الاستبداد الدائم في العالم العربي: بين القابلية للثورة والقابلية للاستدامة

د.عـــبد الــحق دحمــــان

مسؤول الوحدة السياسية – مركز المجدد للبحوث والدراسات

تحميل المقال PDF

مقدمة

      أوجدت التحولات السياسية العربية تحدياً للعلوم الاجتماعية بأدواتها ومناهجها وتفرعاتها، خاصة علم الأنثروبولوجيا، وعلم اجتماع الثورة، التي درست المجتمعات العربية، وخلصت إلى أنها مجتمعات تقليدية ولها مناعة من الثورات، بالتالي فهي بعيدة عن أي احتمال للتغيير. وطرح في هذا المقام العديد من الأسئلة حول الاستعصاء الديمقراطي من قبيل؛ لماذا انتقل الآخرون إلى الديمقراطية، وتأخر العرب[i]. إلى أن جاء الانفجار الكبير[ii]، والذي أثبت حجة لإدوارد سعيد عندما حاجج بأنه لا توجد حضارة أو ثقافة بدون ميكانيزمات الإصلاح الداخلي التي يمكن أن توفر للناس خيارات بديلة عن الواقع السلطوي. هذا ما دفع غريغوري غوز الثالث في دراسته إلى طرح سؤال :  “لماذا أغفلت دراسات الشرق الأوسط الربيع العربي؟”[iii]

كانت حالة الركود الاستبدادي الطويل الذي عاشته المنطقة العربية منذ فترة طويلة، بحاجة إلى شرارة أو صدمة تقتضيها الحاجة، لإيقاظ الشعوب العربية من حالة السبات العميق والارتهان إلى الوضع القائم، فكانت اللحظة التي قام فيها البائع المتجول محمد البوعزيزي في شوارع سيدي بوزيد بإحراق جسده بقارورة بنزين، ليس بسبب مصادرة عربته فحسب وإنما الصفعة التي تلقاها على يد شرطية، فلكونه رجلاً شرقياً، فإن الأنفة تشكل خطاً أحمراً بالنسبة له، فارتضى لنفسه الموت على الحياة. وبوفاته يوم 4 كانون الثاني 2011 دشن موجة من المظاهرات الثورية بدأت بتونس رافعة الشعارات المطالبة بالعدالة والمساواة الاجتماعية، وتوسعت أفقياً (تطورت الشعارات بشكل راديكالي ومفاجئ إلى أن وصلت إلى المطالبة بإسقاط النظام) وعمودياً (شملت أغلب الدول العربية)، لتبين أنه ليس هناك ضمير جمعي عربي وحسب، وإنما هناك مشترك سائد بين العالم العربي؛ وهو الاستبداد، فمقتضى ذلك أن الموجة لابد أن تكون عابرة للحدود الوطنية. لتدحض بذلك الحجة التي رفعتها الأنظمة في تلك اللحظة، مفادها أن مصر ليست تونس، وأن ليبيا ليست مصر أو تونس، وأن سوريا ليست اليمن أو مصر أو تونس وهكذا، فلم تستثني الموجة أي من هذه الأنظمة؛ لتبين الافتراء الزائف بشأن خصوصية كل نظام؛ بأن أسقطت أربعة أنظمة، مع تهديدها لمستقبل أنظمة أخرى لا زالت مسيطرة على مقاليد الحكم.   إلا أنه وبعد عشر سنوات عما سمّي بـ ” الربيع العربي”، يبدو أن المنطقة العربية لا زالت تراوح مكانها، من حيث أن نفس الممارسات ونفس الثقافة السياسية لا زالت سائدة إلى يومنا، مما يقتضي فتح النقاش بشأنها والبحث عن الأسباب التي حالت دون التغيير المنشود.    وعليه ينطلق البحث من فرضية مفادها أن القابلية لاستدامة السلطوية كان نتيجة للحالة الثورية غير المكتملة. وبالتالي فإن استراتيجية تفكيك الاستبداد تقتضي مأسسة الثورة كمرحلة ثانية، هذه الأخيرة تعتبر بمثابة الحلقة المفقودة في عملية التغيير الثوري التي لابد منها.

أولا: ” القابلية للثورة” كمقاربة للتفكيك

مثلما تطورت الثورات على مر التاريخ تطورت أيضا المفاهيم النظرية، التي تحاول تفسير قيام الثورة، واحتمال التنبؤ بها في توقيت معين ومحدد؛ في محاولة الإجابة عن سؤال لماذا تحدث الثورات؟ . بحسب أدبيات علم الاجتماع فإن الثورة هي ذلك التغيير الفجائي والجذري والعنيف في النظام الاجتماعي ككل، والمؤسس لنظام مغاير عن النظام السابق في مختلف أشكاله، حيث تعرفها ” ثيدا سكوكبول Theda Skocpol” بأنها تحول سريع وأساسي في بنية المجتمع وطبقاته، مرفقاً بحركات تمرد طبقية من أدنى المستويات، وهي التي تؤدي جزئياً إلى هذا التحول[iv].

      أما تشالز تيلي فيعرفها بأنها ” انتقال للسلطة في دولة ما بالقوة[v]، وهو يتوافق في هذا مع ”   كرين برينتون K. Brinton”، الذي عرف الثورة بأنها ذلك الاستبدال العنيف والمفاجئ لمجموعة ما مسؤولة عن إدارة كيان سياسي إقليمي بمجموعة أخرى لم تكن حتى ذلك الحين تدير تلك الحكومة[vi]. نستنتج من هذه التعاريف أن الثورة لها خصائص تتمثل في التغيير الجذري والعميق، والعنف المصاحب لها، كما أنها ثورات طبقية؛ وهي الخصائص التي تنطبق على المفهوم التقليدي للثورة، الذي تمثله النماذج الثورية الكبرى، بدءاً من الثورة الفرنسية والبلشفية إلى غاية الثورة الإيرانية.

      أما الثورات بمفهومها الحديث فهي لا تهدف بالضرورة لتغيير شكل النظام الاجتماعي وعلاقات القوى والتوازنات الداخلية، كما لا تكون بالضرورة عنيفة، حيث أن هناك العديد من الثورات السلمية حققت أهدافاً عن طريق المظاهرات والاحتجاجات (الثورات الملونة). من هنا نقرأ عن أعمال كارل ماركس وأنجلز مقولة: ” أن كل ثورة تلغي المجتمع القديم Old society ثورة اجتماعية، وكل ثورة تلغي السلطة القديمة، تعد ثورة سياسية”، وانطلاقاً من هذا المفهوم يمكننا الحديث عن ثورات ديمقراطية مست رأس النظام القائم دون إحداث تغيير في الأبنية الاجتماعية.  كانت الثورات محور اهتمام لعلماء الاجتماع  والسياسة  في الفترة الماضية، إلا أن هذا الاهتمام قد تراجع؛ حيث شهد الاتجاه السائد ضعفاً في دراسة الثورات، خصوصاً بعد موجات التحول الديمقراطي، وإعلاء التيار المحافظ من علماء الاجتماع والسياسة ( تالكوت بارسونز، دايفيد استون، جبراييل الموند) لعوامل الاستقرار والمحافظة على الوضع القائم بدلاً من عوامل التغيير.

لذا اعتبر القرن العشرين والحادي والعشرين العصران اللذان ظهر فيهما مصطلح “النهايات” ، وقد نظّر الكثير لهذه النهاية، فكتب “روبرت.سS. Robert ” و” سنايدر Snyder 1999″عن ” نهاية عصر الثورات[vii]، حيث قال الفيلسوف الفرنسي “ميشال فوكوMichel Foucault “في ثمانينات القرن الماضي إن العالم المعاصر خرج من أفق الثورة نهائياً، ونقل عنه قوله إن الثورة الإيرانية هي آخر ثورات ما بعد الحداثة[viii]. وهناك من قال ” بنهاية عصر الإيديولوجيا(ريمون آرونRaymon Aron )[ix] ، أما ” زكي لعايدي  Zaki Laïdi ”  ؛ فتكلم عن [x]La fin du Moment Democratique، وآخرهم “فرانسيس فوكوياما francis Fukuyama” ، الذي تحدث عن ” نهاية التاريخ “، وكل هذه الأطروحات ترى أن التطور البشري وصل إلى نهايته بانتصار المشروع الليبرالي، والذي تعتبره “مارغريت تاتشر Margaret Thatcher” في مقولتها الشهيرة “There is no alternative”؛ لذا فالتغيرات في الحياة السياسية تعكس حقيقة أن الحلول للقضايا الرئيسية في الثورة الصناعية قد تم حسمها، وبالتالي لا داعي للثورة للمطالبة بالحقوق؛ فقد حصل أغلب العمال على حقوقهم السياسية والصناعية[xi].

