إيفاء الكيل والأداء في العقود  والمعاملات (ثم توصية لحل الخلافات)

طاهر صيام-دراسات إسلامية الجامعة الأمريكية معهد العلوم الاسلامية واشنطن

حينما تظهر الفاقة، أو تكسد الأسواق، وتلقي المحن أثقالها، قد تزل أقدام ثابتة، أو يروع الشيطان بعض القلوب خوفا من نقص الرزق، وقد يصول إبليس تلبيسا بالحيل النفسية والتخريجات غير الشرعية، فتصبح الحاجة لهذا الفقه العظيم أشد وأوضح، فكل طرف قد يستشعر ويكبر عنده ما  له ويستصغر ما عليه إلا من رحم الله تعالى.  

إن الوفاء وحسن الأداء لعموم الحقوق – كانت عقدًا أو  وعدًا منطوقًا أو مكتوبًا – واجب من أهم الواجبات الشرعية وديدن عام عند الرسل والصحابة والصالحين يستحق أن ينبه عليه مرارًا – قولا وفعلا وقدوة – خصوصًا في وقت الشدة واختلاط الأحوال لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُود}

والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب عند أهل التفسير.

ولقوله تعالى: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا}

قال السعدي في تفسيره: ويؤخذ من عموم المعنى النهي عن كل غش في ثمن أو مثمن أو معقود عليهوالأمر بالنصح والصدق في المعاملة. {ذَلِكَ خَيْرٌ} من عدمه {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا} أي: أحسن عاقبة به يسلم العبد من التبعات وبه تنزل البركة.

قال الطبري في تفسيره: يقول تعالى: {أوْفُوا الكَيْلَ} للناس {إِذَا كِلْتُمْ} لهم حقوقهم قِبَلَكم، ولا تبخَسُوهم {وَزِنُوا بالقِسْطاس المُسْتَقِيمِ}: وقَضَى أن زنوا أيضا إذا وزنتم لهم بالميزان المستقيم، وهو العدل الذي لا اعوجاج فيه، ولا دَغَل، ولا خديعة.

وقال تعالى منذرا: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ. الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ. وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ. أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ}.

كيف لا يكون الوفاء – قيمة وجودة وعملا – دأب الصالحين وهاجسهم وهو نقيض للتطفيف وعاقبة الويل، ومما كتبه الله تعالى على الأمة من الإحسان كما في مسلم ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء)).

إنَّ هذا المبدأ الرصين مقرر في الكتاب والسنه ويشمل (البيوع) و(الخدمات) و(المعاملات) على حد سواء.

ومن أجل هذا جعل الرسول صلى الله عليه وسلم الصدق وصلاح النية والبيان أساس في توفيق الطرفين فعن حكيم بن حزام – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ((البيِّعانِ بالخيار ما لم يتفرَّقا، فإن صدقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما)) – متفق عليه.

وفي هذا التوجيه النبوي قطع لموارد التحايل، واستغلال شدة الحاجة، وإخفاء العيوب والنوايا كمن يسمن شاته بالماء قبل عرضها للبيع.

وتاليا رحلة في هذا الباب العظيم كتابا وسنة وأثرا وفقها

1) إيفاء الكيل على أحسن وجه، بل وزيادته نهج وخلق نبوي رفيع كما في قصة موسى مع شعيب عليهما السلام في قوله تعالى: {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ}

قال جمهور المفسرين كالطبري وابن كثير أنه أتم عشرا – أطبق المفسرون على الزيادة – وأوردوا روايات كثيره عن ابن عباس أنه قال: أتم خيرهما وأكملهما وأطيبهما.

وهناك موقفا نبويا زكيا آخر، فقد أورد الإمام مسلم في صحيحه، عن أبي رافع – رضي الله عنه – قال: استسلف رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بكرا فجاءته إبل من الصدقة. قال أبو رافع: فأمرني أن أقضي الرجل بكره. فقلت: لا أجد إلا جملا خيارا رباعيا. فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم:   ((أعطه إياه فإن خير الناس أحسنهم قضاء ))

كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل تاجر:  (( زن وأرجح ))، رواه الترمذي وابن ماجه والنسائي عن سويد بن قيس – صححه الألباني.

 ولا شك أن الشرع هنا يتناول المبدأ وليس مجرد صورة الميزان المبسطة، فالأحكام تدور مع العلل وجودًا وعدمًا.

وهذا قبس آخر من قصة يوسف عليه السلام. قال تعالى: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ}.

قال الإمام البغوي في تفسره: للآية {فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَأَيْ: أعط لنا مَا كُنْتَ تُعْطِينَا قَبْلُ بِالثَّمَنِ الْجَيِّدِ الْوَافِي، ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾، أَيْ: تَفَضَّلْ عَلَيْنَا بِمَا بَيْنَ الثَّمَنَيْنِ الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ وَلَا تَنْقُصْنَا. هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ

2) لقد توقف المفسرون كثيرا عند مطلع سورة الطلاق – تتعلق بالمعاملات والحقوق – وكيف عطف الله تعالى على ذكر الطلاق الموعظة بالتقوى ثلاث مرات في قوله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا}.

3) و لا يزال السلف والصالحون وأهل التجارة الأخيار تروى سيرهم في إكمال العطاء بل والتحلل من أي عيب خفي بالزيادة، وهذا (فقه عظيم) دأب عليه واستشعره أهل القلوب الحية حيطة أو من باب الورع في أحسن حال.

