جائحة كورونا: فلاسفة في العُزلة!

دكتور/ صلاح عثمان.

أستاذ المنطق وفلسفة العلم – رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة المنوفية – جمهورية مصر العربية. 

    كان يمشي في الأرض مرحًا، مُصعرًا خده للطبيعة، ومُنتشيًا برفاهيات حضاراته؛ أو يخطو فوق أديمها مهمومًا بضنك العيش، يعتصره ألم البحث عن قوت يومه، قبل أن يُفاجئه الفيروس التاجي ليقلب حياته رأسًا على عقب. إنه الإنسان، ذلك المجهول لنفسه، الجاهل بعلمه، المغرور بعقله، الضعيف بقوته، المتناقض مع ذاته، الفقير بثرواته الضخمة!

    فجأة باتت تعتمل بداخله مشاعر الحيرة والخوف والقلق، تؤرقه تساؤلات تسخر من عجزه الصارخ عن الإجابة عنها: ما أصل هذا الفيروس؟ هل هو نبتٌ طبيعي أم مؤامرة من بني جلدته؟ ما هو أفضل علاج لمكافحته؟ لماذا يحصد الأرواح غير مًبالٍ؟ وكيف يمكن لكائن متناه في الصغر، غير مرئي، أن يشن حربًا ضد البشر بكل هذه القوة في القرن الحادي والعشرين، ورغم كل ما تحقق من تقدمٍ علمي وطبي مذهل؟     

    يعجز العلم عن الإجابة، ويعجز الساسة عن التبرير، ويعجز الدعاة عن المواساة، ويعجز العائل عن حماية رعيته، وينكفئ المرء على نفسه باحثًا عن الإجابات في منطقةٍ فكرية مُهملة: الفلسفة! أجل، فتساؤلات الجائحة تُشبه كثيرًا تلك المنطقة الحدودية التي حدثنا عنها الفيلسوف الألماني «كارل ياسبرز» Karl Jaspers، والتي لا يمكن أن نتجاوزها بالطرقة العلمية والتجريبية، عندها يُواجه المرء خيارين لا ثالث لهما: إما أن يستسلم لأمواج اليأس العاتية، أو يتوضأ من أنهار الحكمة التي تناساها ردحًا طويلاً من الزمن!

    لا شك أن ثمة نظريات عديدة عن أصل الفيروس: بعضهم يعتقد أنه مُنتج بشري تم تخليقه في المختبرات لاستخدامه كسلاح بيولوجي يُعزز الهيمنة، لكنه فرَّ من مخترعيه فأصابهم، سواء عن غير قصد، أو مع سبق الإصرار والترصد؛ وبعضهم يعتقد أنه مجرد أداة تحصنت بها الطبيعة ضد عبث الإنسان وإفساده اللامنقطع في البر والبحر … لكن الفيروس في كل الأحوال يتحدانا بقوة، ويكشف لنا بوحشية عن مدى هشاشتنا، سواء كنا أفرادًا أو جماعات، ويدفعنا إلى إعادة تقييم لحظتنا الوجودية: مَن نحن؟ وما مكاننا في الكون؟ وهل ثمة ما يمكن أن يُهدد بقاءنا كنوعٍ في أي وقت؟! لقد أظهر لنا الفيروس مدى أهمية الحياة، ومدى غباء انخراطنا الدائم في الصراع بدلاً من البحث عن سُبلٍ للتفاهم والتعاون! وعندما ينسحب الجميع في معازلهم، سواء أكانت مختبرات ومشافي تموج بأشرس معارك العلم ضد الفيروس، أو منازل تتضخم فيها مخاوف القدرة على اجتياز الجائحة، تتحول معازل الفلاسفة إلى خلايا فكرية تبسط أشرعة المعنى والمغزى والهدف على الجميع.

    هذا ما نحاول تبيانه في هذا المقال؛ من عزاء الفلسفة للحيارى والقانطين والموجوعين؛ إلى حالة الطبيعة الهوبزية البادية في الأفق وشروط تجاوزها؛ إلى المعضلات الأخلاقية المنبثقة في غيابات التيه الفيروسية الجديدة؛ إلى معنى الوجود والبقاء والهوية؛ إلى العدو المُكتشف والمُنتظَر في عالم كورونا وما بعده: اللامساواة، والعبث بالاستقرار المُناخي!  

    هيا نستطلع معازل الفلاسفة.

أولاً: «سيمون كريتشلي»: مواجهة الموت كسبيل للتحرر والبقاء!

    نحن خائفون، نقف على حافة الهاوية، نفتقد القدرة على التركيز، عقولنا تتأرجح، تقفز مرتجفةً من حدثٍ إلى آخر؛ نتابع أخبار الضحايا الذين يحصدهم الفيروس حصدًا، وحكايات الأطباء في صراعهم المحموم ضد المرض، ربما لإحساسنا بأننا يجب أن نفعل ذلك، ثم نتمنى لو أن ما رأيناه وسمعناه لم يكن مُحبطًا وحزينًا ومُروعًا بهذه الدرجة! القيلولة أثناء النهار تبدو لا إرادية، فعلٌ نصطنعه لتبديد الوقت القاتل فكرًا وهلعًا، لا يغمض لنا جفنٌ، وإذا حدث، نستيقظ أحيانًا وقد داهمتنا وساوس الإصابة بالمرض ككابوس ممتد؛ نُسرع إلى مقياس الحرارة، نحشره داخل أفواهنا وننتظر، ثم نُعيد الكّرة من حينٍ إلى آخر، وتتحول مشاعر الضعف والملل والضجر إلى غضب عاجزٍ إزاء ما يتم فعله، والأهم منه، إزاء ما لم يتم فعله، أو ما تم فعله من قِبل مسؤولينا بشكلٍ سيء، وغير مسؤول، وربما غير شريف!

    هكذا عبَّر الفيلسوف الإنجليزي «سيمون كريتشلي» Simon Critchley، أستاذ الفلسفة «بجامعة ذا نيو سكول للبحوث الاجتماعية» New School for Social Research بنيويورك، ومؤلف كتاب «المأساة، والإغريق، ونحن» Tragedy, the Greeks, and Us (2019) عن مشاعر العُزلة الإجبارية التي فرضتها إجراءات الحد من انتشار فيروس كورونا، في مقاله بصحيفة نيويورك تايمز The New York Times بتاريخ 11 أبريل 2020، والذي جاء تحت عنوان «أن تتفلسف هو أن تتعلم كيف تموت»  To Philosophize Is to Learn How to Die.

  • جُمجمة تحت الجلد:

    يستطرد «كريتشلي» مشيرًا إلى أن فكرة الموت وحيدًا ومُنعزلاً بمرضٍ تنفسي أمرٌ مُرعب، ومجرد معرفتك بأن هذا ما يحدث الآن لآلافٍ من البشر على امتداد العالم أمرٌ لا يمكن لأحد ٍتحمله. لكنه ما يحدث الآن بالفعل؛ أناسٌ لا حصر لهم تُغادرهم أرواحهم، وآخرون تُدمر سُبل عيشهم، واستعارة مفردات الحرب تُشعرك بالاحتيال والرثاء، فالعادات والبني الاجتماعية وطُرق الحياة التي أخذناها على أنها من المسلمات تتلاشى؛ الآخرون مصادر محتملة للعدوى، وكلٌ منا «آخر» حتى بالنسبة لأقرب الناس إليه؛ جميعنا نتخذ من لثام الوجه قناعًا يُخفي ابتساماتنا وآلامنا ومخارج الكلمات من أفواهنا، نتأرجح على سُفن الأشباح الخاصة بنا، ولا نعرف ما قد يعنيه لنا ذلك، بل ونجهل ما يُمكننا أو ما يجب علينا فعله!