    من هنا نستنتج أن الثورة والديمقراطية متناقضتان، ذلك أن الديمقراطية بمفهومها المعاصر تعني إدارة أوجه الاختلاف في الآراء وتباين المصالح بشكل سلمي، بحيث تمكن المجتمع من السيطرة على مصادر العنف، وبالتالي لا مجال لاستخدامه، والذي يعتبر جوهر الثورة بمفهومها التقليدي، ومنه فقد اتفقت الدول الغربية على طبيعة النظم السياسية والقضايا الجوهرية فيها وكذلك طبيعة النظام الاجتماعي، وهذا يعني بأن النظم السياسية في الغرب تحظى بقبول من جميع الأحزاب والشعوب دون أي تعارض حول شكل وطبيعة النظام السياسي. وبنظرة متفحصة لهذه الأطروحات نجد أنها وقعت في ثنائية مانوية تجسدها فكرة نيل فرغيسون: ” الغرب والبقية “[xii]، فحصرتها في فترة ما بعد الحداثة التي تعتبر أحد تجليات الحضارة الغربية، التي وصلت إلى نهاية معدومة، فأصبح الحديث عن نهاية التاريخ،  وأهملت احتمال وجود نماذج ثورية خارج المركزية الغربية، بل إنها استبعدت حتى احتمال لقيام ثورة داخل النظام الرأسمالي الغربي[xiii]، هذا ما فندته الحركات المناهضة للعولمة في سياتل، أو حركة احتلوا وول ستريت، وإن كانت لا تطرح بديلاً عن الإيديولوجية الغربية الرأسمالية إلا أنها تطرح جدلاً قوياً حول مستقبل الثورة واحتمالها في الديمقراطيات الغربية.

كما طرحت الثورات الملونة في الدول الشيوعية السابقة نمطاً جديداً من التغيير خارج النموذج الماركسي اللينيني، والذي اعتمد على الأساليب السلمية في التغيير(جين شارب) كالعصيان المدني، والحشد، والمظاهرات واستخدام التكنولوجيا، أو ما يسميها “جون فوران” بالثقافة السيبرنيتية(Cybernetics)   كأحد الأدوات الثورية الجديدة[xiv]؛ كما أنها غير إديولوجية، ولا طبقية عكس النماذج الكلاسيكية. وبالتالي فبدل الحديث عن أفول عصر الثورات من الأفضل دراستها  في ضوء هذه الحقائق الجديدة.

في ضوء كل ما سبق، لابد من الإجابة على التساؤل التالي: هل ما حدث في المنطقة العربية في غضون عشر السنوات الماضية يندرج ضمن القابلية للثورة أم للتحول ؟. اختلفت الرؤى العلمية في النظر إلى التحولات السياسية العربية، فيما يتعلق بإشكالية قابليتها للثورة ، وانقسمت إلى فريقين؛ ولتبديد الشكوك بشأن ذلك لابد من الإشارة إلى أدلة كل طرف؛ وعلى أي أساس تم اطلاق صفة الثورة،  وعلى أي اساس تم نفيها.

  • يستند فريق المؤيدين لقابلية المجتمعات العربية للثورة على ضوء المفهوم الجديد للثورة، بأنها لا تعني ذلك التغيير العميق في البنية الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية؛ حيث يرى “جاك غولدستون jack Goldstone “، أننا بحاجة إلى تجاوز الأسطورة التي نادراً ما يدركها الناس، وهي  أن الثورات تحدث تحولاً مفاجئاً من نوع نظام سياسي ما إلى آخر مختلف تماماً[xv]، فحسبه أن التحولات العربية تعتبر ثورة بامتياز، بالنظر إلى المرحلة الأولى للثورة، وهي سقوط النظام القديم، بغض النظر عن المآلات.

يعتبر “علي حرب” أيضا من مؤيدي هذا الطرح؛ فحسبه أن ما نشهده هو نمط جديد يطوي حقبة بنماذجها السابقة؛ كالثورة الروسية أو الصينية، أو الكوبية  أو الإيرانية؛ فالفاعلون الجدد في الثورات الراهنة يقدمون نموذجاً لا يشبه النماذج التي جسدها لينين، أو ماوتسي تونغ، أو كاسترو  ولا يشبه أيضا النموذج الذي جسده الخميني[xvi].

فبهذا النموذج الجديد؛ تجاوزت التحولات العربية المقولات التأسيسية التي أنتجها الفكر السياسي الغربي خصوصاً اشتراط وجود طليعة، وتنظيم سري، وإيديولوجية، وقيادة كاريزمية[xvii]، حيث قدمت التحولات العربية في تونس ومصر وليبيا واليمن، نموذجاً جديداً لا يقوم على العناصر التي تقوم عليها الثورة بمفهومها التقليدي، وخاصة المفهوم الماركسي اللينيني الذي يشترط تغير موازين القوى بين الطبقات، وإنما هي ثورات ما بعد لينينية حسب “برتراند باديBertrand Baddy[xviii]، يعني أنها غير إيديولوجية، كما أنها غير عنيفة، تقوم على مفهوم  “الحشد” الذي تحدث عنه (جين شارب)؛ من خلال المظاهرات والاعتصامات السلمية، كما كسرت ثنائية النخبة والجمهور، أو الزعيم الملهم[xix]، هذا ما يفسر اصطفاف جميع الأطياف، والتوجهات الحزبية، والدينية إلى جانب الشعب في مواجهة النظام.

        إن الداعين إلى هذا الطرح؛ استندوا إلى المفهوم الحديث للثورة الذي لا يشترط التغيير العميق في البنية الاجتماعية، وهو مفهوم الثورة في المدرسة الأمريكية؛ فقد ركز “تشارلز تيللي charles tilly” على انشقاق النخب على مستوى النظام[xx]، وهو ما بدا جلياً بشكل أساسي في الحالة المصرية والليبية، حيث شكل انشقاق الجيش كنخبة عسكرية عن النظام السياسي، الفيصل الحاسم في ترجيح الكفة لصالح الثورة، ما أدى في الأخير إلى استبدال النخب القديمة بأخرى جديدة ولو شكلياً  لفترة لم تدم طويلاً.

تعد هذه اللحظة القصيرة، التي يمكنها وصف ما حدث فيها بالثورة؛ وتشبيهها بلحظة اقتحام “سجن الباستيل” وسقوط النظام الملكي، أو اقتحام قصر الشتوي في سانت بيتر سبورغ إبان الثورة البلشفية. إلى أن تحول دور الجيش بعدها من حامي للثورة[xxi] وبالتالي حامي لتطلعات “الشعب”، إلى تدخله في العملية السياسية، وتوجيه مسارات الأحداث، وهو ما تم فعلاً عقب الانقلاب على “الرئيس محمد مرسي”، هذا يؤدي بنا إلى نفي صفة للثورة أصلاً من أساسها، فهنا تناقض دور الجيش مع الشعارات التي رفعتها ميادين التحرير “كالحرية، والعدالة …” فأمكننا الحديث هنا عن “سرقة الثورة”، التي تدحض الفكرة التي أراد تسويغها الجيش؛ مفادها أن الانقلاب على الرئيس مرسي؛ يندرج ضمن استعادة الثورة، أو تصحيح مسارها.

وبحكم تاريخ الانقلابات العسكرية في مصر منذ انقلاب جمال عبد الناصر، والضباط الأحرار في 23 يوليو 1952، وفي غيرها من البلدان العربية؛ كسوريا، والعراق، والجزائر، وليبيا، والتي تم فيها نعت هذه الانقلابات بالثورة، فإن تكرار هذه الظاهرة السياسية عبر التاريخ قد يكسبها صفة القانون العلمي حسب “نديم البيطار”؛ ، وهو ما دعا إليه “أندريه لايبش AndreIbish”  إلى تأسيس “علم اجتماع سرقة الثورة”[xxii]، كمضادة “لعلم الثورة”.

