ما قبل كورونا وما بعدها

نزهة بوعزة، أستاذة فلسفة، باحثة سلك دكتوراه تخصص فلسفة، المملكة المغربية.

 

نحتمي اليوم بأسقف منازلنا فزعا من خطر نجهل سبل مواجهته لكن، الأمر لا يمنع من رفع حجرنا الفكري والتأمل في واقع تجربتنا الراهنة، لعل المستقبل لا يمنحنا جميعا فرصة هذا التأمل المسكون بالخوف والفزع، والحنين للعودة للوراء أو على الأقل التمكن من الانفلات نحو الأمام بعيدا عما نعيشه اليوم.

إذ أننا نعيش أمام عجزنا الصامت إزاء ما يجري، بل لم نستوعب بعد كيف وقع كل هذا إلى أن صرنا نسمع وفاة الآلاف خلال بضعة أيام، خسائر خلاصتها حدث لا متوّقع، والحدث اللَّامنتظر يحتاج بالضرورة للوقت الكاف لاستيعابه قبل تحقُّق مطلب تجاوزه، أو تحقُّق إمكانية استيعابه بشكل كاف. ما يثير الانتباه اليوم أنه قد شاع بعض المصطلحات من قبيل، ما قبل كورونا وما بعد كورونا، وكأننا نعيش فترة بينية تتوسط الما قبل وذاك الما بعد القادم، هذا التصنيف: ألا يجعلنا نصف حاضرنا الراهن بصفة الثبات والسكون، كأننا بزمن ميِّت يفصل الزمن السائر ويعطل حركته؟

    ما هو أكيد أننا نظل اليوم قابعين ببيوتنا مسلوبي القدرة على مواجهة هذه الجائحة، مسلوبي القدرة على المضي إلى الما بعد، فكل ما نملكه هو محاولة القيام بحصر وتقليص تسارع هذا الفيروس عبر عملية الهروب والاحتماء بالأسقف المغلفة.

  في واقع الأمر نحن نفتقد معنى نُعبِرُ به عما نعيشه اليوم، فحتى وإن كان الأمر لا يحمل معنى، فإننا نصرُّ على إضفاء معنى ما، إذ فقدان المعنى إزاء زمن معاش لا يصنف ضمن التاريخ بل يعمل على تقطيع التاريخ داخل التاريخ ذاته، إذ القول بغياب المعنى يأتي كنتيجة لوجود معنى ما سابق عايشناه وعلى أساسه بنيَّت انتظاراتنا المستقبلية.

    الأمر الذي يضعنا أمام مقطعين: المعنى الذي كنا نملكه في الماضي وما يحملهُ رَاهنُنَا من خوف لفقدان هذا المعنى، والضرورة التي يحملها الراهن في إيجاد معنى جديد، إذن، نحن إزاء لحظة تتوسط المعنى المفقود والمعنى المنتظر الذي يدخل في إطار التكهنات الممكنة، مادام أن الحاضر يظل متربصًا باللَّامتوقع واللَّامُنتظر عاملا على خلق فجوة يصعب ردمها داخل الزمن التاريخي ذاته، فبين مجال الفعل الحاضر وامتداد انتظاراتنا الناتج عن هذا الفعل، هناك بالضبط حيث يتولَّد إن جاز لنا القول بوادر الزمن التاريخي الجديد الذي تولد من حيثيات أزمة حاضرنا التي عملت على تكسير مسارنا التنبئي لصَّيرورة التاريخية قبل واقع الجائحة.

 مما يفقد الزمن الراهن معناه، إذ ليس الحدث المتمثل اليوم في وباء كورونا في حد ذاته من يحمل غاياته القادرة على إرباك مسار التاريخ البشري، بل بنية الحدث الزمنية المتعلقة باختفاء أو انتهاء صلاحية معانيه وولادة أخرى، محدثة بذلك قطائع وكسور على مستوى الخط الزمني، فيصير بذلك الماضي متوقعًا في الما وراء منفصلًا عن الحدث، وهنا تحضر آلية توظيفه بشكل دائم كما لو كنا في دائرة هوس نوستالجي يتغنى ويحن لما كان عليه سابقا، هذا السابق الذي لم يعد متاحا اليوم.

