لطائف قرآنية (3):
بين «المَسِّ» و«الإرادة».. و«الضُّرِّ» و«الخير»

محمد أحمد البكري – محاضر وباحث في اللغة العربية.

 

 

نحاول في هذه اللطيفة أن نتأمَّل دلالة استعمال الفعل «يَمْسَسْكَ» مع الضُّرِّ والفعل «يُرِدْكَ» مع الخير، وكذلك استعمال «الضُّرّ» -وليس «الشَّرّ» مثلًا- مقابلًا لـ «الخير» في قول الله ﷻ: {وَإِن یَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرࣲّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥۤ إِلَّا هُوَۖ وَإِن یُرِدۡكَ بِخَیۡرࣲ فَلَا رَاۤدَّ لِفَضۡلِهِۦۚ یُصِیبُ بِهِۦ مَن یَشَاۤءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِیمُ} [يونس 107]

يقول الزمخشري، رحمه الله: “فإن قلتَ: لِمَ ذكر المسَّ في أحدهما، والإرادة في الثاني؟ قلتُ: كأنَّه أراد أن يذكر الأمرين جميعًا -الإرادة والإصابة- في كل واحد من الضُّرِّ والخير، وأنَّه لا رادَّ لما يريده منهما، ولا مُزيلَ لما يصيب به منهما، فأوجز الكلام بأن ذكر المسَّ -وهو الإصابة- في أحدهما، والإرادة في الآخر؛ ليدلَّ بما ذكر على ما ترك”.

ويقول أبو حيَّان، رحمه الله: “وأتى في الضُّرِّ بلفظ المَسِّ، وفي الخير بلفظ الإرادة، وطابق بين الضُّرِّ والخير مطابقةً معنويةً لا لفظيةً؛ لأنَّ مقابلَ الضُّرِّ النفعُ، ومقابلَ الخير الشَّرُّ، فجاءت لفظةُ الضُّرِّ ألطفَ وأخصَّ من لفظة الشَّرِّ، وجاءت لفظةُ الخير أتمَّ من لفظة النفع.

ولفظة المسِّ أوجز من لفظ الإرادة، وأنصّ على الإصابة، وأنسب لقوله: ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُۥۤ إِلَّا هُوَ﴾. ولفظُ الإرادة أدلُّ على الحصول في وقت الخطاب وفي غيره، وأنسبُ للفظ الخير؛ وإن كان المسُّ والإرادة معناهما الإصابة”.

 

 

المصادر:
الزمخشري، أبو القاسم (ت 538ه). الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (بيروت: دار الكتاب العربي، 1407ه): 2/ 375.
الأندلسي، أبو حيان (ت 745ه). البحر المحيط في التفسير. ( بيروت: دار الفكر، 1420ه): 6/ 113.

 

 

 

 

مركز المجدد للأبحاث والدراسات.

اترك تعليقاً