لكن مقابل ذلك يرى  “جاك غولدستون jack Goldstone” أن الثورات بطبيعتها قد تأتي بأعتى الدكتاتوريات أو بالفوضى كنتائج أولية على المدى القصير، فالثورتان الفرنسية والروسية جلبتا معاً سنوات من الحرب الأهلية، بالإضافة إلى أن الكثير من الثورات أعقبتها ثورات مضادة وديكتاتوريات، ولكن هذا لا يعني بأي حال من الاحوال أنها لم تكن وقائع ثورية[xxiii].

يستلزم النظر للانقلاب في مصر، والصراع في ليبيا وسوريا واليمن، في ضوء المسارات العادية التي تتخذها الثورة (J.Goldstone، K.Brinton )، كازدياد العنف، والإرهاب، وصراع النخب…الخ، بالإضافة إلى المدة الزمنية التي تأخذها الثورة، لذا فإن الحذر  في هذه الحالة هو عين الحكمة فيما يخص القابلية للثورة، بحكم أننا لا زلنا نعيش الحدث، فالاضطرابات عادة ما تستغرق سنوات بل عقوداً حتى تؤتي نتائجها.

  • الرأي الثاني الرافض لفكرة الثورة؛ فإنه يستند إلى مجموعة من الأدلة التي يمكن حصرها على النحو التالي:
  • أن الثورة مفهوم سوسيولوجي محدد مسبقاً[xxiv]، هذا حسب المفهوم الماركسي للثورة، ولا يقتصر على استبدال النخب حسب المفهوم الأمريكي.
  • الملاحظ غياب القائد، والإيديولوجيا، والحزب القائد في هذه الثورات.
  • الثورة إذا بدأت لابد أن تصل إلى أهدافها، فأمكن الحديث في هذه الحالة عن ثورات غير مكتملة. الثورة مرتبطة بهدم ما هو قائم، وبناء ما هو جديد، بالتالي مثَّل غياب برنامج ما بعد سقوط النظام فجوةً كبيرة في جميع الحالات العربية، ما سهل على الانتهازيين الالتفاف إليها وإفراغها من محتواها وبالتالي عودة النظام السابق في صور أكثر تجدداً.
  • العنف والمظاهرات والحشود، وحتى النوايا لا تكفي لوصف الثورة، بل النتائج والتغيير هو الوصف الأجدر بها[xxv].
  • البعض ينفي صفة الثورة، ويستبدلها بمفاهيم الفوضى[xxvi] (ليبيا، اليمن، سوريا)، كون الثورات التي شهدتها البلدان المذكورة غير قادرة على حل الأسباب العميقة والجذرية للانفجار، والتي يقتضي حلها تغييرات اجتماعية واقتصادية عميقة[xxvii]، فلا يمكن الحديث عن الثورة من دون أن يحدث تغييراً جذرياً وشاملاً في منظومة القيم والثقافة.
  • الثورة الفرنسية كانت نتاج فلاسفة عصر التنوير، الذين أحدثوا قطيعة من فكر القروسطي[xxviii]، عكس الثورات العربية التي لم تسبقها ثورة فكرية، هذا ما أدى إلى عودة الدكتاتورية الجديدة.

وعليه فإذا نظرنا إلى الأحداث العربية في ضوء الحقائق الجديدة، كاستخدام الأدوات السيبرانية، ومن خلال الحشد، وبالاستناد على مفهوم المدرسة الأمريكية للثورة، وكذا لحظة هروب بن علي من تونس، وتنازل مبارك عن الحكم في مصر ثم انطلاق محاكمة أبنائه وبعض رموز نظامه، ومقتل القذافي واعتقال أبنائه ،وتحييد علي عبد الله صالح عن السلطة، كل هذه التطورات تؤشر إلى أننا أمام واقع ثورة حقيقية، لكن الثورة لا تقاس بنسبة الحشود والمظاهرات، أو بلحظة خروج الشعب لمختلف الميادين (يمكن اعتبارها المرحلة الأولى للثورة حسب ج. غولدستون).

فالثورة لا تقاس بالبدايات، وإنما بالنهايات والمآلات، الثورة المراد بها هي التغيير الذي تحدثه، وبعبارة أخرى الأهداف والنتائج التي وصلت إليها، وبالتالي فإن التركيز على اللحظة الثورية فقط مع إهمال المراحل التي بعدها، نكون بهذه الحالة أمام حالة ثورية غير مكتملة أو أشبه بالانتفاضة، أو أقل ما تكون تمرداً وفوضى. لذا فالتحولات السياسية العربية بحاجة إلى مسافة زمنية طويلة للوقوف على العناصر التفسيرية والسببية الجامعة لها كما هو الحال بالنسبة للثورات التاريخية.

ثانيا: القابلية للاستدامة السلطوية

       إن عودة الثورات المضادة عقب الإنقلاب على الرئيس مرسي، قد وضع في صدارة النقاش مسألة أساسية، وهي قدرة الأنظمة السياسية العربية وزعاماتها على الاستدامة، وإعادة إنتاج نفسها في صور أكثر تصلباً واستبدادية، ما مكن هذه الأنظمة من الوقوف في وجه القوى المطالبة بالتغيير.

فمع مرور عشر سنوات على التحولات العربية، يبدو أن الممالك الخليجية أكدت مرة أخرى أنها مركز الاستقرار الوحيد في العالم العربي مقارنة بالجمهوريات العربية. لكن بنظرة نقدية يبدو أن هذا الاستقرار لم يقم على دعامة من الشرعية الشعبية، مما يبقى أنظمة الخليج أنظمة هشة ومعرضة في أي وقت لأي عامل يؤدي بها إلى خطر السقوط. وهو ما أشار إليه “كريستوفر م. ديفيدسونChristopher M. Davidson ” في كتابه المعنون “مابعد الشيوخ: الانهيار المقبل للممالك الخليجية 2014” الذي رأى أن الضغوط الداخلية والخارجية على الممالك الخليجية، وكذا المعارضة الناشئة، واستفادتها من تكنولوجيا الاتصالات ستعجل بانهيارها على الأقل في شكلها الحالي في اتجاه ممالك برلمانية[xxix]، لذا فإن مسألة سقوط هذه الممالك مرتبط بعامل الزمن؛ بمعنى أن السؤال بشانها هو ” متى ستسقط؟” وليس “هل ستسقط؟ “

      إن بقاء ثمانية ملكيات خلال التحولات السياسية لعام 2011 قد وضع في الصدارة مسألة أساسية، وهي استثنائية هذا النوع من الأنظمة السياسية، في هذا الجانب شكلت دول مجلس التعاون الخليجي مجالاً خصبا لدراسة عوامل الاستمرار أكثر من عوامل التغيير؛ حيث حاول علماء السياسية القيام بمعالجة استثنائية المنطقة من وجهة نظر متنوعة؛ فالبعض فسرها من خلال العوامل الثقافية التي تحول دون الممارسة الديمقراطية (هشام شرابي 1988). والبعض فسرها من خلال الهياكل المؤسساتية (ايلين لونست Ellen Lust 2005، براونلي جاسون 2009 Brownlee Jason  [xxx]، أو من خلال توافر الإيجارات النفطية ( الببلاوي، لوتشيانو Lotshiano 1987، مايكل روس Michael L. Ross 2001)[xxxi]  وتشير الدراسات السابقة إلى أن الذين تناولوا المنطقة ركزوا في تنظيرهم على نموذج “الاستبداد الدائم” (سكوت ويليامسون [xxxii]Scoot Williamson، نتيجة ذلك طرح ” غريغوري غوز”؛ تساؤلاً مفاده لماذا أغفلت دراسات الشرق الأوسط الربيع العربي ؟[xxxiii].

      ترى بعض الدراسات أن فشل النموذج الثوري في الأنظمة الملكية راجع لكون الملك يمتلك تنظيماً فوق السياسة اليومية، بحيث يأتي على رأس الإصلاحات التي يسيطر عليها، والتي يمكن أن تخفف من السخط العام. فحسب إلين لوست Elin Lost؛ فإن الهيكل السياسي يمكن التلاعب به للسيطرة على رغبة المعارضة في التعبئة ضد النظام[xxxiv]. لذا فإن فشل نموذج الثوري في الأنظمة الملكية راجع لكون المعارضة السياسية المجزأة، والانقسامات الاجتماعية العميقة جعل قدرتها على تقديم بديل واضح أو إحداث تغيير يجعلها غير ذي جدوى[xxxv].

