لطائف قرآنية (2):

بين «فَتْح» و«نصيب»

محمد أحمد البكري– محاضر وباحث في اللغة العربية.

 

ممَّا يعين قارئ القرآن على تدبُّر آيِه وتبيُّن بلاغته العالية ودقَّته المحكمة، أن يديم النظر في العلاقات بين الآيات والجمل والألفاظ في أثناء قراءته؛ بين الآية وما يسبقها من آيات أو يليها، وبين صدر الآية وختمها، وبين الجملة وما حولها، وبين اللفظة والأخرى، واللفظة وصِيَغها.

ومثالًا للنظر في العلاقة بين اللفظة والأخرى، نحاول أن نتأمَّل دلالة استعمال لفظة «فَتْح» للمؤمنين ولفظة «نصيب» للكافرين في قول الله ﷻ في المنافقين: {ٱلَّذِینَ یَتَرَبَّصُونَ بِكُمۡ فَإِن كَانَ لَكُمۡ فَتۡحࣱ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤا۟ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡ وَإِن كَانَ لِلۡكَـٰفِرِینَ نَصِیبࣱ قَالُوۤا۟ أَلَمۡ نَسۡتَحۡوِذۡ عَلَیۡكُمۡ وَنَمۡنَعۡكُم مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَۚ فَٱللَّهُ یَحۡكُمُ بَیۡنَكُمۡ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِۗ وَلَن یَجۡعَلَ ٱللَّهُ لِلۡكَـٰفِرِینَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِینَ سَبِیلًا} [النساء 141]

والسؤال الذي قد يتبادر إلى ذهن القارئ: لماذا جاء التعبير عن ظَفْرِ المسلمين باللفظ «فَتْح» وعن غلبة الكافرين باللفظ «نصيب»؟ ولماذا نُسِب اللفظ الأوَّل إلى الله ﷻ: ﴿مِّنَ ٱللَّهِ؟

وإذا ذهبتَ تبحث في ما بين أيدينا من تراث، ستجد مثلًا أنَّ الزمخشري والرازي -رحمهما الله- قد سبقاك بافتراض هذا السؤال تمهيدًا للجواب عنه، وهذا من جميل الاتفاق في أثناء البحث؛ أن تعرض لك خَطْرةٌ فتجد أحدًا من السلف قد وقع عليها قبلك.

يقول الزمخشري رحمه الله: “فإن قلتَ: لِمَ سَمَّى ظَفْرَ المسلمين فتحًا، وظفْرَ الكافرين نصيبًا؟ قلتُ: تعظيمًا لشأن المسلمين، وتخسيسًا لحظِّ الكافرين؛ لأنَّ ظَفْرَ المسلمين أمرٌ عظيم تُفتح لهم أبوابُ السماء حتى ينزل على أوليائه. وأمَّا ظَفْرُ الكافرين؛ فما هو إلا حظٌّ دنيٌّ ولمظةٌ من الدنيا يصيبونها“، وبمثله قال فخر الدين الرازي رحمه الله.

وقد تطرَّقَ محمد الطاهر بن عاشور -رحمه الله- في تفسيره إلى الأمر نفسه، فقال: “وجُعِلَ ما يَحْصُلُ لِلْمُسْلِمِينَ فَتْحًا لِأنَّهُ انْتِصارٌ دائِمٌ، ونُسِبَ إلى اللَّهِ لِأنَّهُ مُقَدِّرُهُ ومُرِيدُهُ بِأسْبابٍ خَفِيَّةٍ ومُعْجِزاتٍ بَيِّنَةٍ. والمُرادُ بِالكافِرِينَ هُمُ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرُهم لا مَحالَةَ؛ إذْ لا حَظَّ لِلْيَهُودِ في الحَرْبِ. وجُعِلَ ما يَحْصُلُ لَهم مِنَ النَّصْرِ نَصِيبًا؛ تَحْقِيرًا لَهُ. والمُرادُ: نَصِيبٌ مِنَ الفَوْزِ في القِتالِ“.

المصادر:

الزمخشري، أبو القاسم (ت 538ه). الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (بيروت: دار الكتاب العربي، 1407ه): 1/ 578، 579.

الرازي، فخر الدين (ت 606هـ). مفاتيح الغيب=التفسير الكبير (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1420هـ): 11/ 248.

ابن عاشور، محمد الطاهر (ت 1393ه). تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد (تونس: الدار التونسية للنشر، 1984م): 5/ 237.

 

 

مركز المجدد للأبحاث والدراسات

اترك تعليقاً

Enable Notifications    OK No thanks