سلسلة الفكر السياسي الاسلامي ” 2 “: نظام الحكم السِّيَاسِيّ الإِسْلَامِيّ.

د. قصي الزين.
دكتوراه فكر سياسي – رئيس الاتحاد العالمي للشباب.

 

 

 الإِنْسَان لا بدّ أن يعيش في مجتمع منظم، ولا بدّ لهذا المجتمع من سُلْطَة آمره ونظام حكم، أو حاكم يدبر شؤونه ويسيّر أموره وبغيرها لا تصح الحياة فالعشوائية والفوضى من منغصات الحياة، قال الشاعر:

لا يصلح القوم فوضى لا سراة لهم   ولا سراة إذا جهَّالهم سادوا

تبقى الأمور بأهل الرأي ما صلحت     فإن تولت فبالأشرار تنقاد

فنظام الحكم: هو السُلْطَة المنظمة للدولة المسلمة بكل أركانها، وإقامة شعائرها الإِسْلَامِيَّة، والخضوع التام لسيادة الشريعة وتطبيق أحكامها وتحقيق العدل بين أفرادها، وإدارة مصالح الأمة وحماية أرضها وأمنها واقتصادها، فنسبة النظام إلى الدولة كنسبة العقل إلى الجسد، فالنظام السِّيَاسِيّ الإِسْلَامِيّ هو الركن الأساسي الفاعل في الدولة الإِسْلَامِيَّة، فلا يقيم ركن السيادة إلا النظام السِّيَاسِي.

والسيادة تكون فيه للشرع، وهذا يقتضي تطبيق الشريعة عقيدة ونظامًا، دولة وتشريعًا، فكرًا وحضارة على جميع شؤون الحياة.

وهذه السيادة الإلهية العليا لا يملك أحد إلا الإذعان والخضوع والانقياد لها، أما الأمر والنهي والتحليل والتحريم والتَّشْرِيع فكل هذا حق خالص للشارع الحكيم صاحب السيادة المطلقة التي لا يشاركه فيها أحد سواه.

والحاكم مسؤول في الدنيا أمام القضاء إذا ارتكب مخالفة جنائية بعيدًا عن سلطته، ومسؤول أمام الأمة إذا فرط في أمر من أمور الأمة، ومسؤول أمام الله تعالى في الآخرة.

والسلطان للأمة في اختيار من يحكمها: وسلطان الأمة غير سيادة الشرع، فسيادة الشرع لا تعلوها سُلْطَة وهي تَحكم الشعب والحاكم معًا، أما سلطان الأمة فهو أن لها الحق في اختيار الحاكم الذي يحكمها وتوجيهه ومساءلته ومحاسبته ومحاكمته وعزله إذا لم يعد صالحًا للحكم.

نظام الحكم وتحكيم الشريعة:

لا يختلف عاقل بضرورة وجوب وجود نظام حكم تسير عليه البشرية لتنال حقوقها، وتؤدي واجباتها، وتعرف حدودها، وهذا مسلم به ولا يُنكر، والإنسان لا بدّ أن يعيش في مجتمع، ولا بدّ لهذا المجتمع من سلطة، أو حاكم، ولكن الأمر يدور حول الحكم بما أنزل الله وتحكيم الشريعة، فالله رب الناس يعلم ما يصلح للناس ويضع شرائعه لتحقيق مصالح الناس الحقيقية، ولم تأت الشريعة لجماعة دون جماعة، أو لقوم دون قوم، أو لدولة دون دولة، وإنما جاءت للناس كافة من عرب وعجم، شرقيين وغربيين، على اختلاف مشاربهم وتباين عاداتهم وتقاليدهم وتاريخهم، فهي شريعة كل أسرة، وشريعة كل قبيلة، وشريعة كل جماعة، وشريعة كل دولة، ولم تأت الشريعة لوقت دون وقت، أو لعصر دون عصر، أو لزمن دون زمن، وإنما هي شريعة كل وقت، وشريعة كل عصر، وشريعة الزمن كله حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

الخلاصة والرؤية:

وليس أحسن من حكم الله وشريعة الله، حكمٌ أو شريعة، وليس لأحد من عباده أن يقول: إنني أرفض شريعة الله، أو إنني أبصر بمصلحة الخلق من الله، فإن قالها بلسانه أو بفعله فقد خرج من نطاق الإيمان، فلا يمكن لهذا الدين أن يقوم ولا لحياة الناس أن تُسعد ولا للعدل أن يتحقق ولا للفساد أن يزول إلا بنظام حكم راشد يحمل الإسلام ويحميه ويحققه في الناس وهذه سنة من سنن الله الثابتة.

فنظام الحكم في الإسلام نظامٌ دقيقٌ متجددٌ مع كل متطلبات الحياة ليس نظام قهر وتسلط واستبداد، فالإنسان كريم على الله لا يمكن أن يكون عبداً لغير الله سبحانه، ولذلك أوجب الإسلام على الأمة نصب الدولة ونظامها واختيار الكفوء ومن تتوفر فيه شروط الحكم والقيادة، ويكون من خيره أبنائها، لتسيير شؤونها وسياسة أمورها.

مركز المجدد للبحوث والدراسات.

اترك تعليقاً