضعيفة للحكم بالإضافة إلى الاحتكار وحرية التصرف –وهي من سمات الحكم الاستبدادي-يؤدي حتماً إلى الفساد، ومن ثم فهو وفي المقام الأول وليد الوضع السياسي القائم المتسم بالتسلط، وبتعبير آخر ينشأ الفساد عندما يكون لدى المسؤولين الحكوميين سلطة واسعة وقدر ضئيل من المساءلة، وحوافز غير مستحقة؛ أو عندما تتم مساءلتهم في إطار أشكال غير رسمية من النظم بدلاً من الأشكال الرسمية، وعليه فان السمات النموذجية لنظام مائل إلى الفساد هي[liii]:

    • تركيز السلطات في أيدي السلطة التنفيذية وضعف أو عدم وجود قيود وضوابط؛
    • ضعف الشفافية المحيطة بالقرارات التنفيذية وتقييد حرية الوصول إلى المعلومات مع صنع القرارات بناء على سلطة تقديرية؛
    • ضعف نظم المراقبة والتنفيذ بالإضافة إلى ضعف نظم الرقابة الاجتماعية والتسامح بشكل كبير مع الأنشطة الفاسدة.

بيد أن العلاقة المباشرة بين الفساد والاستبداد تتمثل في أن الفساد عندما يترسّخ فإنه يعمل على حماية نفسه وذلك بإبقاء كل الهياكل التي أنتجته على حالها، فيدعم استدامة الاستبداد الذي تشكل في ظله فيستفيد هذا الأخير من حليف جديد، فلا تغيير في القوانين ولا تعديل في اللوائح ولا تطوير في السياسات، لذلك نجد أن المسؤولين الحكوميين غير مبالين بالتغيير وذلك ضماناً لاستمرار المناخ الذي يضمن لهم المزيد من الربح واستغلال النفوذ وهو ما يوصف بانتشار نمط “ثقافة الفساد”[liv] الضامنة لاستمرار الاستبداد والضامن بدوره لها فالعلاقة بين الاستبداد والفساد هي علاقة جدلية يُنشئ أحدهما الآخر ثم يحميان بعضهما البعض.

في الحالة العربية أصدرت “منظمة الشفافية الدولية” مؤشرها لمدركات الفساد للعام 2019 والذي يقدم معطيات تبعث على القلق حول المنطقة فالظاهر ان بلدانها تعرف قصوراً جلياً من ناحية التصرف بالثروة العامة ، فبديهي أن يكون تجسيد العدالة الاجتماعية متزامناً وتحقيق الحريات الديمقراطية، والتي تشكل بدورها الجانب الاقتصادي للديمقراطية لما تحتويه من إنصاف في تقسيـم هذه الثروات وعائدات النمو، وهذا عكس ما نلاحظه في الدولة التسلطية والتي تملك ميزة انعدام العدل والمساواة أثناء التوزيع، إذ تقوم باستبعاد القوى الاجتماعية من عملية التوزيع للثروات وبالتالي الفئات المحرومة في المجتمع السياسي هي كذلك محرومة اقتصادياً، ومع توسع دائرة الحرمان والفقر داخل مجتمعات المنطقة تتلاشى المساواة والعدالة الاجتماعية ما يقوض فرص بناء المجتمع القوي الذي بوسعه مقارعة السلطوية فيدوم الاستبداد أكثر في ظل نظمه الفاسدة المهمشة لمجتمعاتها.

بالتدقيق في الحالة العربية نجد أن النخب الحاكمة وما يعود عليها من المال العام وما يتمتع به أفرادها من مصالح ضخمة في ظل العلاقة بين السلطة والثروة أي المنفعة التي تمنحها السلطة وتقترن بالاقتصاد؛ فإنها غير مستعدة للتخلي عن امتيازاتها أو التخفيض منها على الأقل وهو سبب رئيس لإعاقة البناء الديمقراطي واستدامة السلطوية، كما يلتحق بهذه النخب فئة أخرى تتشكل من كبار الموظفين والممارسين لأعمال السمسرة ما يشكل طبقة متحالفة تجمعها المصالح الشخصية المشتركة، وفي هذه الحال وبدل الفقر والحرمان سيوظف المال والثروة كأداة لكسب وشراء الولاء[lv]، وهو ما يمكن ملاحظته كذلك في توظيف المال الفاسد في الحياة السياسية وتصدر القوائم الانتخابية وباقي مظاهر الزبائنية السياسية (Political Clientelism) بوصفها نظام سياسي واجتماعي قائم على المحسوبية يسمح للزبائن والرعاة من الاستفادة من الدعم المشترك كونهم يوازون بعضهم البعض على أصعدة سياسية واجتماعية وإدارية مختلفة[lvi]، وإزاء هذا المنطق والواقع لم يكن من الغريب أن يكون ترتيب أقطار المنطقة وفق مؤشرات الشفافية والحكم الجيد ضعيفاً جداً.