    عبر تاريخ الفلسفة، كانت للفلاسفة علاقاتهم الطويلة والمؤلمة مع العُزلة؛ بدءًا من سقراط في زنزانته، ومرورًا بـ «بوثيوس» Boethius الذي كتب «عزاء الفلسفة»  The Consolation of Philosophy أثناء عُزلته في السجن انتظارًا  لحكم الاعدام الصادر بحقه، ثم «توماس مور» Thomas More الذي كان ميالاً لحياة العُزلة والرهبنة، وفكَّر مليًا في التخلي عن مهنته وحياته العملية ووضعه الاجتماعي المرموق وميراثه إيثارًا لحياة الزهد، وحين سجنه «هنري الثامن» Henry VIII في برج لندن لرفضه الاعتراف به كرئيس للكنيسة الرومانية الكاثوليكية في إنجلترا، وقبل أن يُعدم بقطع رأسه، كتب آخر مؤلفاته «حوار الراحة ضد المحنة» A Dialogue of Comfort against Tribulation، ثم «ديكارت» الذي انسحب من حرب الثلاثين عامًا (التي كان مُشاركًا فيها) إلى غُرفة في هولندا للتفكير في طبيعة اليقين،  ووصولاً إلى «أنطونيو جرامشي» Antonio Gramsci الذي كتب «دفاتر السجن» Prison Notebooks أثناء فترة سجنه في إيطاليا! كل هؤلاء كانوا جُزءًا من هذا التقليد الممتد عبر التاريخ للعزلة، لكن ماذا عن الفلسفة ذاتها؟ ماذا عن السُخرية التي كابدتها بزعم ابتعادها عن الواقع، وماذا عن سِجلها الممتد منذ ثلاثة آلاف عام من الفشل في حل أشد مشكلات البشرية عُمقًا؟ وكيف يمكن أن تمد لنا يد العون في هذه اللحظة الفارقة والصعبة من حياتنا؟ هل يمكن أن تُقدم لنا بصيصًا من النور، أو العزاء، في خضم هذا الواقع الجديد المشوب بالقلق والحُزن، والذي يطوف به شبح الموت؟

    ربما كانت الفلسفة في حقيقتها هي أن تتعلم كيف تموت؛ نعم، فتلك هي الرؤية التي اتبعها الكاتب الفرنسي «ميشيل دي مونتين» Michel de Montaigne في القرن السادس عشر، مقتبسًا إياها من الكاتب الروماني «شيشرون» في تأمله لواقعة إعدام «سقراط». يقول «مونتين» إنه طوَّر عادة تمُثل الموت، ليس في خياله فقط، بل في فمه؛ في طعامه وشرابه! وقد يبدو هذا شنيعًا بالنسبة لأولئك الذين يشغلون وقتهم في العُزلة بطهي الطعام والإسراف في الشراب، لكن الأمر ليس كذلك على الإطلاق؛ فلقد استكمل «مونتين» رؤيته بجملة مُدهشة: «من تعلم كيف يموت، لم يتعلم كيف يكون عبدًا». يا لها من جُملة رائعة؛ فالعبودية لا تعدو أن تكون خوفًا من الموت، ولا يُبقينا عبيدًا سوى رُعب إبادتنا! أما الحرية فهي على النقيض من ذلك؛ هي قبول فكرة الموت، وأننا حتمًا سنموت. ومن هذا المنطلق، فإن الحياة التي نعيشها بشكلٍ جيد، الحياة الفلسفية، هي تلك التي نُرحب فيها دومًا بمقاربة الموت، بمحدودية الوجود، ويقينية الموت. بعبارة أخرى، نستطيع القول إن الحياة الفلسفية هي تلك التي تبدأ بهذا التأكيد، أو على حد مقولة «توماس ستيرنز إليوت» T.S. Eliot – للكاتب المسرحي «جون ويبستر» John Webster – «يجب أن نرى الجمجمة تحت الجلد»!

    مع ذلك، ما زلنا خائفين؛ ما زلنا نتأرجح على حافة الهاوية، لذا دعنا نحاول التفكير في حالتنا من حيث التمييز بين الخوف والقلق؛ لقد عرفنا منذ «أرسطو» أن الخوف بمثابة رد فعل على ما يُهدد وجودنا بالفعل؛ فقد يغشانا مثلاً الخوف من الدببة، وبالتالي يشعر المرء بالرعب – المشوب بالمفاجأة – إذا ما رأى دُبًا على باب بيته، فإذا ما تراجع الدُب إلى الشارع تبخر خوفه، لكن القلق – على النقيض من ذلك – غير مرهونٍ بشيء مُحدد، بل هو حالة تتراجع فيها الحقائق الجزئية للعالم عن أنظارنا، حيث يُصبح كل شيء  فجأة غريبًا وخارقًا للعادة. إنه الشعور بكل شيء في العالم بأكمله دون تحديدٍ لشيءٍ بعينه في حد ذاته يؤرق مضجعك، ولعل هذا القلق العميق هو ما يشعر به كثيرٌ من الناس الآن.

    إن الطبيعة المميزة للجائحة تتمثل في كون الفيروس – رغم كونه واقعيًا للغاية – غير مرئي بالعين المُجردة، في معيه تفشيه الشامل وتغلغله في بنية الواقع؛ إنه في كل مكان، وهو ليس في مكانٍ ما يُمكن معرفته بدقة، وحتى الآن يبدو عصيًا على العلاج، ويشعر معظمنا أننا نسبح في بحرٍ فيروسي لأسابيع، وربما لأشهر قادمة. لكن رجفة الخوف التي نكابدها قد تُخفي تحتها قلقًا أعمق؛ القلق من الموت؛ كينونتنا المنجذبة نحو الموت، وهذا ما قد نحاول قمعه كشرط لحريتنا. من المهم للغاية أن نتقبل القلق ونؤكده دون أن نختبئ أو نتهرب أو نفر منه، ودون أن نسعى إلى تفسيره بالنظر إلى شيء جزئي أو سببٍ بعينه، لأنه ببساطة ليس مجرد اضطراب نسعى إلى علاجه، أو نتجاوزه بعقاقير التخدير، بل هو عرضٌ يستلزم الاعتراف به، وتشكيله وشحذه كي يتحول إلى عربة تحملنا إلى الحرية. قد لا يكون هذا سهلاً، لكن بإمكاننا أن نسعى إلى تحويل مزاج القلق الأساسي من شيء ٍ مُعوقٍ لنا إلى شيء يمنحنا القدرة على إطهار الشجاعة.    

    في أغلب الوقت، يتم تشجيع أكثرنا من خلال جلب الخلود الزائف لحياتنا الطبيعية؛ نتخيل كذبًا أنا حياتنا مستمرة، وأن الموت شيء يحدث فقط للآخرين، حيث يتم اختزال الموت إلى ما يُسميه «هيدجر» Heidegger «إزعاجًا اجتماعيًا» Social Inconvenience، أو «محض انعدام لباقة» Downright Tactlessness، وفي هذه الحالة، يتمثل عزاء الفلسفة في التخلص من عادات نُكران الموت التي تشربناها في حياتنا العادية، ومواجهة قلق الموقف بشجاعة وواقعية متزنة. علينا أن نسن هذه الواقعة بشغفٍ كأساسٍ لاستجابة مشتركة، فالتناهي علائقي: إنها ليست مسألة موتي فحسب، بل موت الآخرين، القريبين والبعيدين، الأصدقاء والغُرباء، الذين نهتم بهم بالمثل.

  • قوتنا تكمن في ضعفنا، وعظمتنا تتجلي في بؤسنا:

    أخيرًا يشير «كريتشلي» إلى أنه قبل بضعة أسابيع كان يتحدث دون مبالاة عن أدب الطاعون Plague Literature: حكايات «ديكاميرون» Decameron، أو «الكوميديا البشرية» The Human Comedy (1353)، للروائي الإيطالي «جيوفاني بوكاتشيو» Giovanni Boccaccio، وكتاب «يوميات سنة الطاعون (أو جريدة عام الطاعون)» A Journal of the Plague Year (1722) للكاتب الإنجليزي «دانييل ديفو» Daniel Defoe، ورواية «الطاعون» The Plague (1947) للفيلسوف والأديب الفرنسي «ألبير كامو» Albert Camus. كنت أظن نفسي بارعًا، حتى أدركت أن ثمة كثيرين يتحدثون عن الشيء ذاته، لكن المُفكر الذي جذبني بشدة هو الرياضي واللاهوتي الفرنسي، البارع إبان القرن السابع عشر، «بليز باسكال» Blaise Pascal، لاسيما في كتابه «الأفكار» Pensées. لقد كتب موضحًا أن عدم قدرة المرء على الجلوس هادئًا وبمفرده في غُرفةٍ ما هو مصدر كل مشكلات البشرية: تقلبات المواقف والأمزجة، والضجر، والقلق، كسمات مميزة للحالة الإنسانية؛ وكذلك القوة الآلية للعادة والضجيج المُزعج للتفاخر البشري، لكن الأهم من ذلك كله هو اعتقاده أن الإنسان مجرد قصبة Reed، بل هو أضعف قصبة في الطبيعة؛ قصبة يُمكن أن يمحوها بعض البُخار، أو حتى قطرة محمولة جوًا!

