تَحْدِيْدُ لَيْلَةِ القَدْرِ (رَأيٌ شَخْصِيٌّ):
أ.د. عماد أحمد هلال شمس الدين
أستاذ التاريخ الحديث بجامعتي قناة السويس بمصر والملك فيصل بالسعودية

مقدمة:

اتفق العلماءُ على أن ليلة القدر تكون دومًا في شهر رمضان المبارك، لا رجب ولا شوال ولا غيرهما. وفيما عدا ذلك اختلفوا اختلافًا كبيرًا؛ لأن ما ورد في السنة والأثر عنها فيه قدرٌ كبير من التناقض: فمنه أنها ثابتة في ليلة محددة أرجحها ليلة السابع والعشرين، ومنه أنها متنقلة في العشر الأواخر من رمضان أو السبع الأواخر. ومنه أنها في الليالي الوترية من العشر الأواخر، ومنه أنها قد تأتي في الليالي الزوجية.

تناقض ظاهري:

والحقيقة أن هذا التناقض ظاهري فقط، وأن كل ما هو ثابت في الأثر حول ليلة القدر صحيح لا تناقض فيه البتة. ولتوضيح ذلك أقول: إن ليلةَ القدرِ محددةٌ وثابتةٌ بترجيح النبي-صلى الله عليه وسلم-وجَزْمِ كثيرٍ من الصحابة-رضوان الله عليهم-وهي ليلة السابع والعشرين، ولكن ما لم ينتبه إليه أحدٌ أن ليلة السابع والعشرين غيرُ محددةٍ وغير ثابتةٍ، فقد تتقدم أو تتأخر، وقد تأتي زوجية أو فردية. وإذا عُرف السببُ بَطُلَ العجب.

إن ليلةَ القدرِ ثابتةٌ فعليًّا متغيرةٌ ظاهريًّا، فمن الناحية الفعلية الشهر القمري يبدأ (لحظة الاقتران) وهي لحظة وقوع القمر بين الأرض والشمس في خطٍ مستقيم، ويستمر الشهرُ القمري حتى يُكمل القمرُ دورته حول الأرض ويعود لنفس نقطة الاقتران مرة أخرى. وهذه الدورة متوسطها 29 يومًا و12 ساعة و44 دقيقة، والسنة القمرية (12 دورة للقمر) تساوي 354.3 يوم. وبهذا المعدل ستجد أن الشهر القمري يتكون من 29 ليلة و29 نهارًا، بالإضافة إلى 12 ساعة قد تكون ليلًا أو نهارًا حسب بداية الشهر ونهايته.

 

أمثلة:

ولو ضربنا أمثلة ببداية شهر رمضان في الأعوام الثلاثة الماضية: سنجد أن هلال رمضان لسنة 1438 قد وُلد في تمام الساعة العاشرة و44 دقيقة من مساء يوم الخميس 25 مايو 2017 بتوقيت مكة المكرمة. وبذلك كان من المستحيل رصده مغرب الخميس؛ لأنه وُلد بعد انقضاء موعد الرصد بعد الغروب، وتم رصده بالفعل بعد غروب شمس يوم الجمعة؛ وبذلك فإنه بحساب الرؤية الشرعية يكون يوم السبت 27 مايو هو أول أيام رمضان لسنة 1438، ولكن الحقيقة أن رمضان فعليًّا وفلكيًّا بدأ قبل يوم كامل من ذلك التاريخ؛ وبذلك فإن ليلة القدر التي هي ليلة السابع والعشرين من رمضان بالحساب الفلكي الثابت وافقت في ذلك العام ليلة السادس والعشرين من رمضان بحساب الرؤية الشرعية المتنقلة.

ليلة القدر موحدة ولا تأتي لكل بلد حسب رؤيتها:

أما شهر رمضان لسنة 1439 فبدأ فلكيًّا الساعة الثانية و48 دقيقة من بعد ظهر يوم الثلاثاء 15 مايو 2018م؛ فاستحالت رؤية الهلال مغرب ذلك اليوم لأن القمر كان قد غرب بالفعل قبل دقائق من غروب الشمس في معظم بلاد العالم الإسلامي، ما عدا تركيا ومالي وساحل العاج التي ثبتت رؤية الهلال فيها، أما بقية دول العالم الإسلامي فتمت رؤية الهلال فيها مغرب يوم الأربعاء، ما عدا بنجلاديش وسريلانكا اللتان لم تثبت رؤية الهلال فيهما إلا مغرب يوم الخميس. وبذلك كانت البداية الشرعية لرمضان سنة 1439 هي يوم الأربعاء 16 مايو 2018 في تركيا ومالي وساحل العاج، والخميس 17 مايو في معظم البلاد الإسلامية، والجمعة 18 مايو في بنجلاديش وسريلانكا. وحيث أن رمضان قد بدأ فعليًّا وفلكيًّا من ظهر الثلاثاء؛ فإن البداية الفلكية لرمضان قد سبقت البداية الشرعية بيوم في تركيا ومالي وساحل العاج، ويومين في معظم البلاد الإسلامية، وثلاثة أيام في بنجلاديش وسريلانكا. وبذلك فإن ليلة القدر في ذلك العام قد وافقت ليلة السادس والعشرين من رمضان بحسب الرؤية الشرعية في تركيا، والخامس والعشرين بحسب الرؤية الشرعية في معظم البلاد الإسلامية، والرابع والعشرين في بنجلاديش وسريلانكا. وليلة القدر لا تتجزأ بحيث تأتي لكل جماعة بحسب رؤيتهم للهلال.

