الحدث العالمي كورونا- عَلى سُرُرٍ مُتقابِلين.

د: عادل الحمد الأمين المساعد لرابطة علماء المسلمين.

عندما يقترب النصف من شعبان، يأتي الحديث عن قضية تصفية النفوس، والتسامح بين الناس.

وهذا أمر جميل، وسبب ذلك حديث ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال فيه: ((يطلع الله تبارك وتعالى إلى خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن)). وهذا الحديث رواه عدد من الصحابة، وصحح إسناده فريق من العلماء، وضعفه آخرون.

وحرص الناس على تصفية النفوس، والتسامح في هذه الأيام أمر يشكرون عليه، والذي يصفي نفسه تجاه إخوانه، لا يضره تضعيف العلماء للحديث، والذي يرى بضعف الحديث، لا يختلف على أهمية تصفية النفوس.

فكيف نستقبل النصف من شعبان بقلوب صافية؟

وهل يأتي الحب في شعبان دفعة واحدة؟ وفي ليلة واحدة؟

وهل وباء (كورونا) يساعد في هذا الصفاء؟

 

لعلي أستعرض بعض النقاط التي من خلالها يمكننا أن نعرف مستوى صفاء قلوبنا للمسلمين.

أولا: ارتباط الأخوة بالإيمان:

بنى الله العلاقة بين المسلمين على الإيمان، فقال: ]إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[ [الحجرات: 10]

فارتبطت الأخوة بالإيمان، قال السعدي رحمه الله: ((هذا عقد، عقده الله بين المؤمنين، أنه إذا وجد من أي شخص كان، في مشرق الأرض ومغربها، الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، فإنه أخ للمؤمنين، أخوة توجب أن يحب له المؤمنون، ما يحبون لأنفسهم، ويكرهون له، ما يكرهون لأنفسهم)). (تفسير السعدي 800)

فالذي يجمع قلوب الناس هو هذا الدين ا لعظيم؛ يجمعهم على الإيمان، لا على العصبية الجاهلية، ولذلك ألف الله بين قلوب الصحابة، لما آمنوا.

 

 

 

إضاءة: في سر جمال العقيدة

إن هذه العقيدة عجيبة فعلا. إنها حين تخالط القلوب، تستحيل إلى مزاج من الحب والألفة ومودات القلوب، التي تلين جاسيها (قاسيها)، وترقق حواشيها، وتندي جفافها، وتربط بينها برباط وثيق عميق رفيق. فإذا نظرة العين، ولمسة اليد، ونطق الجارحة، وخفقة القلب، ترانيم من التعارف والتعاطف، والولاء والتناصر، والسماحة والهوادة، لا يعرف سرها إلا من ألف بين هذه القلوب، ولا تعرف مذاقها إلا هذه القلوب. (في ظلال القرآن 3/ 1548).

 

ثانيا: حقوق الأخوة لكل مسلم:

ارتبطت حقوق المسلمين بين بعضهم على أساس الإسلام، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلاَمِ، وَعِيَادَةُ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ العَاطِسِ)). (رواه البخاري)

وقَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ». (رواه البخاري)

فحقوق المسلمين غير مبنية على أساس الدول، أو الجنسيات، أو الألوان، أو اللغات. فإذا وجدت في نفسك تفضيلا لأهل بلدك، وتنزيلا لغيرهم في نفسك، على غير أساس من الدين، فعالج قلبك.

ثالثا: الجسد الواحد:

من علامات محبتك للمسلمين؛ الوقوف معهم في محنهم، والشعور بآلامهم، ودعهم ماديا ومعنويا، بحسب الوسع والطاقة.

عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)). (رواه مسلم)

واليوم ومع انتشار وباء (كورونا) هل نجد في أنفسنا أننا نتألم لمن أصيب من المسلمين بهذا الوباء؟ وهل نمد يد العون لهم؟ أم أننا لا نعترف إلا بـ (المواطنين) فقط! ولا نتألم إلا لهم!

 

كيف هي أحوالنا مع العالقين في دولنا من المسلمين بسبب هذا الوباء؟ هل رحمناهم؟ هل أعناهم؟ هل دافعنا عنهم عندما ظلمهم الناس؟  اختبار صعب، نسأل الله أن يلطف بنا.

رابعا: محبة بلا مصلحة:

علمنا نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن العلاقة بين المسلمين مبنية على الحب في الله، وليس على المصلحة الشخصية، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)). (رواه البخاري)، فإن لم تكن المحبة خالصة لله، لن يتذوق المسلم حلاوة الإيمان.