    يًذكرنا «باسكال» بأننا نحن البشر مخلوقات ضعيفة، وهشة، ومستهدفة، ومعُولة، لكن بؤسنا – وهذا هو المنعطف الحيوي – يُمثل عظمتنا. يُمكن للكون أن يسحقنا، ويمكن لفيروس ضئيل أن يُحطمنا، لكن الكون لا يعرف شيئًا عن هذا، كما أن الفيروس لا يأبه به! نحن – على العكس من الكون والفيروس معًا – نعلم أننا فانون، وكرامتنا تتمثل فيما نعلمه عن أنفسنا. يقول «باسكال»: «فلنعمل جاهدين على أن نُفكر بشكلٍ أفضل، هذا هو مبدأ الأخلاق». إنني أرى هذا التأكيد على ضعف الإنسان، وهشاشته، وكونه مستهدفًا ومعولاً وبائسًا، كعوامل مضادة للاعتلال، ولأي تشاؤم أحمق؛ هذا هو مفتاح عظمتنا: قوتنا تكمن في ضعفنا

ثانيًا: «فيتوريو بوفاتشي»: كورونا والعودة إلى حالة الطبيعة.

    «يبدو أننا ننزلق إلى مرحلة تغشاها الاضطرابات، لكن الفلسفة تمنحنا الأمل»! هذا ما يراه «فيتوريو بوفاتشي» Vittorio Bufacchi، أستاذ الفلسفة السياسية المشارك (الإيطالي المولد) بجامعة كوليدج كورك College Cork بأيرلندا، والذي تُرجمت أعماله إلى الصينية والإسبانية والإيطالية، في مقاله المنشور بشبكة The Conversation الإعلامية بتاريخ 29 أبريل 2020.

    بداية يشير «بوفاتشي» إلى أنه لا شيء سيعود كسابق عهده بعد جائحة كورونا، وهذا أمرٌ جيد، لكن الأثر المُدمر لفيروس «كوفيد-19» COVID-19 على الاقتصاد العالمي يتجاوز نطاق قدرتنا على القياس؛ فالوباء يمكن أن يؤدي إلى صراعات تُهدد السلام والاستقرار العالميين (على حد تصريح الأمين العام للأمم المتحدة «أنطونيو جوتيريس» Antonio Guterres للجارديان The Guardian البريطانية بتاريخ 11 أبريل 2020)؛ وقد تتوارى الصورة التي أثلجت صدورنا للإيطاليين الذين وقفوا ينشدون الأغاني في شرفات منازلهم، لتحل محلها صورةٌ مغايرة لحوادث متصاعدة تثيرها الاضطرابات الاجتماعية، وفي خلفيتها طوابير ممتدة للمصطفين أمام بنوك الطعام طلبًا لأقواتهم اليومية! وهكذا، فإذا انهار الاقتصاد، فسوف يسقط معه المجتمع المدني، وهنا مكمن الخطورة، حيث يُعبر فلاسفة السياسة عن هذا الوضع بقولهم: نحن مدفوعون نحو «حالة الطبيعة» State of Nature.  

    والحق أن هذا التعبير إنما يرجع إلى الفيلسوف الإنجليزي «توماس هوبز» Thomas Hobbes في كتابه «التنين» The Leviathan، المنشور سنة 1651، وقد كان «هوبز» واضحًا في تبيانه أن حالة الطبيعة ليست شيئًا عتيقًا شهدته الأزمنة الغابرة، بل هي شيء يمكن أن يحدث في أية لحظة؛ فعندما ينهار الاستقرار السياسي تحل محله الفوضى.

 إن حالة الطبيعة لم تكن بالطبع – وفقًا لـ «هوبز» – مكانًا جميلاً، وهو ما عبر عنه بقوله: «في مثل هذه الحالة، لا مكان للصناعة، لأن ثمارها غير مؤكدة، ومن ثم، لا ثقافة للأرض؛ لا ملاحة، ولا استخدامات للسلع التي يمكن جلبها عن طريق البحر، ولا منشآت سلعية، ولا أدوات للنقل»!

    لعلنا لم نصل بعد إلى حالة الطبيعة الهوبزية، ولا نتوقع ما وصفه «هوبز» بقوله: «لا تقدير للوقت، ولا فنون، ولا رسائل، ولا مجتمع»، لكن علينا أن ننتبه جيدًا؛ فعلى الرغم من أننا نفتقر الآن إلى العروض المسرحية، والحفلات الموسيقية، والرحلات السياحية، والمنافسات الرياضية، إلا أننا بدأنا أيضًا في رؤية مظاهر أولية لما دعاه «هوبز» بـ «حرب الجميع ضد الجميع»، وهو ما تجلى مثلاً في تلك الدول التي وقفت في مواجهة بعضها البعض في السوق العالمية لمعدات الحماية من فيروس كورونا، والاحتجاجات المناهضة للإغلاق الاقتصادي في الولايات المُتحدة الأمريكية، بما في ذلك تلك التجمعات التي كانت مُدججة بالسلاح، والتي انطلقت بمباركة الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب».

    يُواصل «هوبز» التقاط جوهر حالة الطبيعة بعبارات مُرعبة لا تُنسى: «وأسوأ ما في الأمر هو الخوف المستمر، وخطر الموت العنيف، وبقاء الإنسان منعزلاً، فقيرًا، شريرًا، وحشيًا، وذا حياة قصيرة»، وعلى الإجمال، لقد غرس فينا فيروس كورونا الخوف؛ الخوف المستمر!

  • لم نفقد كل شيء:

    لحُسن الحظ، يُعلمنا «هوبز» أننا غير محكوم علينا بالفشل، وأن بإمكاننا الفرار من حالة الطبيعة، لكن وسيلتنا الوحيدة للبقاء هي التعاون الاجتماعي Social Cooperation؛ فرغم كل بؤسها وتعاستها، فإن حالة الطبيعة هي أيضًا حالة للمساواة، وتلك هي الحالة التي نُعايشها الآن، نحن جميعًا بشر نتسم بالهشاشة على قدم المساواة، والفيروس قوة عظيمة لتحقيق العدالة، إذ لا يميز بين قوميات أو أعراق أو أجناس أو طبقات اجتماعية أو أديان أو لُغات. اليوم نحن جميعًا في خطرٍ على قدم المساواة، ومن جوف هذه المساواة الأساسية ينبثق واقعٌ آخر: فقط بالوحدة والتضامن والعمل الجماعي يُمكننا هزيمة هذا العدو غير المرئي.

    بعبارة أخرى، إذا أردنا الفرار من حالة الطبيعة الهوبزية فنحن في حاجة إلى صياغة عقد اجتماعي Social Contract جديد؛ اتفاقية ذات منافع متبادلة يُوافق بمقتضاها الجميع على التضحية على المدى القصير، انطلاقًا من مبدأ أساسي مؤداه أن الجميع سينجو بهذه التضحية على المدى البعيد. ولكي نتجاوز أزمة فيروس كورونا، علينا الالتزام بمستوى غير مسبوق من التضحية والثقة والتعاون الاجتماعي؛ فالحياة في ظل الحظر، والحفاظ على قدرٍ من التباعد الاجتماعي، والعُزلة الطوعية أو الإجبارية، كل ذلك يُمثل تضحية كبيرة لكثير من الناس، لاسيما مع تزايد معدلات البطالة، وتعثر كثرة من المشروعات التجارية، لكن علينا أن نثق في الإجراءات التي ينصح بها خبراء الصحة العامة، لأن هذه الإجراءات لن تؤتي ثمارها إلا إذا التزم الجميع بها. ومع ذلك، فالتعاون الاجتماعي المتبادل يبدو هشًا ومؤقتًا، خصوصًا في عالمٍ رأسماليٍ تتجلى فيه الأنانية كفضيلة، ويستحق الجشع فيه المكافأة! لذا تُجبرنا هذه الأزمة على إعادة التفكير في كثير من الافتراضات الراسخة، ذلك أن السعي لتحقيق المصالح الفردية لن ينجح هذه المرة، ولن يكون تأثيره ضئيلاً أو بلا معنى، ولم يعد بالإمكان استمرار المادية المُهدرة!

  • لا تكن أحمقًا!

    إن أكبر تهديد للتعاون الاجتماعي هو تلك التصرفات الأنانية للمنتفعين بالمجان، الذين يرغبون في الاستفادة من روح التعاون بين الناس دون أداء الدور المنوط بهم من أجل الصالح العام. وقد وصف «هوبز» هذا النمط من الناس بكلمة «أحمق». ووفقًا لتفسيره، فالأحمق هو من يعتقد أنه لا يوجد شيء يُسمى العدالة، وأنه من المشروع نقض التوافق بالسعي إلى تحقيق المصلحة الذاتية. ولا شك أن العالم مليء بالحمقى، لكن طبيعتهم الحقيقية تنكشف بالكامل خلال أوقات الأزمات، ومنهم في أيامنا هذه أولئك الذين يُواصلون تخزين الأطعمة وغيرها رغم إدراكهم عدم ضرورة ذلك، وكذلك أولئك الذين تدفعهم الأنانية إلى انتهاك قواعد الحظر. منهم أيضًا أولئك الذين يستغلون خوف الناس فيفرضون رسومًا إضافية على الطعام أو أقنعة الوجه أو مطهرات اليد.     