وشهر رمضان لسنة 1440 قد بدأ في تمام الساعة الواحدة و45 دقيقة من صباح يوم الأحد الموافق 5 مايو سنة 2019م، وبذلك كان من المستحيل رصد الهلال بعد غروب شمس يوم السبت؛ لأنه لم يكن قد وُلد بعد. كما كان من المستحيل رصده بالعين المجردة مغرب يوم الأحد 5 مايو في معظم الدول الإسلامية؛ ولكن معظمها رصده باستخدام المنظار، وبذلك كانت البداية الشرعية لرمضان عام 1440 هي يوم الاثنين 6 مايو 2019م. وبذلك تكون البداية الفلكية لرمضان قد سبقت البداية الشرعية بيوم كامل تقريبًا في معظم البلاد الإسلامية، ما عدا الهند وباكستان وبنجلاديش وإستراليا التي لم تثبت رؤية الهلال فيها إلا بعد غروب شمس يوم الاثنين، أي أن رمضان قد بدأ في تلك الدول شرعًا يوم الثلاثاء السابع من مايو. وبناءً على ذلك فإن ليلة القدر بالحساب الفكي قد قابلت في ذلك العام ليلة السادس والعشرين بحساب الرؤية الشرعية في معظم البلاد الإسلامية، وقابلت ليلة الخامس والعشرين في الهند وباكستان وبنجلاديش.

هل يمكن أن يصل تباين الرؤى إلى عشرة أيام؟

وإذا كان الفارق بين ليلة القدر الثابتة فلكيًّا والمتنقلة حسب الرؤية الشرعية في السنوات الثلاث الماضية قد تراوح بين يوم واحد وثلاثة أيام؛ فإنه في بعض الأعوام قد وصل إلى أكثر من ذلك، فنحن عادة نستطلع الهلال بعد غروب شمس يوم 29 شعبان، فماذا لو كانت رؤيته ممكنة لأنه ولد فلكيًّا بالفعل قبل يوم أو بعض يوم، ولكن غُمَّ علينا لغبارٍ في السماء أو سحاب أو نحوهما؟ سنكمل شعبان ثلاثين يومًا ونبدأ الصيام من اليوم الثاني من رمضان بالحساب الفلكي، وبذلك يزداد الفارق بين الرؤية الشرعية والفعلية يومًا آخر، فماذا لو كان هلال شعبان نفسه قد غُم علينا؟ وقد أكدت بعض الجهات الشرعية والفلكية في سنوات عديدة أن شعبان جاء 31 يومًا نتيجة للرصد الخاطئ في بدايته، وقد حدث أن صام الناسُ زمن خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب-رضي الله عنه-ثمانية وعشرين يومًا ثم أهَلَّ هلالُ شوال، فأدرك عليٌّ-رضي الله عنه-أن الناس قد أفطروا اليوم الأول من رمضان بحسبانه المتمم لشعبان، وأمرهم بقضائه بعد العيد. كما حدث هذا الأمر في مصر منذ نحو أربعين عامًا، أيام الشيخ جاد الحق-رحمة الله عليه-وحدث في ليبيا أيام القذافي مرات عديدة أن بدأ الناسُ الصيام يوم التاسع والعشرين من شعبان أو احتفلوا بالعيد يوم التاسع والعشرين من رمضان.

ليلة القدر هذا العام:

وحيث اتفقنا على أن الشهر يبدأ لحظة الاقتران المركزي، وهذه اللحظة قد تحدث في الليل أو في النهار، فإن شهر رمضان لسنة 1441 قد بدأ في تمام الساعة الحادية عشرة و26 دقيقة من مساء يوم الأربعاء 22 إبريل سنة 2020م بتوقيت مكة المكرمة (وهي ليلة الخميس)، وبذلك كان من المستحيل رصد الهلال بعد غروب شمس يوم الأربعاء بداية ليلة الخميس 23 إبريل؛ لأنه ببساطة لم يكن قد وُلد بعد، وأمكن رصده بصعوبة وبالمناظير فقط بعد غروب شمس يوم الخميس بداية ليلة الجمعة الموافق 24 إبريل في البلاد الإسلامية التالية: ((الأردن، الإمارات، البحرين، الجزائر، العراق، الكويت، السعودية، اليمن، إندونيسيا، تركيا، تونس، سوريا، فلسطين، قطر، لبنان، ليبيا، ماليزيا، مصر، موريتانيا، نيجيريا))