ويرى كذلك الصالحون في حسن الأداء والزيادة طريقة أخرى – فضلا عن الزكاة الواجبة – لتنظيف أصل المال من غبار الحرام مما لم يحترز منه علاوة على تنميته ومباركته وحمايته من الهلكة…

وهذا فقه عظيم مأخوذ من قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِم}.

لهذا وصف الرسول صلى الله عليه وسلم ((الصدقات بأنها أوساخ الناس))فهي كغسيل الدرن. ففي صحيح مسلم عن عبدالمطلب بن ربيعة بن الحارث قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ((إنَّ الصدقة لا تنبغي لآل محمدٍ، إنما هي أوساخ الناس)).

4)أما سير الصحابة والصالحين في هذا الباب فمستفيضة. فقد ذكر ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : الدين النصيحة :

أن الصحابي الجليل جرير بن عبد الله البجلي – رضي الله عنه – اشترى فرسًا بأربعمئة دراهم، فقال لصاحب الفرس: بكم بعته؟ قال: بأربعمئة درهم، قال: أتريد أن تكون خمسًا، قال: نعم، قال: وستًا، قال: نعم، قال: وسبعًا، قال: نعم، قال: وثمانيًا، قال: نعم، قال: خذ ثمانمائة فإني بايعت رسول الله عليه الصلاة والسلام على النصح لكل مسلم.

5) وقفة لا بد منها مع أكثر أسباب الخلافات والتفريط في الحقوق، وهو مورد مهلك يقع فيه بعض الصالحين كثيرا، ألا وهو عدم قيام صاحب العقد أو العمل الأساسي – كالملاك وأرباب المصانع والتجارات وغيرهم – بمعاينة الوفاء وحسن الأداء.

(بنفسه) قبل وبعد وقوع الخلاف أو الشكوى، وذلك غالبا لتوكيله أو تسليمه الشأن لمساعديه، ويصبح الأمر أصعب إن كان من المقربين أو الأقارب، فقد لا يقبل صرفا ولا عدلا أو يسرف بالثقة دون معاينة متواصله وتحقق، فغالب ما قد يركن إليه هو النقل المعنعن – لهوى خفي في النفس و عاطفة أو كسل – وقد يتنبه لذلك متأخرًا و تناله دعوة مكلوم.

و دعونا نقف هنا أمام شاهد عملي وعبرة جليله من – عمر بن عبدالعزيز – وحسن قيامه على الشؤون وعدم ركونه للمساعدين دون رقابة أو ثقة مطلقة :

فعن عنبسة بن غصن قال: كان وهب بن منبه على بيت مال اليمن، قال: فكتب إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: إني فقدت من بيت مال المسلمين ديناراً ” قال: فكتب إليه:” إني لا أتهم دينك ولا أمانتك، ولكن أتهم تضييعك وتفريطك، وأنا حجيج المسلمين في أموالهم، ولأخسهم عليك أن تحلف والسلام !!

وهذا يقودنا الى التوجيه الرباني في كل شؤون الخلاف وأداء الحقوق واتهام النفس.

إذ يقول الله تعالى في التنزيل : {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} (سورة النساء الآيه 135).

و عليه فقد أمر الشارع سبحانه الأمة بضرورة إقامة العدل، وشرط فيه أن يكون عدلا خالصا لا يشوبه شيء من المصلحة والهوى أو العاطفة.

وقد تضمنت الآية مقصدا عظيما في الشريعة الإسلامية، وهو العدل بعبارة جامعة: أعط كل ذي حق حقه.

 6) ختاما في زمن النوازل همسات لحل الخلاف بين طرفي العقد إن كان لا بد من الفراق:

أخي إن كنت أنت الطرف الأقوى في العقد – كمالك العقار أو صاحب العمل – فهذا أدعى أن تنصف حال الطرف الأضعف فلا تسكثرن خسارتك فالتجارة مبناها البركة والتوفيق وأنت أقدر على تحملها فلن تمس غالبا قوت يومك ولا تستقلن خسارة الطرف الأضعف فقد يصل الأمر لقوت أطفاله وضرورات الصحة فسدد وقارب… فأمسك بمعروف يا رعاك الله أو سرح بإحسان.

أما الطرف الأضعف فأهمس له: لا يحملنك ضعفك على طلبك ما ليس حقا لك أو الغمط وسوء الظن واعذر فيما هو موضع خلاف معقول ولا يحملنك ضعفك أو حتى وجود حق لك على التشهير أو الإستطالة في العرض.

قال تعالى في سورة ص في الآية 24: {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ}.

واحرص على حسن المخرج والتفاهم الودي خصوصا في وقت العسرة وإفساح المجال للتفاهم معمول به كأول خطوة في حل الخلافات حتى في العقود العالميه والتحكيم في عقود  FIDIC الدولية و هي المعتمده في المشاريع في غالب الدول وغيرها.

قال تعالى: {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.

اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلي اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

* مهندس عقود المشاريع الهندسية الدوليه والمطالبات في أرامكو  ومعادن و SHELL وهيئة موانئ قطر. معتمد من جمعية العقود الهندسيه الأوروبيه ومعهد إدارة المشاريع وجمعية هندسة والقيمة والجودة في أمريكا. دراسات إسلاميه – الجامعة الأمريكية ومعهد العلوم الإسلاميه واشنطن التابع لجامعة الإمام في موضوعي مقاصد الشريعه وفقه الأسره والجاليات المسلمه.

 

 

 

 

مركز المجدد للأبحاث والدراسات

One Comment

  • يقول أحمد الأنصاري:

    بوركتم . موضوع الساعه و عرض شرعي و عملي موفق مربوطا بالواقع . التوصيه في الخاتمه لحل الخلافات موفقه .

اترك تعليقاً