    إن كل ما يلزمك كي تتجنب الحماقة هو تُعطي الأولوية للتعاون على المصلحة الذاتية، أو تعمد إلى تقديم المصلحة العامة على المصلحة الشخصية، وكما في حالة الطبيعة الهوبزية، تُذكرنا جائحة كورونا بالسياسات التحررية للتعاون الاجتماعي؛ فنحن نلج في أرضٍ للتعايش قوامها عقد اجتماعي جديد، سيُشكل حجر الزاوية لمجتمع مدني جديد بعد الجائحة.

ثالثًا: «لي ماكنتاير»: المعضلات الأخلاقية لجائحة كورونا.

    أثارت جائحة كورونا عددًا لا حصر له من المعضلات الأخلاقية التي أعادت تذكيرنا بالهوة الواسعة بين كلٍ من التنظير والممارسة الأخلاقية، لاسيما في أوقات الأزمات، وهو ما تناولناه في مقال سابق (أخلاقيات كورونا). تاريخٌ طويل من التنظير الأخلاقي، ومن المؤسسات والمؤتمرات والندوات والاتفاقيات، بات في مهب الريح، وتبيَّن للداني والقاصي أن «ما يجب أن يكون»، مطعونٌ في الممارسة بما هو كائن، ومطعونٌ أيضًا بغلبة الأنانية والنوازع الشخصية حين يُواجه المرء تهديدًا حياتيًا أيًا كان نوعه.

    لا شك أن أفضل وسيلة للدفاع عن الأخلاق هي أن نتمثلها في سلوكياتنا اليومية، ولا شك أيضًا أن أسوأ ما في التجربة القيمية هو الحديث عن أخلاقيات لا نمارسها، أو بالأحرى لم تُتح لنا الفرصة لممارستها، فإذا ما أتيحت لنا الفرصة، وقف لنا الضعف البشري بالمرصاد فأفرز أقبح ما فينا. ومع ذلك، فقد كشفت لنا جائحة كورونا عن مواقف للقرار الأخلاقي تستلزم استدعاء المذاهب الأخلاقية من سُباتها التنظيري الطويل، وهذا ما تصدى له بعض فلاسفة الأخلاق من داخل عزلتهم إبان جائحة كورونا، ومنهم على سبيل المثال «لي ماكنتاير» Lee McIntyre (وهو زميل باحث في مركز فلسفة وتاريخ العلوم بجامعة بوسطن الأمريكية Boston University، ومُعلم في مدرسة هارفارد الإرشادية Harvard Extension School). نعرض فيما يلي لنماذج من المعضلات الأخلاقية اليومية التي أدلى برأيه فيها على شبكة The Conversation الإعلامية بتاريخ 15 أبريل 2020.

  • السؤال: عمري خمسة وستين عامًا، وقد عرض علَّي ابني البالغ من العُمر اثنين وثلاثين عامًا أن يتولى شراء أغراض البقالة، وأنا في مأزق إزاء من يجب عليه القيام بهذه المهمة!
  • الإجابة: إحدى النظريات الأخلاقية الرائدة تاريخيًا هي «النفعية» Utilitarianism، ومؤداها أنه يجب اتخاذ القرارات والإجراءات الأخلاقية على أساس نتائجها. وعلى الرغم من أن فكرة النفعية تمتد بجذورها إلى العصور القديمة، إلا أن الشكل الأكثر تطورًا لها نجده عند اثنين من أبرز فلاسفة العصر الحديث، وهما: «جيرمي بنثام» Jeremy Bentham، و«جون ستيورات مل» John Stuart Mill، وقد ذهبا إلى أن الأحكام الأخلاقية تخضع للتقييم وفق مبدأ «أكبر فائدة لأكبر عدد» Greatest good for the greatest number.

    في موازنة المخاطر، يتوقع المرء نتائج مُحتملة، وهو أمرٌ نفعي للغاية حين تقوم به، لكني – وبصفتي متخصص في الأخلاق – أود أن أحثك على توخي الحذر: عليك النظر فيما إذا كانت تتوافر لديك كافة المعلومات المتعلقة بالحالة؛ حقًا لقد ثبت حتى الآن أن الشباب أقل عُرضة لمضاعفات الإصابة بفيروس كورونا، لكن وجود مرض آخر خطير في معية الإصابة، مثل الربو، قد يزيد من مخاطر المُضاعفات ويودي بحياة ابنك! عليك أيضًا أن تضع في الاعتبار موجز بيانات المخاطر الخاص بك: العمر، والحالة الصحية العامة، وغيرها. ووفقًا للنفعية، عليك كذلك النظر في قضية أخرى؛ فكون ولدك أصغر منك سنًا، فمعنى هذا أن أمامه – في الأوضاع العادية – سنوات ممتدة للاستمتاع بالحياة، فإذا ما أصابه مكروه، فسوف يكون حجم المأساة أكبر مما لو كنت في مكانه، لأن لديه «منفعة» تغدو على المحك بصفةٍ عامة.

ربما أمكنك استئجار مُوصل للطلبات، أو الاستعانة بأبناء شخصٍ آخر غير مُصابين بأمراض مثل الربو، لتلبية حاجاتك اليومية، ولكن الأمر هنا قد يكون صعبًا وفقًا للنفعية أيضًا، إذ لا يمكنك تفضيل سعادتك أو سعادة ولدك على سعادة شخص آخر غريب! هذا كل شيء عن مبدأ «أكبر فائدة لأكبر عدد»، ولئن كنت تعتقد أن الشيء الأخلاقي هو تحقيق أقصى قدر من السعادة، فلن يكون هناك إشكالٌ حول من نتحدث عن سعادته. 

    هكذا تُقدم لنا «النفعية» طريقة للتفكير في المشكلة، لكنها لا تُقدم لنا إجابة صريحة يمكن أن نأخذ بها، وسيتعين عليك التفكير في كل عاقبة على حدة، مع الوضع في الاعتبار كافة الشروط: السعادة، والعمر، والصحة، والمخاطر التي قد يتعرض لها الجميع.

  • السؤال: لدَّي مُستأجر في منزلي لا يلتزم بقواعد التباعد الاجتماعي، ويخرج من بيته دائمًا، ماذا يجب أن أفعل؟
  • الإجابة: بما أن المُستأجر يعيش في المنزل الذي تعيش فيه، فإن سلوكه – أو سلوكها – يُعرضك للخطر، مما يستلزم اتخاذ بعض الإجراءات. ولعل النظرية الأخلاقية الأقرب لحالة هذا المستأجر هي ما نسميها «الأنانية الأخلاقية» Ethical Egoism (ومؤداها أن الشي الأخلاقي هو ذلك الذي يجلب لي أكبر قدر من السعادة، بغض النظر عن الآخرين). المستأجر هنا يتسم بالأنانية، لأنه لا يهتم سوى بمصالحه فقط. وهذا قد يفتح لك باب الادعاء بأنك أيضًا أناني، فإذا كنت تعتقد أن الفعل الأخلاقي يتمثل في اهتمام الشخص بمصالحه فقط، فربما كان لديك مُبرر قوي لطرده من المنزل، لكن عليك أولاً التحقق من أنه لا يخرج إلا لضرورة، كرعاية شخص آخر مثلاً. لذا قم أولاً بالتحدث مع المستأجر، ووضح له أنكما تعيشان في بيئة مشتركة، وأن تصرفات الآخرين – خصوصًا في أزمات الصحة العامة – تؤثر على غيرهم، فإذا لم يُفلح الحديث معه، ولم يكن لديه المُبرر القوي لتصرفاته، فبإمكانك أن تتبنى الأنانية الأخلاقية كفلسفة خاصة بك دون ذنب، ومن ثم تُخبره صراحة بأن عدم التزامه بقواعد التباعد الاجتماعي، وتعريضه لصحتك وصحة ذويك للخطر، ستكون له عواقب وخيمة.
  • السؤال: لا أمتلك سيارة، لكني أعاني من أعراض تُشبه أعراض الإصابة بالأنفلونزا، فهل يجب أن أستقل سيارة أجرة أو أوبر لكي أذهب إلى المستشفى؟
  • الإجابة: بالطبع لا، إلا إذا كنت تنوي إخبار السائق مُسبقًا بحالتك. في القرن الثامن عشر، أخبرنا الفيلسوف الألماني «إيمانويل كانط» Immanuel Kant أن المبدأ التوجيهي للسلوك الأخلاقي هو «الأمر المُطلق» Categorical Imperative (ومؤداه أن كل شخص يجب أن يتصرف كما لو أن سلوكه يُمكن أن يُشكل الأساس لقانون عالمي للسلوك البشري). لذا اسأل نفسك: ماذا لو فكر كل شخص مُصاب بفيروس كورونا في نفسه فقط واستقل سيارة أجرة أو أوبر؟ من المُرجح بقوة أن ينشر المرض، وسوف يكون الأمر كارثيًا لكثير من الناس في مجتمعه، وتلك رؤية يمكن أن تتفق أيضًا مع النفعية.