     خلافاً لذلك ترى ” أندريا ويليامسون Andria Lawrence  ” في إطار مجادلتها لماذا سقط النظام المصري في حين لم تسقط النظم الملكية، أرجعت ذلك إلى اختلاف مسار تغيير النظام في النظام الملكي، فحسبها أن ملوك العرب لم ينجوا لأنهم كانوا أكثر شرعية أو أكثر ذكاء، أو لأنها قدمت إصلاحات جدية، لكن الملوك هم أقل عرضة لمواجهة الاحتجاجات الثورية مقارنة بالأنظمة الجمهورية[xxxvi]. ففي حالة الأنظمة الجمهورية، فإن سقف المعارضة في حالة رفع عتبتها يكون بتفضيل إسقاط النظام على النتائج المحتملة الأخرى، لذا يشكل وضع رئيس الدولة في مجال التنافس السياسي أحد تفضيلات الفاعلين السياسيين في الدولة. كون منصب الرئيس يتطلب تحمل المسؤولية المباشرة عن النتائج السياسية والحكومية، في حين يمكن للترتيبات المؤسسية في الأنظمة الملكية أن تعطي للملك مسافة كافية من السياسيين المنتخبين والبيروقراطيين المعنيين لتحويل المسؤولية بشكل فعال بعيداً عن المؤسسة الملكية كون الملك نظرياً فوق المعركة السياسية[xxxvii].

ترى بعض الدراسات من زاوية مختلفة عن الدراسات السابقة التي تنطلق من عدم شرعية الأنظمة الملكية فهي تعد القضية راجعة إلى طول عمر الأنظمة الملكية وخاصة خلال “الربيع العربي”، وذلك راجع إلى الاستراتيجيات التي اتبعتها هذه الأنظمة للبقاء في السلطة. ومعدل البقاء النسبي للملكيات العربية خلال الانتفاضات العربية هو بالتأكيد مؤشر على شيء ما؛ فوفقا “لغريغوري غوز” إنه يجدر بنا أن نفهم الأنظمة الملكية، خاصة في ظل الاضطرابات الإقليمية كعلاقة تدل على القوة لا على الضعف. أهم الأدلة التي قدمها في هذا الصدد هي أداء هذه الأنظمة المتفوق، وهو ما يشير إليه بـ ” التفوق الوظيفي”[xxxviii].

     حجة التفوق الوظيفي تعتبر أحد الفرضيات التي قدمتها “ليزا اندرسون Lisa Anderson” قبل عشرين سنة؛ مفادها أن النظام الملكي يتناسب وظيفياً وبناء الدولة، الذي يتطلب سلطة شخصية مركزية، لذا فمطالب الملك بالحكم لا ترتبط بمفهوم الهوية الوظيفية الضيق، بل يعتبر الملوك ملائمين أكثر لإدارة مجتمع يضم مجموعة متنوعة من المجتمع كون الملك له مكانة أعلى منهم جميعاً[xxxix].

     من الجدير بالذكر بوجه خاص قدرة الملوك على الصمود بالمقارنة مع نظرائهم الرئاسيين؛ حيث ترى ” ماريا أوتاواي Marina Ottaway” أن ردود فعل الملكيات والعائلات الحاكمة في الدول العربية على الاضطرابات التي هزت المنطقة في عام 2011 يدل على أن الملوك لا يزالون يتمتعون بدرجة غير عادية من الشرعية في نظر شعوبهم[xl].

     وسع ” مايكل هيرب Michael Herb” حجة أندرسون الخاصة بالتفوق الوظيفي، من خلال قدرة الملوك على السماح بمنافسة سياسية قد تكون حتى ديمقراطية، حيث يشير أن الملوك العرب أكثر رغبة وكذلك قدرة من الرؤساء على المباشرة بإصلاح سياسي لأنهم لا يواجهون خطر الانتخابات الحقيقية، كالتي يواجهها الرؤساء الذين يعتمدون على واجهة السيادة الشعبية، بالتالي فانتصار أو فشل أي انتخابات لن يؤثر على منصب الملك[xli].

     تعرضت بعض الدراسات إلى مرونة الأنظمة الملكية على ضوء التحولات العربية؛ حيث ركز ” آلان قرين Alan green” على مرونة الملوك الخليجيين الذي سمحت ثروتهم الواسعة باستباق الاضطرابات الاجتماعية الكبرى[xlii].  مع ذلك فإن توافر الموارد المالية لا يمكن أن تفسر بقاء الملكيات بأكملها، لأن نجاح الملوك في المغرب والأردن لا يزال محيراً إلى حد ما، حيث أن هذه البلدان تفتقر إلى موارد الخليج بل تشترك في العديد من التحديات الاقتصادية والاجتماعية نفسها، التي تسببت في الكثير من المشاكل التي واجهتها الأنظمة في تونس، مصر، وليبيا، سوريا، واليمن، لذا وحسب مروان معشر من مركز كارنيجي يقدم التباين المؤسسي تفسيراً معقولاً لزيادة مرونة الملوك. لكن ” آندري بانك Andre Bank” في إطار مجادلته حول ماهي الشروط المحددة لبقاء هذا النوع الفرعي من النظام الاستبدادي، يرى أن النظام الملكي في المغرب والأردن نجيا من رياح التغيير؛ بسبب الشرعية التاريخية والدينية التي يستندون إليها [xliii].

     إلى جانب مرونة الأنظمة الملكية، ركزت بعض الدراسات على استراتيجية الأنظمة الملكية في تعزيز بقائها؛ فعندما يخلق النظام انقسامات بين حركة المعارضة من خلال إضفاء الشرعية على بعض، وجعل البعض منها غير قانوني، فإن المعارضة القانونية في هذه الحالة أقل احتمالاً بكثير لمعارضة الحكومة، هذا ما يحقق هدف النظام والمتمثل في تقويض قدرة المعارضة على التوحد، والتحدي الفعال للنظام[xliv].

في هذا الصدد؛ أشار “صامويل هنتغتون 1968Samuel Huntington” في كتابه   “النظام السياسي في المجتمعات المتغيرة” إلى معضلة تقع فيها المجتمعات التقليدية التي تشهد تحديثاً؛ حيث تصبح مركزية السلطة في الملكية ضرورية لتعزيز التنمية، هذه المركزية جعلت من الصعب بل من المستحيل توزيع رقعة السلطة في النظام التقليدي لاستيعاب الجماعات الجديدة التي انتجتها العصرنة[xlv]؛ وهو ما يسميه  “بمعضلة المللك The King Dilemma “.

فلم تكن الملكيات أفضل حال من الجمهوريات فيما يتعلق بمؤشرات، إلا أنه لا يمكن إنكار النجاحات التي حققتها الأنظمة الملكية على صعيد مؤشرات التنمية الاجتماعية، هذا النجاح مرهون ببقاء الأنظمة الملكية التي لا يجب أن تشملها عملية التحديث (النجاح مقابل البقاء). على عكس الأنظمة الجمهورية التي أنتجت خيارين: إما منطق بقاء النظام أو الثورة عليه.

وعليه فإن “معضلة الملك” لا تساعد على قيام أي تحول على شاكلة ما عرفته الدول العربية طالما تمكنت الطبقات الحاكمة من مقايضة الحقوق السياسية بالرفاه الاقتصادي (الحقوق الاقتصادية)[xlvi]. لكن هذه “الحقوق”  التي يتحصل عليها المواطن الخليجي، مرتبطة بشرطين[xlvii] :

  • استمرارية الفائض المالي الذي يسمح بشراء الرضى العام.
  • خضوع المواطن الخليجي لإرادة السلطة المطلقة، والتخلي الكلي عن حقوق المواطنة السياسية.

وهكذا أصبحت وظيفة النظام الأساسية هي توزيع المنافع على أفراد المجتمع[xlviii]، ومن هنا فالمواطن أمام خيار القبول بالحقوق الاقتصادية مقابل الانصياع المطلق للسلطة.

       من هنا يمكن التفريق بين استراتيجية الرفاه في الدول الإسكندنافية التي تعتمد على أساس هيكل إنتاجي متنوع، مع مشاركة واسعة للمواطنين في هذا الجانب، من حيث ارتفاع معدلات التوظيف في القطاع الإنتاجي الذي يترتب عليه مساهمة معتبرة في الضرائب مقابل الاستفادة من نظم الرعاية. على عكس دول الخليج التي اعتمدت على توزيع الموارد النفطية لدعم نظم الرعاية، وبالتالي لم تعد في حاجة ماسة إلى المواطنين في تحصيل الضرائب، بل بالعكس؛ فإن المواطنين هم في حاجة إلى النظام السياسي لضمان استمرارية هذه العطايا بدلا من سيناريوهات غير متوقعة.

