سلسلة خواطر رمضانية “الرضا والرضوان كيف ترضى عن الله، ويرضى عنك؟”

خاطرة رمضان(8): “الإقرار بالنعم وشكرها“

 منتصر محمد عفيفي – كاتب وباحث لغوي

ومن الأمور التي تجعل الله (سبحانه وتعالى) يرضى عنك أيضًا أن تقر بنعم الله وفضله عليك، وتشكر الله (سبحانه وتعالى) وتحمده على تلك النعم.

إن قلة الإحساس بالنعم تحرم العبد لذة الرضا، ربما فقدت النعم قيمتها بإلفها، أو بسهولة الحصول عليها، روي أن رجلاً شكا فقره إلى بعض أرباب البصيرة، وأظهر شدة اغتمامه بذلك، فقال له: أيسرك أنك أعمى ولك عشرة آلاف درهم؟ قال: لا، قال: أيسرك أنك أخرس ولك عشرة آلاف درهم؟ قال: لا، قال: أيسرك أنك أقطع اليدين والرجلين ولك عشرون ألف درهم؟ قال: لا، قال: أيسرك أنك مجنون ولك عشرة آلاف درهم؟ قال: لا، قال: “أما تستحي أن تشكو مولاك، وله عندك عروض بخمسين ألفاً؟!“.

ودخل ابن السماك على الرشيد في عظة‏.‏ فبكى، ثم دعا بماء فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين، لو منعت هذه الشربة إلا بالدنيا وما فيها، أكنت تفديها بها، قال‏:‏ نعم، قال فاشرب رياً، بارك الله فيك‏.‏ فلما شرب، قال له‏:‏ يا أمير المؤمنين، أرأيت لو منعت إخراج هذه الشربة منك إلا بالدنيا وما فيها، أكنت تفتدى ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم قال فما تصنع بشيء شربة ماء خير منه‏!‏

والإقرار بالنعم لابد أن يؤدي بالإنسان إلى شكر الله، هذا الشكر الذي هو علامة رضا العبد عن الله، وهو بمثابة اعتراف منه لله بفضله وكرمه، وإعلان عن رضاه عنه ـ سبحانه ـ وحبه وخضوعه له، وحسن ثنائه عليه، فضلاً عن أنه عبادة يثاب عليها، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):‏ ‏”‏إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة، فيحمده عليها‏“‏.‏

فإذا رزقك الله رزقًا قليلاً، ووفَّقك إلى شكره، فهو خير لك وأنفع من عطاء كثير لا تتوصل إلى شكره، فيكون فيه الخسران والشقاء في الدنيا والآخرة، لذلك كان التوجيه من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالنظر إلى من هم أقل في العطاء والنعم؛ ليكون ذلك دافعًا للشكر على عطاء الله، وعدم احتقار نعمه مهما قلَّت، ففي الحديث الذي رواه البخاري: “انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم“.

‏ وكان السلف يتساءلون، ومرادهم استخراج الشكر لله، فيكون الشاكر مطيعًا، والمستنطق مطيعًا، فقد روي أن رجلاً سلَّم على عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، فرد عليه، ثم قال له عمر‏:‏ كيف أصبحت‏؟‏ قال‏:‏ أحمد الله، فقال عمر‏:‏ ذاك الذي أردت‏.

مركز المجدد للبحوث والدراسات

اترك تعليقاً