قد يكون الإجراء الأفضل هو الاتصال بالمستشفى وطلب المساعدة في كيفية الذهاب إليها. فإذا فشل هذا الإجراء يمكنك طلب الإسعاف، ولو على نفقتك الخاصة إن كان ذلك بإمكانك، لأن البديل هو نفقات أكثر ووضع أخطر يتمثل في تمرير مرض يُهدد الحياة إلى الآخرين دون علمهم ودون موافقتهم، وهذا وفقًا لـ «كانط» لا يُمثل سلوكًا أخلاقيًا.

رابعًا: «لين دغريغوري»: حين سألتُ الفلاسفة عن معنى الوجود، والهوية، الحياة.

    «لين دجريجوري» أو «لين توماسون» ( Lane DeGregory Thomasson)، صحافية أمريكية، تعمل في جريدة «تامبا باي تايمز» Tampa Bay Times، سبق لها الفوز بجائزة بوليتزر للكتابة الروائية Pulitzer Prize for Feature سنة 2009، عُرفت بروايتها المؤثرة «الفتاة في النافذة» The Girl In the Window (2008)، والتي اقتبست عنوانها من إحدى أشهر لوحات الفنان الإسباني «سلفادور دالي» Salvador Dali (1925).

    في خضم جائحة كورونا بالولايات المتحدة، تواصلت «لين» مع الأطباء والسياسيين والخبراء والكهنة، وطلبت منهم المساعدة في تفسير ما يحدث وكيفية تجاوزه، لكنها لم تجد إجابات تُشبع الفضول المعرفي لقرائها، وفجأة تذكرت الفلاسفة، أولئك الذين يشتغلون – على حد قولها – بالأفكار الكبيرة، فسارعت إلى الاتصال بشقيقتها «آمي توماسون» Amie Thomasson (أستاذة الفلسفة في كلية دارتموث Dartmouth College، والمتخصصة في الميتافيزيقا وفلسفة العقل وفلسفة الفن)، والتي كانت – كغيرها من الأكاديميين  – تُمارس التدريس عن بُعد من منزلها بالجبال الثلجية في ولاية «فيرمونت» Vermont الأمريكية.

    توجهت «لين» بتساؤلاتها للشقيقة الكبرى، وطلبت منها استشارة زملائها من الفلاسفة، لتجد أمامها بعد أيام كثرة من الإجابات، بعضها لم تستطع هضمها أو استيعابها، لكنها وجدت أيضًا أفكارًا لم يتطرق إليها ذهنها قط. إنه تاريخ الفلسفة الطويل ومعتركه العقلي حول معنى الوجود والهوية والحياة! طرحت «لين» سؤالاً أساسيًا واحدًا يُلخص كل تساؤلاتها وتساؤلات قُرائها:

حين تنعدم قُدرتنا على معانقة أصدقائنا، أو زيارة أجدادنا، أو الذهاب إلى دور العبادة، أو مشاهدة إحدى المباريات، أو الاستماع إلى الموسيقى الحية، أو الذهاب إلى المدرسة … وحين يتلاشى كل شيء يمكن أن يجعل لحياتنا معنى خارج نطاق العمل، بل وحين يتوقف العمل ذاته … وحين تعجز عن معرفة متى يمكن أن تعود الأشياء إلى طبيعتها، ما الذي يهم إذن حقًا؟ وكيف نعثر على المعنى والهدف في ظل عدم اليقين هذا الذي نعيشه؟

هاك بعض الإجابات التي تلقتها، ولم تلبث أن نشرتها بجريدتها بتاريخ 10 أبريل 2020.