     هذا ما انعكس في الأخير على المطالبة بالمشاركة السياسية في هذه الدول، فليس من حق المواطن الخليجي أن يطالب بالحقوق السياسية، طالما أن الدولة قامت بتوزيع جزء من الريع على رعاياها بشكل مباشر. ولو وضع المواطن الخليجي أمام خيار القبول بحقوق المواطنة الكاملة مقابل دفع الضرائب، فإنه يكتفي بالعطايا التي تمنحها الدولة مقابل التنازل عن حق المشاركة السياسية، لذا فإن فرضيات دولة الرفاه على شاكلة الدول الاسكندنافية لا تساعد على التحرر السياسي في الحالة الخليجية.

     وفي السياق نفسه؛ يجادل ” توماس فريدمان Thomas Friedman؛ في دراسته بعنوان “القانون الأول للسياسات النفطية” بأن هناك ترابط بين سعر النفط وعملية استدامة الحريات السياسية والاقتصادية، حيث يفترض هذا القانون بأن سعر النفط، واستدامة الحرية تتجه نحو خطين متعاكسين في الدول ذات الموارد النفطية. [xlix]  تأييداً لهذه الفكرة يرى ” ريتشارد يونغ Richad Young، أن ارتفاع أسعار النفط والغاز على ما يبدو ساعد في دعم الاستبداد[l]، لذا تتناسب العلاقة بين العملية الديمقراطية عكسياً مع ازدياد صادرات النفط، أي أنه كلما ازدادت المداخيل النفطية للدول المنتجة للنفط، تصاب العملية الديمقراطية بالخلل وتتراجع الحريات السياسية [li]. لذا تشكل “لعنة الموارد” أحد الفرضيات المعتمدة في تفسير بقاء النظم السلطوية[lii] .

     يحاجج البعض أن استدامة الاستبداد وفشل عمليات التحول الديمقراطي في نظر البعض لم يكن نتيجة لعوامل محلية كما تم ذكره، في الواقع يمكن إرجاع التجاهل العمدي لحركيات الشارع العربي، في منظور مراكز صناعة الفكر الغرب ورؤيتها للمنطقة العربية من حيث أولوية الاستقرار على عدم اليقين من نتائج التغيير، لذا لا يمكن النظر إلى سلبية الشارع العربي تجاه الديمقراطية كمعطى ثابت، وإنما يتداخل هذا مع أجندات لمصالح أجنبية، فالقوى الغربية وسعيها لتحقيق الأهداف المتناقضة من حيت تدعيم الديمقراطية قد تنقصه المصداقية، وذلك لضمان استمرار العقود الطاقوية، فنظراً لعدم اليقين من نتائج الانتخابات، فإنها تفضل الحفاظ على الوضع القائم والذي بالإمكان تقدمه نظم أقل ديمقراطية.

أمننة خطابات الدمقرطة والتحول                         

     بالنظر إلى الابتكار النظري الذي أحدثته مدرسة كوبنهاجن فيما يخص استخدامها لمفهوم ” الأمننة Securitization ” كأحد الأدوات التحليلية في الدراسات الأمنية النقدية. يعتبر “أولي ويفرOle Weaver ” أول من تناول في دراسته “الأمننة ونزع الأمننة 1996 ”  لمفهوم الأمننة التي تشير إلى البنية الخطابية للتهديد من خلال فعل الكلام [liii].  وبالتالي أمكننا استخدام هذا الابتكار لتقديم صعود الجماعات المنادية بالتغيير إلى المجال السياسي واحتمال انتشارهم إقليمياً كتهديد في منظور السلطة الحاكمة، هذا ما استلزم إجراءات فوق السياسة العادية من خلال الفعل الاستثنائي الذي لا يمكن إيجاده في مبادئ القانون العادي بل من خلال كسر الإجراءات العادية وخلق إجراء قانوني جديد أو بعبارة كارل شميث ” السيادة هي التي تقرأ بشأن حالة الاستثناء”[liv]. وذلك من خلال التسييس التدريجي للأمن أو ما يسمى بعملية “الأمننة” .

  لهذا ففي إجابته على إشكالية أمن ماذا؟ أجاب بوزان أمن الدولة بدلاً من أمن الأفراد والجماعات. كونها الوكيل المهيمن والمخول لتخفيف حالات اللاأمن[lv]. وانطلاقاً من التركيز الدولاتي للأمن بهدف البقاء حسب بيوزان، فإن الأمننة في هذه الحالة هي تبني الدولة كونها صاحبة الحق لقضية معينة بأنها تشكل تهديدا أمنياً، هذا ما يخول لها القيام بإجراءات استثنائية استجابة لذلك. وبمساعدة نظرية اللغة كفعل خطابي فإنها تتحول بذلك إلى لغة أمنية تدعي الدولة من خلالها حق استخدام أي وسيلة ضرورية لمنع التهديد[lvi].  وعليه فإن ما يمثل مشكلة أمنية هو ما تصرح به النخب أنه كذلك حتى ولو لم يكن كذلك، بمعنى آخر أن أمننة قضية معينة ليست بالضرورة بسبب وجود تهديد موضوعي ولكن بسبب تقديم القضية كتهديد أمني.

      تبني الإطار النظري الذي قدمه ” باري بوزان Barry Buzan” و ” اولي ويفرOle Weaver” يوضح أن الالتزام التوسعي، خاصة عند تناول عملية التفاعل بين السياسات المحلية وأبعادها الأمنية نتيجة وجود احتمالية تغيير البنية السياسية الداخلية للدول في ظل وجود تهديدات خارجية.

      في ظل  التطورات التي أكسبت جماعات المعارضة شعبية على حساب الحكومات، تبدو الأخيرة بحاجة الى القدرة على درء المخاطر التي تحدق بها من جراء صعود هذه الجماعات (الإخوان المسلمين) واحتمال انتشارهم إقليمياً والرهانات المتتابعة لها؛ فثنائية الصداقة والعداوة توفر البنية الأساسية للولاء والتضامن التي تدعم القدرة على اتخاذ قرار فعال بشأن العدو المحتمل انطلاقاً من المفهوم الويبري للسيادة باعتبارها القوة الشرعية للحكم. وتتم عملية الأمننة في هذه الحالة كما أكدنا سابقاً في الانتقال بالقضية من الحيز السياسي العام (أي اعتبارها قضية عادية لا تثير أي تهديد أمني) إلى قضية فوق الاعتبارات السياسية (أي اعتبارها كجزء من السياسة العامة)، ثم إلى أمننتها (باعتبارها قضية أمنية تتطلب إجراءات استثنائية).

     بالنسب لأمننة جماعات التغيير فقد مرت بمراحل ثلاثة:

  • المرحلة الأولى: اعتبار القوى الصاعدة غير مسيسة، لم يطرح تواجدها كجماعات للتغيير كقضية للنقاش الأمني، حيث يشكلون شريحة من المجتمع، لهم كل الحق في التظاهر.
  • المرحلة الثانية: تحويل جماعات المطالبة بالتغيير إلى قضية ضمن القضايا السياسة العامة التي تقتضي اتخاذ قرارات بشأنها. فبعد أن تبنت القوى الصاعدة أسلوب التغيير كمنهج لها، فقد تبين حجم التناقض بينها وبين النظام الحاكم
  • المرحلة الثالثة: في ظل هذه المعطيات تبنت الدول العربية مقاربة لأمننة صعود قوى التغيير داخلياً وخارجياً باعتباره يعمل على إسكات المعارضة ويتيح لمن في السلطة كسر الإجراءات العادية لتأسيس الحدود بين الصديق والعدو، وذلك لتحقيق أهداف محلية في ظل مراقبة وقيود ديمقراطية أقل.

