أجهزة الأمن الربانية

د نعمان بن ثابت ال الشيخ حسون 

قال تعالى {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ } (الرعد: الآية11).
المسؤولون في الدولة والاغنياء يصرفون الملايين من الدولارات، ويسرفون في انفاق أموال المسلمين من أجل حماية أنفسهم وتأمين أمنهم، ويجيشون العشرات بل المئات من الناس لحمايتهم وحماية أمنهم ومصالحهم ،وينفق الإنسان خلال حياته الكثير من الأموال لحماية وصيانة نفسه من الأمراض أو أي شيء يؤذيه، ويعمل الأب والأم بكل ما يستطيعون لحماية وحراسة أبناءهم من أي ضرر قد يصيبهم، فإنفاق الاموال والحرص على الأولاد وغيرها من الأمور كلها من أجل أمر دنيوي.

إن كل من ورد ذكرهم يقومون بأمور الحراسة مع الاعتقاد الكامل والإيمان الجازم بأن هذه الأمور التي يقومون بها هي التي تحميهم وتحرسهم ونسوا أو تناسو الناس وهم المخلوقين بأن الذي خلقهم لم يخلقهم لكي يعذبهم أو يتعبهم أو يؤذيهم بل خَلقهم لكي يُسعدهم، فوفر لهم كل وسائل السعادة من أكل وشرب ووسائل نقل وملبس وكل ما يساعد الإنسان في أن يكون سعيدا في حياته، ولو كتبنا في موضوع نِعم الله على عباده ما استطعنا إحصائها وعدها ويكفينا قوله تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }النحل 18 وكذلك قوله تعالى: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} (إبراهيم34) ومن فضل الله ونعمته على الناس هو توفير الحماية لهم حيث خصص الله ملائكة واجبهم الأساسي هو حماية الانسان مما قد يجري عليه من التقديرات الإلهية، هذا هو معنى قوله تعالى {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ} (سورة الرعد: الآية 11).

وليس ذلك فقط، بل إن الله تعالى يبين لنا في كتابه الكريم بوجود جهاز أمني يحفظ لنا شيء آخر ألا وهو أمن تعدد اللغات التي يتكلم بها الإنسان حيث نرى حفظ الله لعقل الإنسان من اختلاف وتشابك الأحرف في عقله بتعدد اللغات التي يحفظها، وقد أثبتت الدراسات الحديثة بأن جميع لغات العالم تتجمع بالجانب الأيسر للعقل على شكل نقاط، واللغة العربية تكون بالجانب الأيمن من العقل لوحدها كرامة لها ولمكانتها العظيمة عند الله سبحانه وتعالى، وهذا الأمر من الأدلة التي تدل على وجود الله تعالى، قال الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ} (سورة الروم: الآية 22).
فلابد أن يكون لنا عقيدة كاملة بأن الحافظ هو الله وحده، فإذا تكاملت هذه العقيدة أصبحت القدرات التي تجري يوميًا على الانسان شيء طبيعي يتلذذ بها المؤمن لأنه مؤمن ومتيقن بأن المقدر هو الله، وهذا معنى قوله تعالى {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (سورة الرعد: الآية 11)، أي أن الله سبحانه وتعالى عندما يرى عبده وقد تغير من حال الضلالة إلى حال الإيمان والذكر فإنه يدفع عنه القضاء المقدر عليه ببركة ذكر الله وكثرت الدعاء، لأن قدر الله إذا أراد ان ينزل لا يمنعه أحد، لا نبي ولا ملك مقرب، فلا والي للإنسان الا الله، فهو نعم المولى ونعم النصير وهذا معنى قوله سبحانه وتعالى {وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} (سورة الرعد الآية 11).

أما الثمن الذي ندفعه مقابل عمل الملائكة واداء واجبهم اتجاه حفظنا فهو ذكر الله، وكثرت الدعاء لأننا نرى أن الله سبحانه وتعالى يعلمنا في الآية الرابعة عشر من سورة الرعد {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} (الرعد: الآية 14) بأن ندعوه سبحانه لأنه لا يستجيب للدعاء، ولا أحد يعطيك ما سئلت إلا هو سبحانه، فقبل هذه الآية يذكرنا سبحانه بنعمه علينا التي لابد أن نتفكر بها لكي نؤمن به {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ*وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} (الرعد: الآية 13) ملخص ما مضى:
1.أن المسلم لابد له مهما ابتعد ومهما نسى أو تناسى أن الله سبحانه وتعالى هو من أنعم عليه بكل النعم التي هو فيها، وهذا ال‘يمان لابد من أن يكون قلبي لا كلامي، يكون عملي لا قولي، وذلك بطاعة الله والتزام اوامره، ورد الفضل لصاحب الفضل، فالله سبحانه هو المتفضل علينا. 
2.ان الله سبحانه وتعالى خلقنا ليسعدنا لا ليتعبنا أو يشقينا أو يعذبنا {مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِراً عَلِيماً } (النساء: الآية 147).
3.أن ذكر الله سبحانه وتعالى وكثرت الدعاء هما السبب الرئيسي لعمل الملائكة الحفظة الموكلين بحفظ الإنسان فبدلا من الملايين والمليارات التي تنفق من أجل السلامة فلنملئ قلوبنا بالإيمان بمن يحفظنا ويحمينا ألا وهو خالقنا العظيم جل جلاله.
4.الدعاء يرد القضاء، فكثرت الدعاء والانابة إلى الله هي التي نفعت قوم سيدنا يونس عليه السلام في قوله تعالى {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} (سورة يونس: الآية 98)، فقد أخرج ابن أبي شيبة والنسائي وابن ماجة والحاكم عن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر) الدر المنثور – (ج 1 / ص 392) وروي أَنَّ سيدنا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ إِنَّ الْحَذَرِ لا يَرُدُّ الْقَدَرَ وَإِنَّ الدُّعَاءَ يَرُدُّ الْقَدَرَ وَذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ:  {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} (يونس الآية 98) تفسير ابن أبي حاتم – (ج 8 / ص 99).

فسبحان الخالق العظيم الذي أحسن خلقنا ووفر لنا من يحمينا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم.

 

 

 

مركز المجدد للأبحاث والدراسات

اترك تعليقاً