  • «آمي توماسون»: ليس من المفاجئ أن يشعر كثير من الناس بالاستياء خلال أوقات العُزلة؛ ليس فقط بسبب قلقهم على أنفسهم أو أحبائهم، ولكن بشكلٍ أعمق لإحساسهم بنوعٍ من اللامعنى. وقد تحدث الفيلسوف الألماني «مارتن هيدجر» Martin Heidegger عن نوعين من الأشياء التي تُميزنا كبشر، والتي تُعطي لحياتنا النوع الوحيد من المعنى الذي نأمله؛ الأول هو مشاريعنا: الأشياء التي نهتم بها، ونعمل من أجلها، وننخرط فيها؛ والثاني هو تواجدنا مع الآخرين. لقد أدت جائحة فيروس كورونا، والعُزلة التي صاحبتها، إلى انقطاع معظمنا عن كافة المشاريع الحياتية، بما في ذلك أبسطها، كإعداد كعك حفلات الزواج، أو التدريس المباشر لطلابنا، أو إجراء الأشعة الطبية. وكل ذلك يعزلنا بالضرورة عن طُرقنا المُعتادة للتواجد مع الآخرين. وحالما تنتهي الجائحة، سنُواجه أيضًا تهديدًا أعمق يتمثل في أن الأشياء التي كنا نهتم بها كثيرًا لم تعد تبدو مُهمة كما كانت من قبل، وهذا قد يُولد لدينا شعورًا بأنها ليست مجرد حالة مؤقتة؛ فالأمر لا يقتصر على كون حياتنا الآن بلا معنى، بينما نحن عالقون بداخلها، لكنه يتجاوز ذلك إلى الشك في مغزى البدء من جديد! ومع ذلك، من المُهم أن ندرك أن هذه المشاريع اليومية لم تكن تُمثل وحدها أبدًا المعنى العميق لحياتنا، وبالتالي فإن توقفها لا يعني سلب المغزى العميق الذي كان من الممكن أن تمنحه لحياتنا لولا جائحة كورونا، بل يعنى بالأحرى انتزاع ما كان موضع اهتمامنا، وما كنا نلتمس به مغزى الحياة، لبعض الوقت فقط، ومن ثم فإن أفضل ما يُمكننا عمله هو أن نخطو بوصفنا بشرًا، بمعنى أن ننخرط في مشاريع وأعمال جديدة، وهذه الأخيرة تشمل كل ما لم يزل ممكنًا وفقًا للظروف الجديدة (بما في ذلك ما قد نفعله للمرة الأولى). أعرف مثلاً عالمًا للرياضيات شرع في تعلم العزف على الجيتار، ومُبرمج حاسوب بدأ في صناعة مقاطع الفيديو، وفلاسفة التمسوا العزاء في الاعتناء بحدائق منازلهم.  
  • «كيفين شارب» Kevin Scharp (أستاذ فلســـفة العلــــــم والميتافيزيقا بجــامعة سانت أندروز Andrews بإسكتلندا): هذه ليست أزمة وجودية تُهدد وجود الإنسان العاقل Homo Sapiens، فلن يحدث هذا، وحتى أسوأ التوقعات لا تشير سوى إلى موت 5% من المواطنين. ومع ذلك، يجدر التأكيد على أن ثمة العديد من الأشياء التي تتعلق بهوياتنا ستتغير، ونستطيع اعتبارها تغييرات وجودية. أستحضر هنا كلاً من الهويات الشخصية Personal Identities (التي تتجلى حين نرتحل من دولة إلى أخرى)، والهويات الاجتماعية Social Identities (التي تتبدى لزوارنا من الخارج). لذا دعنا نقول إن فيروس كورونا قد أجبر كل شخص يعيش على وجه الأرض، وكل مجتمع، والبشرية بأكملها، على خوض تجربة تحولية؛ تجربة نحصل بها على هويات جديدة لأنفسنا بقدرٍِ ما. لنقل أننا جميعًا مسؤولون عن البيئة، وأن علينا الاهتمام بحقوق الجميع ونوعية الحياة.
  • «ماثيو لاينز» Matthew Lines (محامي بمدينة ميامي Miami – ولاية فلوريدا Florida): إما أن يكون الكون – وكل شيء فيه – محكومًا بالنظام أو محكومًا بالفوضى؛ ولئن كانت الفوضى هي السائدة، فليس ثمة معنى يُمكن أن نلتمسه، أما إن كان النظام هو ديدن الكون، فإن لكل شيء فيه إذن هدفًا وغاية، حتى ولو لم يكن مفهومًا لنا بشكلٍ فردي. لكن السؤال الذي يُتيح لنا الاختيار واضح: هل يمكن للبشرية أن تصل إلى المنطق والعقل إن كانا غائبين عن كونٍ أكبر مُنظَّم؟ الإجابة بالنفي قطعًا، وبالتالي فالكون يحكمه النظام دون شك، وما دام ذلك كذلك، فإن ما يهمنا الآن هو ما نتحكم فيه بالفعل: الحكمة، والشجاعة، والاعتدال، والعدالة.
  • «مانيديبا سين» Manidipa Sen (أستاذة فلسفة اللغة والعقل والإبيستمولوجيا بجامعة جواهر لال نهرو Jawaharlal Nehru University – نيودلهي، الهند New Delhi, India): نحن نُواجه بدقة أزمة وجودية، لأننا إما لم نتعلم أبدًا، أو نسينا أن نكون مع أنفسنا، ليس بطريقة أنانية أو بالتمركز حول الذات، وإنما بطريقةٍ ذات مغزى: باحترام الآخرين، واحترام مكانهم وزمانهم … إلخ. وثمة أنواع مختلفة من الممارسات التأملية يُمكن أن تكون تدريبًا لنا على القيام بذلك. لذا تعلم أن تكون مع نفسك، ودع الآخرين!
  • «هوارد كورزر» Howard Curzer (أستاذ الفلسفة اليونانية والأخلاق بجامعة تكساس للتكنولوجيا Texas Tech University): اقتراحي هو أن ننتقل إلى الويب؛ كلٌ منا يُصبح مزيجًا من ذاته الفعلية وذاته الإلكترونية E-self معًا؛ فلأن ذواتنا الفعلية مُقيدة، يجب أن نُركز أكثر على ذواتنا الإلكترونية. ذواتنا الإلكترونية يمكن أن تقوم بعمل ضخم، وفي معية خيارات التواصل المتنامية بشكلٍ كبير، تتجلي وجهات النظر العالمية عبر ملايين التفاعلات الإلكترونية من قِبل الجميع، بدلاً من تلك الرؤي التي تُهيمن عليها النُخب عمدًا، وثمرة ذلك قدرتنا على المساهمة في تشكيل وجهة نظر مجتمعنا تجاه العالم، دون أن يقتصر الأمر على تشكلنا نحن بهذه الوجهة من النظر.
  • «سوزانا سيغل» Susanna Siegel (أستاذة فلسفة العقل والإبيستمولوجيا بجامعة هارفارد Harvard University): ينبثق المعنى والهدف من التعاون الاجتماعي. في خضم الجائحة، يمكن لأي منا أن يُصبح قاتلاً – دون أن يعلم – بمجرد لمسه لمقبض الباب! وفي هذا الصدد، يُقدم لنا الفيلسوف الإنجليزي «توماس هوبز» تجربة فكرية قوية حين طرح السؤال: كيف ستكون الحياة دون مؤسسات سياسية؟ وبعبارة أخرى، إذا لم تكن لديك مؤسسات تستطيع الإشراف على التنسيق على النطاق الواسع، فهل سيستجيب الناس في معية الشك والخوف المتبادل؟ ولا شك أن الجائحة قد قدمت لنا ردود الفعل بشكلٍ واضح: لقد ازدادت مبيعات الأسلحة في بعض الأماكن، بينما تشكلت جمعيات لتبادل المساعدة في أماكن أخرى! وكلما عززت الحكومات المحلية من سلطاتها لإعادة فتح المدارس والفنادق المُغلقة، وحماية وإعادة تدريب العاملين في مجال الرعاية الصحية، ووقف انتشار الفيروس، كلما عززت من روح التعاون. وما من شيء بخلاف ذلك يمكن أن يُعطي لحياتنا معنى في هذه الأوقات العصيبة.
  • «سام ليفي» Sam Levey (أستاذ الميتافيزيقا وفلسفة الرياضيات ورئيس قسم الفلسفة بجامعة دارتموث Dartmouth University): احتفظ الفلاسفة الرواقيون القدامى Stoic philosophers بنطاقٍ ضيق من الأشياء التي تُعد بالنسبة لهم أشياءً جيدة (فضائل) أو سيئة (رذائل)، ولم يكن الموت لديهم شيئًا سيئًا. من الأنشطة التي تُعطى حياتنا معنى – مثلاً – مشاهدة مباراة في كرة السلة، لأنها تجعل الحياة جيدة، ولكن إذا كنت تُقدر البراعة الفنية والتواصل مع الأصدقاء، فربما أمكنك العثور على مُتعة مشابهة حتى دون الذهاب إلى ساحة لعب المباراة. والأمر ذاته بالنسبة لحفلات الموسيقى الحية أو زيارة دور العبادة، إذ يمكنك خوض التجربة الوجدانية والاستمتاع بالتواصل السلمي في أماكن أخرى. قد نكون في حاجة إلى التكيف مع أنماط التواصل البشري الجديدة، أو النمو الشخصي لتحقيق الأشياء التي تجعل الحياة جيدة، ولكن من الصعب أن نفهم أفعالنا إذا لم تكن منسجمة مع الأهداف والخُطط التي نهتم بها. إن حياتنا في أية لحظة مليئة بالأفكار حول ما ننوي أو نأمل القيام به، وبمسارات مختلفة للأفعال والتدابير التي قد نتخذها.   

    يمكن أن تكون هذه العناصر المستقاة في خيالك من تجاربك الحية مماثلة لتلك الموجودة بالفعل، لكن الانغلاق على الذات بفعل الحظر قد يُبدد كثيرًا من الخطط والإمكانيات، كما أن عدم اليقين يجعل من الصعب صياغة خُطط جديدة لتحل محل خُططنا المعتادة. كل ما يتطلبه الأمر هو أن تعمل، وتُركز على ما يُمكنك القيام به، وتتخذ خطواتٍ جديدة، كأن تُفكر مثلاً في توصيل الطعام لمن لا يستطيعون الذهاب إلى المتجر، أو حياكة أقنعة الوجه، أو إجراء مكالمة هاتفية لمن عُزلوا في الحجر الصحي، أو تعليم ما تعرفه عن طريق بث فيديو على الإنترنت … إلخ. يُمكن لأي خيارٍ من هذه الخيارات أن يُوفر أسبابًا جديدة لاستعادة الإحساس بالهدف والمعنى.

خامسًا: «بيل مكيبن»: لقد التقينا بالعدو، وهو نحن!

    كشفت جائحة كورونا عن شيء صادم بحق فيما يتعلق بمجتمعاتنا ونُظمنا الاقتصادية، تلك التي بدت كقشرة ظاهرية أنيقة تُخفى عوارًا باطنيًا مؤلمًا؛ صرحٌ يبدو براقًا وجذابًا للغاية؛ طائرات فضية تجوب العالم، ومدن تمتلئ بناطحات السحابٍ الشاهقة، وأسواق ضخمة لا تهدأ بها الحركة، وهواتف ذكية تعمل عبر شبكة اتصالات واسعة النطاق، … إلخ. لكن كل شيء بات مترنحًا بعد شهرين فقط من ظهور المرض؛ لزمت الطائرات مرابضها، وصمتت المُدن، وغدت الأسواق تُكابد ركودًا عميقًا؛ صناعةٌ تلو الأخرى يتجه أصحابها إلى الإفلاس، وما من أحد يعرف ما إن كان بإمكانه معاودة استئناف نشاطه. بعبارة أخرى، مهما بدت حضاراتنا براقة، إلا أنها في الحقيقة لم تكن قوية بالقدر الذي كنا نظن!

    هذا ما ارتآه الكاتب والصحافي والناشط البيئي الأمريكي «بيل مكيبن» Bill McKibben، في مقاله المنشور بمجلة «ذا نيويوركر» The New Yorker الأمريكية بتاريخ 16 أبريل 2020، تحت عنوان «كيف يُمكننا بناء عالم أكثر صلابة بعد فيروس كورونا» How We Can Build a Hardier World After the Coronavirus.

    يُشير «مكيبن» إلى أن بعض المسؤولين، ومنهم الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب»، يعتقدون أنه بإمكاننا إعادة كل شيء كما كان من قبل بمجرد زوال العدو غير المرئي، لكن أي رخاء نقوم ببنائه على ما اتضح لنا أنه أساسٌ مهتز سوف يبدو في النهاية زائفًا، ولا نريد أن نشعر دائمًا كما لو أننا على بُعد بضعة أسابيع من الفوضى!