      لكن التساؤل الذي يبقى مطروحاً فيما يخص أمننة قوى التغيير هو أن اتخاذ إجراءات فوق السياسة ضدها يخدم في الأخير أجندة نظم الحكم وهو البقاء بالمفهوم الموسع، أي ان إضفاء الطابع الأمني على قوى التغيير ليس بالضرورة نتيجة وجود تهديد حقيقي من قبل هذه الجماعات، ولكن بسبب نظر السلطة إليهم كتهديد، بالتالي فبالتركيز على أمن الدولة مع إهمال أمن الأفراد وتوجهاتهم السياسية، تصبح في هذه الحالة ازدواجية في الأمن بين أمن الدولة وأمن المجتمع، هذه الازدواجية تفتح المجال لدراسة “الهوية الجماعية والفردية” كقيمة معرضة للتهديد نتيجة تناقض المصالح بين الدولة والمجتمع. في هذه الحالة تصبح المجتمعات حقائق سياسية مهمة فيما يتعلق بردود أفعالها التي ستكون ذات دلالات سياسية[lvii].

      وفي إطار النقاش الذي تم فيه وضع جماعات التغيير ضمن دائرة الأمننة وإخراجها من حيز السياسة العادية إلى السياسة الاستثنائية، سمح هذا بربط بعض الجماعات بظواهر أخرى في إشارة إلى ربط الإخوان بالإرهاب على سبيل المثال، سواءً من خلال الإجراءات الفعلية أو من خلال فعل الكلام، وهو ما أثار إشكالية مهمة فيما يخص علاقة هذه الجماعات بالنظام الحاكم التي تعتبر أساس شرعية الدولة والنظام. في هذ الإطار، جادل “كين بوث” أحد مؤسسي مدرسة ويلز بأن مدرسة كوبنهاجن لم تتحرك بشكل كافي باتجاه أناس حقيقيين في أماكن حقيقية، فتم ربط الأمن بالبقاء ـــ التركيز الدولاتي ـــ تشكلت من خلاله هيمنة الخطاب السلطوي، فتسائلت بذلك ” لين هانسن L. Hansen”؛ عن مصير الأصوات المهشمة من النقاشات الأمنية التي لا صوت سياسي لها ولا تملك مؤسسات تمثيل رسمية للدفاع عن وجهة نظرهم. وبالتالي، فإن أمننة الجماعات المطالبة بالتغيير أوجدت ما يسمى “معضلة أمنية صامتة” حسب لين هانسن[lviii]، والتي يمكن لهذه الجماعات أن تقدم بدلاً من ذلك شبكة آمنة كإكساب النظام شرعية داخلية وخارجية. لذا، فإن إعادة الجماعات من حيز السياسة الاستثنائية والعودة بهم إلى منطق السياسة العادية يقتضي نزع الأمننة عنهم ليتحقق بذلك “الدفاع المجتمعي Social Defence ” حسب ما يسميه “برايان مارتنBrian Martin ” [lix].

ثالثا: رؤية بديلة لتفكيك الاستبداد

        يمكن الإشارة في هذا الصدد أن بعض الباحثين يطلقون صفة الثورة على التحولات العربية انطلاقاً من اللحظة الثورية التي تميزت بالهيجان، واقتحام الفضاء العام، فيشبهونه باقتحام سجن الباستيل إبان الثورة الفرنسية، وطريقة سقوط النظام الملكي آنذاك، رغم أن هذا الرأي جانب بعض الصحة إلى أن الحديث عن الثورة يقتضي الحديث عن مراحلها الثلاثة[lx]. بدءاً من مرحلة قيام الثورة Revolutionary origins، إلى الخطوات العملية للثورة Revolutionary Processes ، ثم في الأخير عواقب أو نتائج الثورة  Revolutionary Outcome.

يركز أغلب الباحثين على المرحلة الأولى مع إهمال مقصود أو عدم متابعة لبقية أطوارها، هذا ما يؤدي بنا إلى القول بأن المراد بالثورة هي الثورة المكتملة التي يكون هدفها الحرية حسب تعبير كوندرسيه[lxi]، الثورة التي تنهي قصة قديمة، وتبدأ قصة جديدة لم ترو سابقاً، فهي على وشك أن تظهر[lxii]. الثورة التي تنقلنا فجأة إلى كوكب آخر حيث تبدو الموضوعات التقليدية في ضوء مغاير وقد ارتبطت في الوقت ذاته بموضوعات أخرى غير مألوفة[lxiii]، أي الخروج من الوضع القائم نحو وضع أفضل منه، فما فائدة إطلاق صفة الثورة على تحول معين أدى إلى وضع أسوأ من الوضع الذي تم الانقلاب عليه، ففي هذه الحالة يصبح الوضع القائم حتى ولو كان سيئاً أفضل من الثورة عليه.

     لذا يميل الكثير من الباحثين إلى اعتبار أن ما يميز الثورات عن مجرد التغيير الحكومي هو بعدها الاجتماعي المرتبط بنشأة نظام اقتصادي بديل، والرأي هذا من تقاليد البحث الماركسي، الذي لا يرى إلا ثورتين فقط بهذا المعنى؛ وهي ثورة الفرنسية 1789، والثورة البلشفيى1917[lxiv].

     إلا ان انتفاء التغيير الاجتماعي لا ينفي صفة الثورة، ذلك أن ثورات القرن الواحد والعشرين تختلف عن مثيلاتها في القرنين التاسع عشر والعشرين، فالثورات الكبرى في القرنين السابقين مرتبطة بمطالب التغيير الجذري، والكامل لشكل النظام السياسي، كالانتقال من الملكية الى الجمهورية، كما هو الحال بالنسبة للثورة الفرنسية والإيرانية.

     أما ثورات القرن الواحد والعشرين فهي لا تؤدي بالضرورة إلى إحداث تغيير جذري، فهي قد تحدث تغييراً محدوداً يكون على مستوى أدنى من التغيير الاجتماعي، الذي قد يصيب رأس النظام الحاكم، والذي بدوره قد يؤدي إلى التغيير على المدى البعيد، ومنه فإن الثورة هي صيرورة طويلة لا تقتصر على المرحلة الأولى منها، وإنما تتجاذبها صراعات بين النخب التقليدية، التي تستند على إرث طويل من الممارسة السياسية، وبين النخب الجديدة المتطلعة إلى التغيير في بنية النظام. وتستمر أطوار التجاذب عبر مراحل الثورة إلى غاية إحداث التغيير الاجتماعي، وبالتالي فالمفهوم الماركسي الذي لا يرى سوى الثورة الفرنسية والبلشفية، تقابله أطروحات ثورية أكثر دلالة وتطوراً من نموذج الثورة الفرنسية والبلشفية، حيث أن هناك اجتهادات كثيرة ومتضاربة تشكل مواضيع اختلاف عميقة بين أصحابها، كلها اهتمت بجانب معين من جوانب الثورة.

ومن نافلة القول أن الثورات لا تهدف كلها إلى تحقيق الديمقراطية لكن ” ثورات الربيع العربي” التي نشبت أواخر 2010 وبداية 2011 رفعت جميعها شعار الديمقراطية، فكان بالتالي هدف الربيع العربي هو التوق إلى الديمقراطية[lxv]. من هنا يبقى الإشكال المطروح هو هل حقق سقوط الأنظمة في بعض البلدان العربية، وما ترتب على ذلك من نتائج إلى يومنا هذا؛ هل اندرج ذلك ضمن المسار الصحيح للانتقال الديمقراطي ؟

       كتب عبد الرحمن البدوي كتابين؛ الأول بعنوان ” ربيع الفكر اليوناني”[lxvi]، كناية على الازدهار وسطوع نجم الحضارة اليونانية، والثاني بعنوان ” خريف الفكر اليوناني”[lxvii]،  كدلالة على ذبول وأفول هذه الحضارة. ولا شك أن الربيع ينطوي على شاعرية تخيّلية تحمل دلالات إيجابية، فالربيع بالمفهوم الموسمي يعني تفتح الزهور بعد موسم كئيب. فما دلالة ذلك عند الحديث عن الربيع بالمفهوم السياسي ؟

كتب “بن زيمر  Ben Zimmer “، “أن الربيع وفصل الربيع كان لها تاريخ طويل من استخدام للإشارة إلى فترات متفائلة من التحول السياسي”[lxviii]، فمصطلح الربيع غالباً ما يعبر عن التوق إلى الحرية السياسية والاجتماعية والاقتصادية في بلدان قضت فترات طويلة من الحكم الاستبدادي[lxix]، والربيع العربي لا يخرج عن هذا السياق، خاصة في زخمه وروحه الشبابية التي أعطت آمالاً في تغيير الواقع الراهن؛ كما كان عاملاً محفزاً للتغيير السياسي الجذري[lxx]، ذلك أنه اندرج ضمن “التوقعات المأمولة” حول ما ستؤول إليه الأحداث من بناء أنظمة ديمقراطية وشفافة، من هنا نجد أن إبراهيم أبو شريف يدرج الربيع العربي باعتباره تفكيراً بالتمني لتحول تلك الانتفاضات إلى حركة تؤسس للديمقراطية في المنطقة[lxxi].