بينما ثبتت رؤيته بسهولة وبالعين المجردة بعد غروب شمس يوم الجمعة ليلة السبت في البلاد التالية: ((أستراليا، السودان، المغرب، المملكة المتحدة، إيران، باكستان، بروناي، بنغلادش، جنوب أفريقيا، سريلانكا، عُمان، غانا، نيبال، نيوزيلندا))

وهكذا فإن ليلة القدر والفرج والعتق من النار والرزق والوافر والخير العميم ستبدأ في ((الأردن، الإمارات، البحرين، الجزائر، العراق، الكويت، السعودية، اليمن، إندونيسيا، تركيا، تونس، سوريا، فلسطين، قطر، لبنان، ليبيا، ماليزيا، مصر، موريتانيا، نيجيريا)) بعد غروب شمس يوم الاثنين 18 مايو 2020 الموافق للخامس والعشرين من رمضان بحسب رؤيتهم الشرعية، وهي ليلة السادس والعشرين من رمضان ظاهريًّا بحسب الرؤية الشرعية، ولكنها ليلة السابع والعشرين من رمضان إذا بدأنا العد من لحظة الاقتران لحظة ميلاد هلال الشهر المبارك.

أما البلاد التالية ((أستراليا، السودان، المغرب، المملكة المتحدة، إيران، باكستان، بروناي، بنغلادش، جنوب أفريقيا، سريلانكا، عُمان، غانا، نيبال، نيوزيلندا))

فليلة قدرهم ومفتاح فرجهم ستبدأ بعد غروب شمس يوم الاثنين 18 مايو الموافق للرابع والعشرين من رمضان بحسب رؤيتهم الشرعية التي هي ليلة الخامس والعشرين من رمضان ظاهريًّا، ولكنها ليلة السابع والعشرين من رمضان إذا بدأنا العد من لحظة الاقتران.

 

والخلاصة:

 إن ليلة القدر ثابتة فعليًّا وفلكيًّا، ولكنها متغيرة ظاهريًّا؛ وهذه المسألة المعقدة أعْلَمَها اللهُ-تعالى-لنبيهِ-صلى الله عليه وسلم-وفصَّلها له، لكنه-صلى الله عليه وسلم-نَسَيها أو أُنْسِيها كما ورد في (صحيح البخاري) من حديث أبي سعيد الخدري قال-صلى الله عليه وسلم-: {إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا أَوْ نُسِّيتُهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي الْوَتْرِ} وفي اعتقادي أن الرسول-صلى الله عليه وسلم-لم يَنْسَ وما كان له أن ينسى وهو الأمين على الوحي، ولكنه أُنْسي؛ لأنه لم يكن ميسورًا أن يشرح ما شرحناه أعلاه لأهل زمانه ويفهموه، وقد ورد في أصح وأقوى إسناد في الحديث الشريف للثلاثي الذهبي مالك عن نافع عن ابن عمر ما نصه: {أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَقال رسول-الله صلى الله عليه وسلم-: “أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ”} وهذا هو الأقوى لندرة أن تأتي في الثلاثة الأوائل من العشر الأواخر من رمضان. صدق رسول الله، وهذه إحدى معجزاته تَتَكَشَّف لنا اليوم، أنه كان مدركًا للفارق بين الحساب الفلكي والحساب الشرعي، ويعلم ثبات ليلة القدر في الليلة السابعة والعشرين ولكنها متنقلة بحسب الرؤية الشرعية، ولكنه لم يشأ أن يكشف عن ذلك للناس فتحدث فتنة أو سوء فهم، وترك ذلك ليومٍ تتقدم فيه العلوم وتتسع فيه المدارك. والله أعلى وأعلم.

صور ودلائل لرؤية الهلال من دول مختلفة:

  • أولا- رؤية الهلال في سماء الإمارات ظهر يوم الخميس 23 إبريل باستخدام السي سي دي كاميرا.

ثانيًا-رؤية الهلال في سماء مدينة مدينة السويرقيه في محافظة المهد بالمملكة العربية السعودية نهار يوم الخميس 23 إبريل.

ثالثًا-الهلال في سماء مدينة السويرقية السعودية بعد غروب شمس يوم الخميس ليلة الجمعة.

رابعًا– الهلال نهارًا في سماء البحرين صباح يوم الجمعة 24 إبريل2020

خامسًا-الهلال في سماء البحرين بعد غروب شمس يوم الجمعة 24 إبريل.

سادسًا– الهلال بالعين المجردة في سماء البوسنة بعد غروب شمس يوم الجمعة 24 إبريل

  • سابعًا-الهلال بالعين المجردة في سماء مدينة بنسليمان بالمملكة المغربية بعد غروب شمس يوم الجمعة 24 إبريل.

مركز المجدد للبحوث والدراسات.

اترك تعليقاً