    لذا، إذا فكرنا في إعادة بناء حضارتنا بشكلٍ أشد صلابة وأكثر مرونة، فسوف يتعين علينا أن نعرف ملامح قاعدة البناء الأكثر استقرارًا. ربما أمكننا أن نتعلم درسًا مهمًا من الأطباء الذين يُواجهون فيروس «كوفيد -19»، فقد أخبرونا أن المرء إن كان مُصابًا بمرض السُكر Diabetes أو ارتفاع ضغط الدم Hypertension، أو كان ضعيف المناعة، فإن فرصة إصابته بفيروس كورونا تزداد. كذلك الحال بالنسبة للمجتمعات؛ لأن التاريخ المرضي لها يُنبئ عن عنصرين يُهددانها: انعدام المساواة Inequality، والاضطراب البيئي Ecological Turmoil، وقد ازداد تهديدهما بشكلٍ حاد خلال العقود القليلة الماضية، وخلَّفا نتائج كارثية ظلت مطمورة تحت السطح كالعادة، ولم يتم إدراك خطورتها بالكامل. على أنه إذا حدث خطأ آخر – كجائحةٍ لفيروس جديد يغزو العالم مثلاً – فسوف تتضح اللامساواة بشكلٍ صارخ؛ بمعنى أن الناس سيتوجب عليهم مواصلة العمل، حتى لو لم يكونوا على ما يُرام، لأنهم يفتقرون إلى التأمين الصحي، ويعيشون يومًا بيوم، من راتب إلى راتب، وبالتالي يمكنهم نشر المرض قسرًا!

    أما عدم الاستقرار البيئي، وبصفة خاصة ارتفاع مستويات الزئبق في المحاصيل نتيجة الاحترار العالمي، فيعني أنه حتى لو حاول المسؤولون الحكوميون التصدي للجائحة، فعليهم القلق أيضًا بشأن ربيع آخر تشهد فيه البلاد فيضانات عاتية، أو بشأن كيفية التعامل مع حرائق الغابات الخارجة عن السيطرة … وتدلنا الرياضيات البسيطة على أن حدوث ذلك أمرٌ لا مفر منه.

كل الأشياء بالطبع تتفاعل مع بعضها البعض؛ فانتفاء المساواة يعني أن بعض الأشخاص عليهم أن يعيشوا بالقرب من مصادر تلوث الهواء التي لا يتحملها معظمنا، وهذا يعني بدوره ضعف رئتيهم، ومن ثم عدم قدرتهم على مكافحة الوباء (ويعني بالمثل أن بعض هؤلاء الأشخاص قد يفتقرون إلى الطعام الجيد، وربما كانوا مصابين بمرض السكر). وإذا كان ثمة حريق هائل، فسوف يستنشق الجميع هواءً ملوثًا بالدخان لأسابيع، لاسيما أولئك الذين يعيشون في قاع المجتمع؛ وعندما يضرب البلاد إعصارٌ، فإن الإجهاد والصدمة يمكن أن يُؤثرا بالسلب على أجهزة المناعة.  إن مجرد العيش في قلب مجتمع عنصري، غير متكافئ، يمكن أن يؤدي إلى الشيء ذاته، وهكذا نجد أنفسنا في دوامة متجددة من الخطر المتزايد!

    من جهة أخرى، ولأننا يجب أن نعيد بناء منظوماتنا الاقتصادية، فنحن في حاجة إلى هندسة بإمكانها تجاوز حالتي الدمار البيئي وعدم المساواة، على الأقل بقدر ما نستطيع. قد يكون الأمر صعبًا في البداية، لكن هناك خطوات جلية وواضحة يمكن أن تساعدنا، هناك طُرق لتنظيم الاستخدام المتنامي للطاقة المتجددة، تلك التي ستُواجه أيضًا مُعضلة عدم المساواة، وسنجد كثرة من الكتابات عن مثل هذه الخُطط في الأشهر المقبلة، ولكن على مستوى المبدأ الأعمق، هاك هو المفتاح؛ فالمجتمع الذي كان يُثمن النمو الاقتصادي في المقام الأول، ويتلاعب بالعدالة والتكنولوجيا على نحوٍ سريع دون تقدير للعواقب الوخيمة، بحاجةٍ قطعًا إلى البدء في التأكيد على ضرورة المتانة والصلابة والمرونة (وجزءٌ كبيرٌ من ذلك يتمثل في الإنصاف). صحيح أن العالم الناتج لن يكون براقًا تمامًا، لكن البريق – بشكلٍ ما – يبدو أقل أهمية لنا الآن.

  • تمرير الميكروفون:

     تُعد «ماري آنايس هيجلار» Mary Annaïse Heglar واحدةً من أحدث الأصوات وأكثرها أهمية في حركة المُناخ. هي كاتبة مُقيمة في معهد الأرض بجامعة كولومبيا Columbia University’s Earth Institute، بالشراكة مع مجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية Natural Resources Defense Council، تتمحور معظم مقالاتها حول العدالة المُناخية، وهي بعض أكثر الكتابات جاذبية في موضوعات تتسم غالبًا بالجدية، ولعل أفضل مقالاتها الأخيرة مقالها بمجلة «وايرد» الأمريكية Wired Magazine بتاريخ الأول من أبريل 2020، والذي جاء تحت عنوان «لا يُمكننا التعامل مع أزمة المُناخ دونك» We Can’t Tackle Climate Change Without You. هيا نوجز أفكاره الرئيسة في صورة تساؤلات.

  • تقولين: «لقد كانت الحقائق في متناولنا لفترةٍ طويلة، لكننا ما زلنا نخسر»، لماذا؟
  • نعم، لقد كان العلم بشأن تغير المُناخ واضحًا تمامًا لعقودٍ من الزمن، وكما قالت الصحافية البيئية «آمي ويسترفيلت» Amy Westervelt بشكلٍ رائع: لقد عرف المسؤولون بشركات الوقود الأحفوري حقيقة الأزمة المُناخية قبل أي شخص آخر، وقد أعلن البروفيسور «جيمس هانسن» James Hansen ذلك في شهادته أمام الكونجرس قبل اثنين وثلاثين عامًا. كما أن اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التغير المُناخي تعود إلى سنة 1992. لم نُكابد إذن أزمة المُناخ بسبب نقص المعلومات، أو بسبب عدم نشر المعلومات الواضحة، ولم يكن ما تم ارتكابه من عبث تجاه المُناخ بدافع الجهل، بل بدافع الخُبث والجشع.
  • يشعر الناس كما لو كانوا لا يستطيعون المشاركة في مكافحة التغير المُناخي لأنهم لا يميلون إلى التفاصيل العلمية، ماذا تقولين لهم؟
  • أقول لهم: «ولا أنا أيضًا»؛ لكن المرء ليس في حاجة إلى خلفية علمية كي يكون جزءًا من حركة المُناخ أو الحوار حول الأزمة، فالأمر لا يتعلق بالعلم، وإنما بالعدالة. العلم يُثبت شدة الظلم، وهذا لا يُمثل القصة بأكملها بالتأكيد؛ ثمة مكان لكل فرد في الحركة المُناخية، لأن الجميع – بما في ذلك أصغر طفل – يفهم مفهوم اللاعدالة!
  • يسأل الجميع أيضًا: ماذا يجب أن أفعل كفرد؟
  • أتلقى هذا السؤال كثيرًا، وهو أمرٌ مُحبط حقًا؛ فلئن كنت على استعداد لتقليل نشاطك الضار بالبيئة (بصمتك الكربونية Carbon Footprint)، والتصويت لصالح القرارات التي تتصدى للأزمة المُناخية، والمشاركة في المظاهرات المناهضة لأسباب التغير المُناخي، فقد بلغت النقطة التي تُصبح عندها على استعداد لأن تكون شخصًا مُدافعًا عن الاستقرار المُناخي. لقد حان الوقت لكي تفعل ما يُمليه عليك ضميرك البيئي، ولا يمكن لأحدٍ غيرك أن يفعل ذلك. لم يُجبر أحد الناشطة السويدية «جريتا تونبرج» Greta Thunberg (ذات السبعة عشر ربيعًا) على الإضراب أمام البرلمان السويدي في نوفمبر 2018؛ ولم يُجبر أحد الناشطتين المراهقتين (الكولومبيتين – الأمريكيتين) «جيمي مارجولين» Jamie Margolin و«نادية نازار» Nadia Nazar على تأسيس «منظمة ساعة الصفر» Zero Hour Organization سنة 2016، بهدف تثقيف الناس فيما يتعلق بصحة الكوكب، وتبيان تقاعس المسؤولين عن اتخاذ إجراءات فعَّالة للحد من التغير المُناخي؛ ولم يدفعني أحد إلى الكتابة عن المشكلة المُناخية، بل لقد نصحني كثيرون بألا أفعل ذلك … ربما كان السؤال المناسب هو: ماذا سأفعل بعد ذلك؟ والسؤال الأفضل هو: كيف وجدت دورك في حل أزمة المُناخ؟ ثم خذ إجاباتك وحدد مكانك الخاص.
  • مدرسة المُناخ:

    قبل الاحتفال بيوم الأرض Earth Day (22 أبريل من كل عام)، كتب عالم البيئة الأمريكي «دينيس هايز» Denis Hayes (الذي قاد الاحتفال الأصلي سنة 1970) في صحيفة سياتل تايمز Seattle Times عن خُطط إحياء الذكرى الخمسين ليوم الأرض عبر الإنترنت نظرًا لظروف الجائحة. لكنه أشار أيضًا إلى أننا سنحصل على فرصة حقيقية لإظهار التزامنا يوم الثالث من نوفمبر (التاريخ المُحدد لانتخابات الرئاسة الأمريكية). ركز «هايز» في مقاله بشكلٍ جيد على المشاهد القديمة، لكنه أضاف جانبًا لم أكن أعرفه؛ فبعد أيام فقط من الاحتجاج الأول سنة 1970، والذي شارك فيه قرابة عشرين مليون أمريكي، تصاعدت حدة الحرب في فيتنام، وتم إطلاق النار على طلاب جامعيين غير مسلحين خرجوا في مظاهرة حاشدة في جامعة «كينت ستيت» Kent State بولاية أوهايو، اعتراضًا على القصف الأمريكي لكمبوديا، لتتوارى أخبار الأزمة المُناخية خلف أخبار الحرب!