الخاتمة

     إن المساهمة في إدارة الحكم من خلال تسيير الشؤون العامة حق مشترك بين جميع المواطنين، ولا بد أن يقوم وفق أسس من المساواة والعدالة، فلا يجوز الاستبداد به واحتكاره من قبل البعض دون البقية، وعليه فإن الاستبداد السياسي ظاهرة مرضية تصاب بها نظم الحكم، ولم تسلم العديد من النظم السياسية من هذه الظاهرة السلبية التي أصيبت بها ، لكن تبقى ميزة الظاهرة الاستبدادية المعاصرة في استدامتها وصعوبة تفكيكها، إضافة الى ممانعة قيام نسق صالح للحكم ممكّن من التعبير السليم والسلمي عن حقوق واحتياجات جميع أفراد المجتمع ،وممكّن من تحقيق التنمية الإنسانية الشاملة، فهذا الأخير لن يقوم إلا بتفكيك نظم الاستبداد وتبديلها بأخرى منفتحة.

لقد تسببت هذه الظاهرة التي سادت في المنطقة العربية مبكراً في انهيار الفرد العربي والفشل في الحفاظ على جودة الحياة وتحقيق التنمية والازدهار المرجو من نظم الحكم، فمن خلال التأمل في أسباب استدامة الظاهرة وتجددها نجد أن مسار الدولة العربية المعاصرة بكل مراحلها من النشأة والتشييد إلى الوقت الراهن يشترك في ظاهرة التسلطية كما لا يمكن إنكار جهود النخب الحاكمة لاستمرارها في الاستبداد بالحكم، وتتمثل هذه الآليات والعوامل فيما يلي:

− ثقافة عربية ترتبط بروافد التسلط والأبوية، فلا مجال إلى تحول ديمقراطي إلا إذا كان هناك يقين لدى قطاع واسع من المواطنين أن الديمقراطية هي أفضل نظام حكم وضعي متاح.

−إشكالية الفساد وما يترتب عنها من سوء إدارة الثروة وما يتبعه من الفقر وانتشار الجهل بنسب مسببة للعجز في بنية العقل العربي، فجدلية العلاقة بين الفقر والجهل مثبتة إذ عادة ما ترتبط بالتهميش والضعف ومنه العزوف عن المشاركة السياسية؛استشراء ظاهرة العنف السياسي بمختلف مظاهرها، إذ تراكمت الظواهر السلبية ونتائجها في ظل النظم العربية التي تتحمل مسؤولية إيصال شعوبها إلى هذه المستويات من الانحطاط والتي لم تنجح في تحقيق التقدم خلال العقود السابقة بما يدفع للتفكير أنه ينعدم أي أمل في تحقيق الإصلاح في إطارها وبوجودها، لم يعد هناك بديل من الاعتراف بأن أي إصلاح مهما كان ضعيفاً وجزئياً أصبح يستدعي كشرط ومقدمة له تغييراً في طبيعة الحكم وأساليبه وقواعده وغاياته ورجالاته أيضاً، أي يستدعي التحول من نمط الحكم القائم على الوصاية أو القيادة الطليعية أو الأبوية إلى نمط جديد من الحكم يستند إلى تفويض مباشر وعن طريق انتخابات حرة ونزيهة وديمقراطية من قبل الشعب والخاضع لمراقبة ممثليه ونوابه، غير أن الدولة العربية التسلطية منعت كل فرص التحول الديمقراطي السلمي ما دفعت تحت طائلة الضغط  إلى اللجوء لقنوات أخرى للتعبير أخطرها العنف والعنف المضاد.

([i] صدر الدين القبانجي، علم السياسية تجديد من وجهة نظر إسلامية، بيروت: الشركة العالمية للكتاب،1997، ص31.

([ii] عبد الرحمن الكواكبي، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، ط3، بيروت: دار النفائس ،2006، ص7.

([iii] سورة النازعات، الآية: ﴿17.