حققت التحولات السياسية العربية مجموعة من النتائج الإيجابية التي لا يمكن إنكارها بأي حال من الأحوال، وهي حدوث نقلة نوعية في مستوى وعي الشعوب، وهي انتقال الخوف من الشعب الذي كان يوصف بالسلبية إلى النظام السياسي، فقضى بالتالي على مشروع التوريث الذي كان هدف أكثر من نظام سياسي عربي، كما نجح أيضاً في فرض واقع جديد على المشهد السياسي العربي، ما اضطر بالأنظمة لفتح ملفات الإصلاح المغيبة والمؤجلة لعقود من الزمن، ما ساهم في دفع عجلة الحريات، ومن ثم إجراء أول انتخابات على قدر كبير من الشفافية كما هو الحال في مصر وتونس، لتفتح بذلك مرحلة جديدة من الممارسة الديمقراطية التي أدخلت فواعل جديدة (الرأي العام، الإعلام الجديد، النقابات المستقلة، التنظيمات الشبابية) على خط التماس مع النظام السياسي.

إلا أن الديمقراطية، لا تقتصر على الإجراءات الشكلية، وبالتالي هي عملية معقدة تستلزم مرحلة انتقالية. من هنا نجد الفرق بين الديمقراطية وبين التحول الديمقراطي، ذلك أن هذا الأخير هو مسار يضم مجموعة من المراحل من بينها الانتقال الديمقراطي للوصول إلى المحطة الأخيرة المتمثلة في الترسيخ الديمقراطي. وترافق كل عملية نحو التحول للمسار الديمقراطي، وضع خارطة تفضي إلى عقد اجتماعي، يحقق الممارسة الديمقراطية ويحفظ ما أصبح يصطلح عليه بالحقوق السياسية للمواطنين، تراعي من خلاله عملية التحول كل الخطوط الاجتماعية وما تحتويه من خصوصيات ثقافية ودينية وتاريخية، إضافة إلى الخط السياسي الضامن لعملية البناء الديمقراطي ومراحله المختلفة كما حددتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنميةOECD  [lxxii].

كما أن أي ثورة لها سيرورتين متلازمتين؛ الأولى هي إسقاط النظام القديم، والثانية بناء بديل جديد، وبين المرحلة الأولى والثانية هناك مرحلة انتقالية تقتضي نوعاً من الوحدة الوطنية وإحداث نوع من التوافق حول المبادئ الديمقراطية، مما يعني على الأحزاب السياسية تأجيل مشاريعها الأيديولوجية تجنباً للانقسام السياسي في فترة حرجة قد تؤدي إلى سيناريوهات خطيرة. كما قد تؤدي إلى الارتداد للوضع السابق. وفي حالات معينة كمصر مثلاً؛ احتدم الصراع بين الأحزاب قبل الاتفاق على مبادئ الديمقراطية وقبل التزام المسؤولية الجماعية عن إنجاح المرحلة الانتقالية[lxxiii].

 نتيجة لذلك بدأت المنافسة المبكرة بين قوى المعارضة، فتحول خصم الرئيس إلى الحزب المنافس وليس النظام القديم[lxxiv]، فاستغل هذا الأخير الفرصة ليستميل المعارضة إلى صفوفه ليجد نفسه في ثوب جديد، لينقلب في الأخير على نظام منتخب ديمقراطياً، فأصبح الحديث في هذه الحالة عن إرادتين؛ إرادة شعبية مجسدة في حكم الإخوان الذين جاؤوا عن طريق انتخابات ديمقراطية، وبين انقلاب عسكري يدّعي أنه ممثل للإرادة الشعبية، ولا يوجد توصيف محدد لهذا الانقلاب إلا وصف الثورة المضادة ضد ثورة ديمقراطية في مهدها.

بالتالي إن إسقاط النظام هو شرط مسبق للتوجه نحو مسارات البناء الصحيحة، لكنه ليس ضماناً للديمقراطية؛ وبالتالي فإن الانتقال من القابلية للثورة إلى القابلية للتطبيق الديمقراطي[lxxv] يقتضي التدرج في مراحل البناء الديمقراطي الذي يعتبر آخر مرحلة من مراحل البناء الشاملة. وبالنظر الى تطورات الأحداث في السنوات الخمسة الأخيرة نجد أنه لم يتم احترام المسار المتدرج لهذا البناء، خاصة في الدول التي تعاني هشاشة في أدائها الوظيفي، حيث لم تأخذ بعين الاعتبار  بنية المجتمع وخطر تفككه في حال انتقل إلى التعددية السياسية قبل اكتمال عملية بناء الأمة[lxxvi]، واندماج كل الفئات المجتمعية في سياق سياسي اجتماعي ناظم. ففي الحالة الليبية على سبيل المثال، نجد الواقع أكثر تعقيداً مما يتصور؛ فعقب سقوط النظام القذافي اتجهت أنظار الكل نحو نظام سياسي أكثر عدلاً، ومشاركة سياسية حقيقية عكس طروحات النظام السابق (فكرة المؤتمرات الشعبية)، التي كانت نتائجها وضع شبيه باللادولة واللانظام.

     بالتالي فبدل الحفاظ على الحد الأدنى من مؤسسات الجيش ومختلف الفروع الأمنية ودمجها في سياق جديد، لتكون دعامة السلطة الجديدة، فقد تم تدميرها وتفكيكها، هذا ما جعل السلطة المنتخبة منكشفة تماماً أمام مختلف الجماعات والميليشيات[lxxvii]، والتي فرضت منطقها على الجميع ما أدخل ليبيا في احتراب مناطقي أكثر تعقيداً؛ والذي تعمق أكثر باتجاه أطرافه نحو مأسسته تشريعياً وتنفيذياً وعسكرياً.

     وفي ظل واقع مجتمعي يتسم بالانتماءات الأولية، وتهديد التنظيمات المسلحة. كل ذلك يؤشر أن بناء ليبيا الجديدة أصبح أمل بعيد المنال في ظل واقع صعب يتطلب توافق ووحدة مشتركة للوصول بالمرحلة الانتقالية إلى نوع من الاستقرار، لذلك فإن طريق الانتقال الأفضل إلى الديمقراطية في مثل هذه الدول هو الإصلاح المتدرج، فالثورة تحمل في ثناياه مخاطر تحول مفهوم حكم الأكثرية إلى حكم الطائفة الكبرى أو الأثنية المحرومة أو الأكثرية المظلومة الأمر الذي يهددها هي ذاتها بالانقسام لأن الهوية إذا أصبحت هي معيار الحقوق السياسية لا تبقى جماعة واحدة غير مهددة بالانقسام[lxxviii].

وما ينطبق على ليبيا يسري على اليمن هو الآخر الذي لازال يراوح مكانه في وضع أقل ما يقال عنه أنه انحدار في اتجاه فشل الدولة، فالسلطة مقسمة واللجان الشعبية موازية للجيش المتعدد الولاءات، وكذا دعوات الانفصال الجنوبية القديمة والمتجددة، والذي أزم ذلك صعود الحوثيين في المشهد السياسي، وفرض منطقهم على السلطة الحاكمة التي بدت ساكنة أمام الصعود المفاجئ لهم، مع تهديدات تنظيم القاعدة، وكل ذلك في ظل علو منطق القبيلة على منطق الدولة.

بالنسبة لسوريا التي دخلت عامها التاسع، يمكن القول أنها الحالة الأكثر عنفاً من حالات الدول التي شهدت تحولات سياسية؛ باتجاه الفوضى العامة التي بدأت سليمة لكنها تحولت فتكاً بالأرواح، تميزها حرب أهلية، وصعوبة الحسم بين أطراف الصراع، ومع تفاقم الأزمة، كل ذلك في ظل فشل مبادرات الحل السياسي، فأصبح السلاح والقوة هما الحاسم في الميدان أمام تناقض المصالح بين القوى الدولية والإقليمية في مقاربتها للحل، هذا ما أطال أمد الأزمة، ونجاح النظام السوري في تغيير أولويات القوى الدولية والإقليمية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية من إسقاط النظام إلى مكافحة الإرهاب خاصة مع صعود تنظيم الدولة ثم تراجعه، فأصبح نظام الأسد وفق هذا المنظور يشكل دعامة للاستقرار وحافظاً له بدل من إسقاطه الذي قد يشكل سيناريوهات خطيرة على المنطقة.