    لكن ما وجه الارتباط بين الأزمة المُناخية والجوائح الفيروسية؟ حسنًا، أول وجه للارتباط هو إزالة الغابات المُطيرة، إذ يُؤدي هذا الفعل إلى تدمير المُناخ، ومن ثم زيادة فرص انتقال الأمراض من الحيوانات إلى البشر. وقد اعترف الكاتب الأمريكي المُخضرم «ديفيد كوامن» David Quammen، في مقابلة أجرتها معه «مجلة كلية ييل للغابات والدراسات البيئية» Yale School of Forestry & Environmental Studies بتاريخ 9 أبريل 2020، واستنادًا إلى كتابه «الفيض» Spillover (2012)، بأنه لم تكن لدية أية فكرة عن أن الخُفاش يُمثل واحدًا من بين كل أربعة أنواع من الثدييات على كوكبنا (تُشكل الخفافيش حوالي 20% من جميع الثدييات)! كما نشرت صحيفة «ذا نيويورك تايمز» الأمريكية بتاريخ 5 أبريل 2020 مقالاً رائعًا عن المهاجرين النيباليين Nepali climate migrants، الذين ينزحون عن قُراهم بسبب التغير المُناخي والجفاف في جبال الهيمالايا. وبحسب أحد المسؤولين، فإن النوبات المتواصلة من الطقس المتطرف في جميع أنحاء المنطقة تُهدد بتقويض عقود من مكاسب التنمية، وربما تُقوض كافة جهودنا للقضاء على الفقر.   

  • اللوائح:

    ما زلت إدارة الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» مستمرة في التراجع عن اللوائح البيئية. وتكمن خطورة هذا النكوص في تراجع المحاكم عما أصدرته من أحكام قضائية لصالح الاستقرار المُناخي. وقد أعادت محكمة الاستئناف الأمريكية الخاصة بالعاصمة في أبريل النظر في مرسوم يحظر على الشركات استخدام المواد الكيميائية في أنظمة التبريد لأنها تساهم في تغيير المُناخ. وفي ولاية كانساس Kansas حكم قاض عيَّنه اليميني المتطرف «سام براون باك» Sam Brownback (الحاكم السابق لولاية كانساس) بأن المرافق لا يمكنها فرض رسوم شهرية إضافية على المواطنين لوضع الألواح الشمسية فوق أسطح منازلهم، وقد نسي هذا القاضي أن التكلفة الإضافية لاستخدام الطاقة النظيفة كان من الممكن تبسيطها بمد أجل سدادها من ثلاثة عشر عامًا إلى تسعة وثلاثين عامًا مثلاً، لكن كون القاضي مُعيَّنًا من قبل حاكم مُناهض للبيئة، ومُمثلاً لمسؤولي المرافق الذين يخشون ضعف عائداتهم نتيجة الانتشار السريع للألواح الشمسية، يجعل حكمه بمثابة محاولة لوضع الكرز فوق عبوة آيس كريم!

جدل الرؤية والفعل:

    من المُهم في النهاية أن أطرح السؤال الذي أراه جديرًا بالدراسة في مرحلتنا الراهنة: هل بإمكان المرء أن يتغير بعد أن كابد ويلات الجائحة؟ هل سيتغير العالم حقًا بنُظمه السياسية وبنيته الاقتصادية وصراعاته الأيديولوجية؟ هل ستتوارى حظوة الساسة والفنانين ولاعبي الكرة وأشباه الدعاة والمثقفين والإعلاميين، ليحل محلها اهتمام مجتمعي حكومي بالعلماء والأطباء والباحثين وأرباب الفكر؟ هل ستتراجع الأنانية ويتوارى الجشع وتنقشع سُحب الكراهية؟

    الإجابة بمعطيات الواقع، حتى في خضم الجائحة، قد تكون مُحبطة وقاسية، تستطيع أن تراها جليةً وصريحة حيثما وليت وجهك؛ فما زال الساسة والاقتصاديون يستثمرون الفيروس لتحقيق مكاسب جديدة تُعزز من هيمنتهم وقهرهم لشعوبهم، وإن تدثروا بدُثر الفضيلة الزائفة في مواجهة انتشار المرض، ولا أغالي إن قلت أن البقاء بالنسبة لهم هو بقاء سُلطاتهم وأنظمتهم قبل أن يكون بقاء من يُثقلون كاهل ميزانيات حكوماتهم؛ وما زال الناس على مستوى الشارع يتصارعون على المصالح من معازلهم، ويلتهمون بعضهم بعضًا لأجل مالٍ أو منصبٍ أو شهرةٍ أو مكانةٍ زائلة. وما زال أهل الحظوة ينتظرون حصد الغنائم من فوق جُثث من صفقوا وهللوا لهم؛ وما زالت الأنانية الممتزجة بالجشع والكراهية معزوفةً أثيرة تُطرب آذان القوم في سكرتهم، إلا من رحم ربي!

    لا يعني ذلك أننا لن نشهد تغييرًا بعد انقضاء الجائحة، لكنه – بالاستقراء التجريبي والاستنباط العقلي – قد يكون تغييرًا نحو الأسوأ؛ وقد يحملنا في النهاية قسرًا إلى حالة الطبيعة الهوبزية، لكن بدُثرٍ تكنولوجية، وهيمنة إلكترونية، وبرامج لاستنزاف الطبيعة والبشر إلى أن يقضي الله أمرً كان مفعولا!

    لست بذلك متشائمًا، لكني أقرأ الواقع، وأستحضر قول المولى عز وجل «قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ» (الأعراف: 24)، وقوله تعالى «فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ» (العنكبوت: 65)؛ لست آيسًا من روح الله، لكني أقرأ الشواهد، وأستحضر التاريخ، فما طغت عاد وثمود إلا بعد الطوفان؛ ولم تحل الحرب العالمية الأولى دون اندلاع الثانية، وما خلَّفت الأخيرة سوى عالم تغشاه اللاعدالة ويُهيمن عليه البؤس الأيديولوجي!   

    أخيرًا، إذا كانت الفلسفة تُعلمنا كيف نموت، وكيف نستخرج قوتنا من ضعفنا، فجديرٌ بها أيضًا أن تُعلمنا كيف نحيا، وإلا لم تكن لتستحق منا ساعة واحدة نقضيها في التأمل! جديرٌ بها أن تُعلمنا كيف يُمكن أن يسكن الحاضر في حواسنا ووجداننا وعقولنا قبل أن نعي أن مصيرنا في النهاية هو الموت! وما فشلت الفلسفة في عالمنا البرجماتي المُعاصر إلا لأن الجامعات تصنع فقط أكاديميين أو اختصاصيين، لكن الفلسفة في حقيقتها تصنع مُفكرين، بواجهون الحاضر ويتمثلونه ويسهمون في حل مشكلاته وقضاياه التي تؤرقنا … جديرٌ بالفلسفة أن تواجه الأيديولوجيات السياسية التي حطمت العنصر البشري فينا، وحولتنا إلى ماكينات صماء تنتظر الخروج من الخدمة … جديرٌ بها أن تُعلمنا كيف نُحب، وكيف نحيا، ليس فقط من أجلنا، وإنما من أجل أجيال أخرى نريد لها الحياة! وعلى الله قصد السبيل، والله أعلم

          صلاح عثمانالبيطاش – الإسكندرية-  13 مايو 2020.

مركز المجدد للبحوث والدراسات. 

اترك تعليقاً