[iv]) سورة المائدة، الآية: ﴿45.

[v]) سورة آل عمران، الآية: ﴿159.

[vi]) سورة الشورى، الآية: ﴿38.

[vii]) محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، ج1، بيروت: دار لسان العرب، 1988، ص 81.

[viii]) محمد بن يعقوب الفيروز آبادي، القاموس المحيط، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1998، ص436.

[ix]) إمام عبد الفتاح إمام، الطاغية؛ دراسة فلسفية لصور من الاستبداد السياسي، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1994، ص 90.

[x]) جميل صليبا، المعجم الفلسفي، ج1، بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1982، ص 489.

[xi]) معن زيادة (محررا)، الموسوعة الفلسفية العربية، ج1، بيروت: معهد الإنماء العربي، 1988، ص53-54.

[xii]) عبد الوهاب الكيالي (وآخرون)، موسوعة السياسة، ج1، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،1995، ص166.

[xiii]) محمد جمال طحان، الاستبداد وبدائله في فكر الكواكبي، دمشق: اتحاد الكتاب العرب ،1992، ص22.

[xiv]) خلدون حسن النقيب، الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر؛ دراسة بنائية مقارنة، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1999، ص21.

[xv]) عبد الله حنا، أعلام العقلانية والتنوير ومجابهة الاستبداد، حلب: نون للنشر والطباعة ،2010، ص13.

[xvi]) علي شريعتي، دين ضد الدين، (ترجمة: حيدر مجيد)، العراق: دار الفكر الجديد، 2007، ص122.

([xvii] فاضل الأنصاري، قصة الاستبداد أنظمة الغلبة في تاريخ المنطقة العربية، دمشق: وزارة الثقافة، 2004، ص12.

[xviii] (Charles Ingrao, “The Problem of ‘Enlightened Absolutism and the German States,” Journal of Modern History , USA: University of Chicago Press, Vol 58,Dec 1986, p.161.

[xix] ( عبد الوهاب الكيالي (وآخرون)، مرجع سبق ذكره، ص 167.

[xx]) انظر: عبد الله علي العليان، مقاربة نقدية لمقولة المستبد العادل في التراث السياسي العربي الاسلامي، في كتاب: علي خليفة الكواري (محرراً)، الاستبداد في نظم الحكم العربية المعاصرة، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2005، ص331 وما بعدها.

[xxi]) G Hermet, L’autoritarisme, dans : M  Grawitz et J Leca, Traité de science politique, Paris : Presses universitaires de France, t2,1985 , p.269.

[xxii] ) خلدون حسن النقيب، مرجع سبق ذكره، ص 24.

[xxiii]) فيليب برو، علم الاجتماع السياسي، ط2، (ترجمة: محمد عرب صاصيلا)، بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2006، ص 184.

[xxiv]) محمد الغزالي، الإسلام والاستبداد السياسي، الجزائر: دار ريحانة، 1999، ص 07 وما بعدها.

[xxv]) مونيك شوميلييه جوندرو، كلود كورفوازييه، مدخل الى علم الاجتماع السياسي، ط2، (ترجمة: إسماعيل الغزال)، بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2005، ص 68.

[xxvi] (Bertrand Badie, Jacques Jerstlé, “A comparative politics of movement regimes”, in Roy C Marcidis ,Bernard, E Brown, Competitive politics, Third edition the darsey press, 1986, p.189.

[xxvii] (Franz. L.Neumann, Notes theory of dictatorship, in Roy-C Marcidis .Bernard. E Brown. , Op.cit., pp.182-183.

[xxviii]) Bertrand Badie, Le développement politique,Paris : Economica, 3ed ,1984, pp.51-52.

[xxix] (Mattie Dogan, Dominique Pelassy, Sociologie politique comparative , Economica, 1982, p.177.

[xxx]( Bertrand Badie,Jacques Jerstlé, Lexique Sociologie politique, PUF, 1979, P.116.

[xxxi]) فيليب برو، مرجع سبق ذكره، ص ص191−192.

[xxxii]) AL-Jeba’i, Jad AL karim, dans le livre de: Violette Daguerre, (et autres) ,L’opinion …et le sabre : les mécanismes de confiscation de l’etat et renforcement du pouvoir : Démocratie et Droits Humains en Syrie, (Traduit par: Ahmed Manai, Hakim Arabdiou), Paris: Ed Eurabe, 2001, p.51 .

