رمضانيات المجدد- تلاوة القرآن في شهر القرآن

علاء عبد الحميد الباتع – باحث في تاريخ مصر المعاصر.

 

قراءة القرآن في شهر رمضان المبارك:

 هو الشهر الوحيد الذي ذكر في القرآن الكريم، فهو الشهر الذي أنزل فيه القرآن، وفيه ليلة القدر، اهتم المسلمين بالقرآن ودراسته منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أن قراءة القرآن الكريم في شهر رمضان من أسمى العبادات، ورغم أن قراءة القرآن الكريم لا تقتصر على شهر رمضان، ولكنها طوال أيام العام إلا أن لها طابع خاص في هذا الشهر المبارك، وأصبحت مظهراً دينياً مقدس من مظاهر ذلك الشهر، وباقي أيام العام.

إتخذت قراءة القرأن في رمضان مظاهر كثيرة في مصر، خلال العصر الفاطمي(358-567هــــــ/ 969-1171م)  وهو العصر الذي إرتبطت به الكثير من المظاهر الدينية والإحتفالات خلال شهر رمضان، كانت قراءة القرآن الكريم طوال شهر رمضان شيء هام، وكان لقصر الخلافة الفاطمية عدد من المقرئين المخصصين لذلك الأمر، فكان الخليفة يجلس في الروشن” مثل الفراندة حالياً” إلى وقت السحور كل يوم والمقرئين تحته يقرأون القرآن، وفي ليلة ختم القرآن الكريم وهى ليلة التاسع والعشرين من رمضان، كان القصر يشهد إحتفالاً عظيماً ويتم فيها مضاعفة المال المخصص للمقرئين والمؤذنين، وكان ممن يشهدون تلك الليلة مع الخليفة الفاطمي، الوزراء وأخوته وأعمامه والأمراء والمحتسب والأشراف وغيرهم، وهذه العادة ” ختم القرآن” إرتبطت بالفاطميين ووورثها المصريون عنهم فصارت تقليد رمضاني، أيضاً نجد أن الشعراء في العصر الفاطمي ربطوا بين شهر رمضان الكريم، ونزول القرآن فيه، وعبروا عن ذلك في شعرهم ومنهم بن هانئ الأندلسي.

استمرت مجالس قراءة القرآن في رمضان خلال العصر الأيوبي ( 588-647هـ/1174-1250م) ولكن بمجيء عصر الدولة المملوكية (647-922هـ /1250-1517م)  إزداد الإهتمام بقراءة القرآن في شهر رمضان خاصة وباقي الشهور عامة، والعصر المملوكي هو العصر الذي شهد نضج البيئة الإجتماعية المصرية، وترسخت فيه معظم العادات والتقاليد الموروثة عبر العصور، وقد اهتم المماليك سلاطين وأمراء بأمر قراءة القرآن في كافة الآراضي التي كانت تحت حكمهم مثل مصر والحجاز والشام وغير ذلك من المناطق، وقد زاد المماليك على قراءة القرآن خلال شهر رمضان، قراءة كتب الحديث مثل صحيح البخاري، وصحيح مسلم، ومسند الإمام الشافعي، وكان السلاطين يهتمون بترتيب القراء ليلاً ونهاراً على أن يكونوا من أفضل الأصوات وأحسنها، وكانت قراءة الحديث في القلعة من المظاهر الرسمية الخاصة بشهر رمضان، كذلك بالأزهر الشريف وكان السلطان يجهز لذلك احتفالًا كبيراً بختم القرآن الكريم وقراءة الحديث الشريف.

العادات التي ارتبطت بختم القرآن:

 في عصر المماليك أنه كان عند ختم القرآن الكريم في أحد المساجد في شهر رمضان يقام إحتفالاً عظيماً وكانوا يأتون بفرس أو بغلة يركبها القارئ الذي قرأ ختمة القرآن ويزفونه إلى بيته وأمامه القراء والمؤذنين. ومن العادات أيضاً خلال ذلك العصر ” إمامة الفتيان الصغار من حفظة القرآن ” حيث كان الصبي يختم القرآن في رمضان ويحتفل به ويصلي التراويح بالناس إماماً وخلفه العلماء والفقهاء.