أما بالنسبة لتونس فقد شكلت الاستثناء نوعاً ما؛ كأول شرارة للتحولات السياسية، وأيضاً الاستثناء بأن أوجدت في النهاية مساراً ديمقراطياً بعيداً عن تدخل الجيش الذي انقلب على الديمقراطية؛ كما هو الحال بالنسبة لمصر، وانحراف مسار الأحداث نحو الفوضى كما هو الحال في سوريا، أو الاستقطاب القلبي والطائفي كما هو الحال بالنسبة لليبيا واليمن.

وبالابتعاد عن ثنائية الفشل والنجاح في حوصلة ما سميّ بالربيع العربي والنظر إلى وقائع الأحداث في سوريا واليمن وليبيا؛ يمكن القول بأن الربيع العربي تحول إلى شتاء عربي عاصف، وأن الحلم العربي بالتوق إلى الديمقراطية أصبح في حكم المؤجل، ما يؤدي إلى التساؤل؛ هل كان الوضع أفضل في ظل الأنظمة الاستبدادية لو لم تحصل هذه التحولات.

       تؤشر التطورات التي شهدتها المنطقة العربية خلال عشر سنوات إلى أننا أمام واقع ثورة حقيقية، إلا أن هذه الثورة كما قلنا لا تقاس بالحشود والمظاهرات أو بلحظة خروج الشعب لمختلف الميادين، بعبارة أخرى أن الثورة لا تقاس بالبدايات وإنما بالنهايات ومآلاتها. بالتالي يمكن القول أن القابلية للثورة في الحالة العربية أحدثت حالة ثورية غير مكتملة. ذلك أن ” ثورات الربيع العربي” رفعت جميعها شعار التغيير، فكان الربيع العربي هو التوق إلى الديمقراطية؛ ورغم أن إسقاط النظام القديم كان بمثابة توجه نحو مسار البناء الصحيح إلا أن الحلم العربي بالوصول إلى الديمقراطية تأجل مرة أخرى.

      ولأجل تأسيس الحراك الاجتماعي سياسياً عبر إعادة تشكيل العلاقة التاريخية بين النظام والحكم يستلزم هذا انتقال الحركات الثورية ذات الطابع العفوي والغير المنظم نحو هيكلية مؤسسية، هذه الأخيرة تعتبر بمثابة الفجوة المفقودة في عملية التحول السياسي التي شهدتها المنطقة العربية، أي ان إضفاء الطابع المؤسسي (Institutionalization) على الحركات الاجتماعية بعد سقوط النظام القديم، يعني تقليدياً تحويل زخم الحركات الاجتماعية والشبكات الفاعلة فيه نحو تنظيم رسمي بعيداً عن جذورها الراديكالية.

     ومن أجل ترسيخ أفضل لتأثير الحركات الاجتماعية، يقتضي كمرحلة لاحقة جعل عملية المأسسة هي الأخرى بمثابة حركة اجتماعية؛ أي تصبح كظاهرة، ويكون ذلك بالتركيز على المؤسسات ليس كمعطى ثابت، بل باعتبارها كعملية تتطور باستمرار (التسييس التدريجي)، في اتجاه إعادة الترتيب المستمر للمؤسسات نحو تركيز سياسي معين.

      وفي خضم عملية التسييس التدريجي للحركات الاجتماعية، عادة ما تشهد عملية التحول في بدايتها حالات من الصراع وعدم الاستقرار كنوع من ” الثورة المضادة” الهادفة إلى تعطيل نسق التغيير وواقع ما بعد الثورة، واستعادته نحو واقع ما قبل الثورة، ذلك لما يشكله الوضع الجديد من تهديد لمصالحها وضبط مجالات نفوذها[lxxix]. والحديث هنا عن الصراع بين النخب القديمة الموالية للنظام السابق والنخب الجديدة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى؛ فمن غير المستبعد أيضاً ظهور نضالات وصراعات اجتماعية موازية وهي حالة طبيعية؛ كون أن الحركة الاجتماعية الصاعدة لم يتم تأسيسها بالكامل وهي دائماً مفتوحة أمام صراعات سواء بين أعضائها أو بين جماعات أخرى. بالتالي فلأجل الدفع بالمسار الديمقراطي إلى حدوده القصوى، فإن على الحركة الاجتماعية مسؤولية تاريخية لتكون مركز جذب جديد؛ وبالتالي هي أمام خيارين؛ إما تقديم تنازلات للحركات الاجتماعية والجهات الفاعلة التي يربطها هدف إسقاط النظام وتكون في شكل تحالف أخلاقي عابر للأيديولوجيات Shaping cross-ideological movement، وإما السعي نحو المنافسة الأيديولوجية المبكرة لأجل كسب الهيمنة مما يؤدي إلى إنتاج الممارسات الاستبدادية السابقة كنمط جديد. وبالتالي لا يجب أن تنحصر عملية المأسسة ضد المؤسسات والهياكل القائمة فقط، بل يجب أن تشمل أيضا الحركات الاجتماعية الجديدة (التي ظهرت هي الأخرى في خضم الثورة)، بعبارة أخرى فإن مسؤولية الحركة الاجتماعية المهيمنة هي، أولاً؛ العمل على تفكيك الممارسات الاستبدادية السابقة من خلال إنتاج ممارسات مؤسسية جديدة، ومن جهة ثانية السعي  إلى تشكيل كتلة حرجة عبر توحيد باقي الحركات الاجتماعية التي أفرزتها الثورة من خلال مشروع سياسي مشترك، تتم فيه مأسسة الاختلافات في الرؤى والمشاريع السياسية الأخرى باعتبارها روافد نضالية مختلفة.

خاتمة

     من القضايا المركزية في استراتيجية الأنظمة المستبدة هي تحييد المؤسسات التي كان يعتقد أنها اقوى الأسلحة ضد الاستبداد المتجدد. إلى جانب ذلك الاستيلاء التدريجي على المؤسسات التي تدعم التعددية السياسية، بهدف الهيمنة ليس فقط على السلطة التنفيذية والتشريعية، بل تشمل أيضا السلطة القضائية، ووسائل الاعلام، والمجتمع المدني، بالإضافة إلى الأجهزة الأمنية. بالتالي فمع وجود كل هذه المؤسسات تحت السيطرة الفعلية للنظام الحاكم، فإنه من المستبعد احتمالية حدوث انشقاق داخلي، كما أن التغييرات في الحكم من خلال انتخابات نزيهة تصبح شبه مستحيلة. ذلك أن هدف الإجراءات السلطوية، هو منع النظام الحاكم أو الحزب الحاكم من الهزيمة مستقبلاً. بناء على ذلك، فإنه من بين التكتيكات الجديدة التي يجب أخذها بعين الاعتبار بالنسبة للتسييس التدريجي للحركات الاجتماعية كنموذج بديل هو الاستفادة من استراتيجية الاستدامة التي انتهجتها الأنظمة المستبدة عبر نمط ثوري موازي يحل محل السلطوية المتآكلة (ولكن بنقيض أهدافها). ليصبح التحول بمفهومه البسيط هو الانتقال من نظام سياسي يتميز بخصوصيات ومميزات معينة نحو نظام سياسي آخر يتميز بأسس وقيم سياسية وآليات تميزه عن النظام السابق، والتحول بهذا المعنى يطرح تساؤلاً مهماً  وهو التحول من ماذا ؟ وإلى ماذا؟ بالتالي فإن البدء في إحداث تحول سياسي من خلال سقوط شرعية الأنظمة التسلطية لا يعني بالضرورة بروز الشرعية الديمقراطية، بل يعني الانفتاح على تغيير قواعد العمل السياسي. كما تعني تحولات في الاتجاه المضاد لذلك. بالتالي فإن مأسسة الثورة هي الحلقة الأكثر أهمية والتي يجب أخذها في عين الاعتبار في عملية التحول الثوري.

اترك تعليقاً