[xxxiii]) حسن كريم، مفهوم الحكم الصالح ومعاييره، في كتاب: إسماعيل الشطي، (وآخرون)، الفساد والحكم الصالح في البلاد العربية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2004، ص101.

[xxxiv]) مونيك شوميلييه جوندرو، كلود كورفوازييه، نفس المرجع، ص ص 68-69.

[xxxv]) إسماعيل الشطي، الفساد والحكم الصالح في البلاد العربية، المستقبل العربي، بيروت، العدد 309، نوفمبر 2004، ص242.

[xxxvi]) مونيك شوميلييه جوندرو، كلود كورفوازييه، نفس المرجع، ص68.

[xxxvii] ( موريس ديفرجيه، في الدكتاتورية، (ترجمة: هشام متولي)، بيروت: منشورات عويدات، 1977، ص59.

[xxxviii]) مولود زايد الطبيب، علم الاجتماع السياسي، ليبيا: منشورات جامعة السابع من أفريل،2007، ص75.

[xxxix]) إمام عبد الفتاح إمام، مرجع سبق ذكره، ص ص 52-53.

[xl]) فضل الله محمد إسماعيل، الأصول اليونانية للفكر السياسي الغربي الحديث، الإسكندرية: دار الجامعيين للطباعة والتجليد، 2001، ص16.

[xli]) إمام عبد الفتاح إمام، مرجع سبق ذكره، ص 53.

[xlii]) فضل الله محمد إسماعيل، منال أبو زيد، في فلسفة السياسية، الإسكندرية: أورينتال، د.ت.ن، ص343.

([xliii] انظر: إمام عبد الفتاح إمام، مرجع سبق ذكره، ص ص 335−339.

[xliv]) جون لوك، الحكومة المدنية وصلتها بنظرية العقد الاجتماعي لجان جاك روسو، (ترجمة: محمود شوقي الكيال)، الجمهورية العربية المتحدة: مطابع شركة الإعلانات الشرقية، د ت ن، ص ص 146-147.

* للتوسع في مسألة الطاعة والتسلط انظر:

Jan Baars, Scheepers pairs, “Theoretical and methodological foundations of the authoritarian personality”, Journal of the History of the Behavioral Sciences, York University, Vol 29, Issue 4, Octobre 1993, pp.345-353.

[xlv]) مالك بن نبي، بين الرشاد والتيه، دمشق: دار الفكر، 1978، ص25.

[xlvi]) مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي؛ سيكولوجية الإنسان المقهور، بيروت: معهد الإنماء العربي ،1986، ص185.

[xlvii] (Daniel Jonah Goldhagen. Worse Than War: Genocide, Eliminationism, and the Ongoing Assault on Humanity. Canada: Public Affairs, 2009, p.53.

[xlviii]) مونيك شوميلييه جوندرو، كلود كورفوازييه، نفس المرجع، ص ص 70-71.

[xlix]) سفيان فوكة، أزمة الديمقراطية في العالم العربي: بحث في اسباب الاستدامة، المجلة الجزائرية للأمن والتنمية، الجزائر، عدد 08، جانفي 2016، ص ص 196-197.

[l]) عصام صادق رمضان، الأبعاد القانونية للإرهاب الدولي، السياسة الدولية، القاهرة، العدد85، تموزيوليو1986، ص8.

[li]) سفيان فوكة، اشراك حركات الإسلام السياسي في عمليات دمقرطة العالم العربي؛ بين متطلبات الداخل وضغوط الخارج، مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية، الجزائر، المجلد 21، العدد 01، جوان 2020، ص 627.

([lii] سليمان عبد المنعم، ظاهرة الفساد، دراسة في مدى مواءمة التشريعات العربية لأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، برنامج إدارة الحكم في الدول العربية، 2003-2004، ص 03.

([liii] برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، مذكرة البرنامج الإنمائي التطبيقية حول مكافحة الفساد، مارس2004، ص03.

([liv] المرسي السيد حجازي، التكاليف الاجتماعية للفساد، المستقبل العربي، بيروت، العدد 266، 2001، ص29.

([lv] علي خليفة الكواري، الخليج العربي والديمقراطية؛ نحو رؤية مستقبلية لتعزيز المساعي الديمقراطية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2002، ص97. 

[lvi]) Roniger, L, Political Clientelism, Democracy, and Market Economy. Comparative Politics, n36(3) , April 2004,pp 353-354.

اترك تعليقاً