الأوقاف التي أوقفها السلاطين والأمراء المماليك:

   على قراءة القرآن الكريم والحديث الشريف هى شئ لم يكن معروفاً قبل ذلك، حيث كانوا يقومون بوقف العقارات والأطيان على قراءة القرأن في المساجد، أيضاً أوقفوا على قراءة الحديث الشريف (صحيح البخاري) في شهر رجب وشعبان ورمضان، كما أنشأ السلاطين مدارس لتعليم القرآن الكريم، وكان الأمر كذلك في بلاد الحجاز وبلاد الشام خلال العصر المملوكي.

 

خلال العصر العثماني (923-1213هــ/1517-1798م) كثرت مجالس قراءة القرآن الكريم في كافة المدن المصرية خلال شهر رمضان المبارك، وكان يتم إحياء ليالي رمضان بقراءة القرآن من مقرئين مشهورين، وكذلك كانت قراءة الحديث (صحيح البخاري) مستمرة طوال الشهر، وكان الولاة العثمانيين يهتمون بذلك الأمر خلال أيام شهر رمضان الكريم.

إستمر هذا التقليد الرمضاني في القرن التاسع عشر خلال حكم الأسرة العلوية وحتى نهايتها ونجد مثلاً في عصر الملك فاروق (1936-1952م) الاهتمام بقراءة القرآن في أيام وليالي رمضان حيث كان يتم إفتتاح موائد الرحمن الملكية بقراء مشهورين، وكانت القصور الملكية تستخدم مكبرات الصوت لإذاعة القرآن طوال أيام الشهر، وكثرت الحفلات الدينية القرآنية، على أيدي قراء ومشايخ عظام.

إذاعة القرآن الكريم من القاهرة:

  في الساعة السادسة صباح الأربعاء 11 من ذي القعدة 1383هــ الموافق 25 مارس 1964م، بدأت إذاعة القرآن الكريم إرسالها ومن مشاهير قراء القرآن بها الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، الشيخ محمد صديق المنشاوي، الشيخ محمد رفعت، الشيخ طه الفشني، الشيخ مصطفى إسماعيل، الشيخ محمود خليل الحصري، الشيخ كامل يوسف البهتيمي، الشيخ محمود علي البنا، وغيرهم ممن قدموا أروع التلاوات للقرآن الكريم في كافة أرجاء العالم الإسلامي.

القرآن وواقعنا اليوم:

أما اليوم نجد أن الاهتمام أصبح واسعاً نظراً لتوافر وسائل التكنولوجيا الحديثة من راديو وتلفزيون ومواقع انترنت وقنوات متخصصة في قراءة القرآن الكريم وتقديم الكثير من القراء والعديد من القراءات سواء المجود أو المرتل، كما نجد الاهتمام بعمل مسابقات لحفظ القرآن الكريم في شهر رمضان، وتهتم وزارة الأوقاف بعمل الاختبارات والمسابقات الخاصة بإرسال قراء القرآن الكريم لمختلف دول العالم خلال هذا الشهر الكريم.

هكذا نجد أن هذه العبادة “قراءة القرآن” تتخذ شكلاً خاصاً خلال شهر رمضان المبارك، وتنوعت مظاهرها على مدار التاريخ بتدخل الحكام فيها بالتطوير من حيث الوسائل التي قدمت لها في صورة أموال وأوقاف ومدارس لتعليم هؤلاء القراء أحكام القراءة، وإستخدام التقنيات الحديثة فيها حتى باتت اليوم تقليد رمضاني له مكانته في النفوس حول دول العالم الإسلامي.

 

 

مركز المجدد للبحوث والدراسات.

اترك تعليقاً