ولعل من الاختبارات التي تكشف لنا حقيقة محبتنا للمسلمين، وأنها خالصة لوجه الله، المعايير التي نضعها لتوزيع المساعدات أو الصدقات على الناس.

وقد أخبرنا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمعيار الذي يحكم العطاء والمنع، فقال: «مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَعْطَى لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الاِيمَانَ» (رواه أبو داود).

فمن طبق هذا المعيار، فقلبه سليم، ومن جعل لنفسه اعتبارات أخرى في العطاء والمنع، مثل: العصبية لأهل البلد، أو العصبية للموافقين في الرأي أو الانتماءات التي يخترعها الناس، فليراجع قلبه.

خامسا: الدعاء للمؤمنين:

من العلامات المهمة التي تكشف لنا حقيقة سلامة القلب على المسلمين، الدعاء لهم؛ بالرحمة، والمغفرة، ودخول الجنان. قال تعالى: ]وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ[ [الحشر: 10].

 

إضاءة وعبرة :

” رباط الإيمان”

هؤلاء الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار – ولم يكونوا قد جاءوا بعد عند نزول الآية في المدينة، إنما كانوا قد جاءوا في علم اللّه وفي الحقيقة القائمة في هذا العلم المطلق من حدود الزمان والمكان – سمة نفوسهم أنها تتوجه إلى ربها في طلب المغفرة، لا لذاتها ولكن كذلك لسلفها الذين سبقوا بالإيمان، وفي طلب براءة القلب من الغل للذين آمنوا على وجه الإطلاق، ممن يربطهم معهم رباط الإيمان. مع الشعور برأفة اللّه، ورحمته، ودعائه بهذه الرحمة، وتلك الرأفة: “رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ” (في ظلال القرآن 6/ 3527).

ولعل من أقوى الاختبارات التي تكشف لك سلامة قلبك من الشحناء على إخوانك، هو أن تدعو لمن اختلفت معهم، أو وقع بينك وبينهم شحناء يوما من الأيام، أن تدعو لهم في سجودك، أو في عموم صلاتك، أو غيرها من مواطن الدعاء، أن تدعو لهم بالجنة والمغفرة. فإن لم تستطع فراجع قلبك.

قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من استغفر للمؤمنين وللمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة». (رواه الطبراني)

سادسا: انزع الغل من قلبك:

قال تعالى عن أهل الجنة: ]وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ[ [الحجر: 47]

وقال سبحانه: ]وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ[ [الأعراف: 43].

وقد صور النفوس المطمئنة فقال: ]إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ أي جالسين على سرر (جمع سرير)، متقابلين بوجوه مقبلة فرحة مستبشرة، وهذه نعمة أخرى من أجل النعم الإنسانية وهي نعمة الأخوة والمحبة المتوادة المتراحمة)). زهرة التفاسير (8/ 4092).

 

 ((ونزعنا: أي استخرجنا، والنزع أقوى من الاستخراج، لأن النزع إخراج ما هو متأشب (متجمع) بالقلب لَا يسهل إخراجه، ولكن الله تعالى ينزعه نزعا، ويبقى القلب مصقولا بنور المحبة والمودة، فيتحابون ويتوادون، ولا يتباغضون)). (زهرة التفاسير 6/ 2842).

عندما نتأمل هذه الآية ونتفكر فيها، ندرك أنه سيدخل الجنة أقوام في قلوبهم غل على بعض في الدنيا، ويحمل بعضهم هذا الغل معه إلى القبر، ثم يبعث عليه، ولا يتخلص منه حتى ينزعه الله من قلبه، ثم يدخله الجنة مع من كره في الدنيا، والعجيب أنهما سيجلسان على سرر متقابلين، وهما في الدنيا لا يستطيعان الجلوس في مكان واحد!

 

 

عظة وعبرة من الآية الكريمة

 نزع اللَّه تعالى ما في النفوس من الغل الذي يتكون من الحقد، والحسد وحب الاستعلاء؛ لأنه سبب في شقاء الدنيا، فالناس يشقون إذا ملأ الحقد والحسد قلوبهم، فالحاسد في هم دائم، وتعب ملازم، وكلما تكاثرت النعم على المحسود تفاقمت النقم على الحاسد، ومن كان في قلبه حقد أوجب انتقاما، فهو يضم بين جنبيه نارا تلهب دائما، وتؤجج أضغان القلوب.

 

اللهم اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم، والحمد لله رب العالمين.

د: عادل الحمد- 14 شعبان 1441هـ

 

مركز المجدد للبحوث والدراسات.

اترك تعليقاً