    هذا الأمر لا ينفي استمرارية التاريخ، إذ لا أفق نهائي يرسم سقفًا نهائيا للتاريخ، لأن التاريخ بعد بشري، ومادام البشر مستمرون فالتاريخ سيمضي بدون توقف، بغض النظر عن نمط أو طبيعة هذا المضي، هذا الإيمان الراسخ اتجاه مسار التاريخ البشري هو ناتج عن إيمان مشترك بين البشر في قدرة العلم على إيجاد لقاح ناجع لمواجهة هذا الفيروس، إيمان يحمله حتى من انزاح  خوفا وعجزا نحو روحانيات استنجادية تمنح معنى لما نمر به، طوق نجاة من سماء بقدرات تفوق القدرات البشرية العاجزة في راهنها، وهو انتظار مرتبط بطبيعة الكائن البشري بالأساس، أملًا بتحقيق استمرارية هنا، وإن غاب أمل الاستمرار هنا يستحضر الوعد بالخلود هناك، وهو أمر لا يرتبط بمجتمع بعينه بل هي ظاهرة تخص كل المجتمعات بأنماط متفاوتة، غير أن مجتمعاتنا تعيش ازدواجية من ناحية الانتظارات، فحتى وإن كانت واثقة في قدرة العلم على تحقيق نجاة البشرية، فإنها تعلن تفويت أمرها للسماء عجزًا في مخزونها الانتظاري الناتج عن إفلاس مجالها العلمي، وهنا تعيش هذه المجتمعات على وقع نجاح انتظارات الدول الأخرى لا على انتظاراتنا الخاصة بنا، مادام أن المشترك بيننا هو تحقيق النجاة، ففي نجاتهم نجاتنا، وقد يغيب اللقاح في الآجال القريبة  ونضظر أمام إلحاحية متطلبات استمرارية معيشنا اليومي أن نتقبل التعايش مع هذا الوضع لمدة أطول.

خلاصة القول يمكن أن تتمركز في النقط التالية:

  • نعمل على تفسير التاريخ لما قبل وما بعد، وإن كنا نظل نحاول أن نفسره من داخل مساره.

  • نخلق زمن آخر/ زمن ضمن الزمن التاريخي المتحرك ككل/ كأن الزمن الميت يعتبر من مخلفات ومعيقات الزمن التاريخي.

  • ننطلق من حاضرنا لرسم تكهناتنا لما بعد الجائحة كأفق أفضل مما نحن عليه الآن وهو ما نعبر عنه بثقة بالغة في مفردة “إيجاد لقاح”.

  • فجوة انتظارنا لا تحسب ضمن المسار التاريخي لأنها لا تستجيب لمنطق النشاط البشري المحرك لعجلة التاريخ.

  • نعيش اللَّايقين لأننا في خضم تجربة واقعية حيث صرنا نحن فئران مختبر الواقع وقد صارت خارج المختبر الضيق.

  • يظل العلم متأخر عن ملاحقة الفيروس، إذ لتحقيق السيطرة عليه يلزمنا الوقت والوقت يكلفنا المزيد من الأرواح المخبرية وكذا فقدان المزيد مما حققناه سابقا على شتى الميادين، لكنه بالمقابل يمنحنا وجهة جديدة لاستيعاب واقعنا البشري الهش.

  • الانسان لا يقبل الإحساس بأنه يعيش وقتا ميتا خاليا من الفعل الدال على وجوده، لذلك يتم اليوم الاستعانة بالزمن الافتراضي المليء الاحساس بالفراغ، فالفراغ بلا نشاط دال يوازي الموت أو اللَّاحياة.

  • غالبا ما تأتي التغييرات على شكل حالات طارئة يتم اعتمادها لاحقا كأمر عادي، وقد تكون هذه الحالة الطارئة لاستمرار الأنشطة البشرية عن بعد مناسبة لتمريرها كفعالية اعتيادية بعد الجائحة.

 بالنهاية يلزمنا توضيح أن الفيروس لا يحكمنا بما هو عليه، بل يحكمنا عجزنا الحالي عن محاربته وإيقافه، فبالتأكيد سينتهي الأمر بإيجاد لقاح له لكن، ما نعيشه وما سنعيشه قبل ذلك هو عجز نهرب به للاحتماء بأسقفنا الضيقة تاركين شساعة الفضاء العمومي الذي هجرناه خوفا وفزعا من لقاء شبيهنا الذي قد يشكل نفيا لنا أو قد نكون سببا في نفيه، لذلك نلتزم بحيلتنا الوحيدة المتاحة لنا اليوم القائمة على اشتراط التباعد الاجتماعي فيما يخص علاقتنا بهذا الآخر ونحتمي داخل جحرنا عازلين خطرنا المحتمل عن الآخر وخطر الآخر عنا.

 

 

 

مركز المجدد للبحوث والدراسات

6 تعليق

اترك تعليقاً