الحدث العالمي كورونا – حتى يغيروا.

د : عادل الحمد – الأمين المساعد لرابطة علماء المسلمين.

تتصارع الحكومات اليوم مع شعوبها في إلقاء اللوم عليهم في انتشار وباء (كورونا)، وتعلل الحكومات ذلك بأن الشعب لا يلتزم بالتعليمات الصادرة من الحكومة بلزوم البيوت، والأخذ بوسائل الوقاية. بل تطور الأمر إلى أن الحكومات بدأت تلزم كل من يخرج من بيته بأمور معينة تختلف من بلد إلى بلد. ثم تطور الوضع ليصل إلى التهديد بالسجن، والغرامة المالية لكل مخالف لأوامر الحكومة، بل زاد الوضع لتنشر الحكومات قواتها العسكرية في الشوارع لتنفذ قانون الحجر المنزلي بالقوة، والضرب بيد من حديد على المخالفين. واستخدمت الحكومات كل وسائل الإعلام، لإقناع الشعب بالبقاء في البيوت، وأن انتشار المرض سببه أنتم أيها الناس.

الحكومات تريد إن ترسل رسالة للشعوب مفادها: أنتم السبب أيها الناس في انتشار المرض، والحكومة بريئة!

فهل فعلا الحكومات بريئة؟! – وهل نلوم الشعب فقط؟!

إذا أردنا أن نكون صادقين مع أنفسنا في الإجابة على هذا السؤال، ومعرفة من السبب فلنقرأ قول الله تعالى: ]ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[ [الأنفال: 53]

وقوله سبحانه: ]إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ[ [الرعد: 11].

ما الذي تغير فينا حتى يغير الله نعمته علينا؟ وهل هذا التغيير سببه الشعوب؟ أم الحكومات؟ أم كلاهما؟

 

فلنتأمل كلام المفسرين في معنى الآية، لندرك السبب في تغيير نعمة الله علينا.

 

قال ابن كثير رحمه الله: ((يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ تَمَامِ عَدْلِهِ، وَقِسْطِهِ فِي حُكْمِهِ، بِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يُغَيِّرُ نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى أَحَدٍ إِلَّا بِسَبَبِ ذَنْبٍ ارْتَكَبَهُ)). (تفسير ابن كثير 4/ 78)

فالذنوب تذهب النعم، عن الفرد، أو عن المجتمع، وهذا من عدل الله بعباده.

وقال السعدي رحمه الله: ((ولله الحكمة في ذلك والعدل والإحسان إلى عباده، حيث لم يعاقبهم إلا بظلمهم، وحيث جذب قلوب أوليائه إليه، بما يذيق العباد من النكال إذا خالفوا أمره)). (تفسير السعدي ص: 324)

وعلاج مثل هذه الحالة إذا وقعت بالمجتمع هو الرجوع إلى الله؛ بترك المعاصي والإقبال على الطاعة.

قال السعدي رحمه الله: ((وكذلك إذا غير العباد ما بأنفسهم من المعصية، فانتقلوا إلى طاعة الله، غير الله عليهم ما كانوا فيه من الشقاء إلى الخير والسرور والغبطة والرحمة)). (تفسير السعدي ص: 414)

وقال سيد قطب رحمه الله: ((إنه، من جانب، يقرر عدل اللّه في معاملة العباد فلا يسلبهم نعمة وهبهم إياها إلا بعد أن يغيروا نواياهم، ويبدلوا سلوكهم، ويقلبوا أوضاعهم، ويستحقوا أن يغير ما بهم مما أعطاهم إياه للابتلاء والاختبار من النعمة التي لم يقدروها ولم يشكروها.

ومن الجانب الآخر يكرم هذا المخلوق الإنساني أكبر تكريم، حين يجعل قدر اللّه به ينفذ ويجري عن طريق حركة هذا الإنسان وعمله ويجعل التغيير القدري في حياة الناس مبنيا على التغيير الواقعي في قلوبهم ونواياهم وسلوكهم وعملهم، وأوضاعهم التي يختارونها لأنفسهم.

ومن الجانب الثالث يلقي تبعة عظيمة – تقابل التكريم العظيم – على هذا الكائن. فهو يملك أن يستبقي نعمة اللّه عليه ويملك أن يزاد عليها، إذا هو عرف فشكر كما يملك أن يزيل هذه النعمة عنه إذا هو أنكر وبطر، وانحرفت نواياه فانحرفت خطاه)). (في ظلال القرآن 3/ 1535)

فالخلاصة أننا إذا أردنا أن نعرف كيف نعالج الوضع الذي نحن فيه، ونوقف انتشار المرض، فلابد من التأمل في هذه الحقائق:

الأولى: أن الله لا يغير أحوالنا إلا بسبب تغيير أنفسنا؛ النعمة تزول بالمعصية، والبلاء يزول بالإقبال على الله.

الثانية: أن البلاء الذي وقع علينا نحن السبب فيه، حكومة وشعبا، قال تعالى: ]أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[ [آل عمران: 165]

الثالثة: أن العلاج يبدأ من الاعتراف بالخطأ، ثم بالتوبة منه. قال تعالى: ]وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[ [التوبة: 102]

الرابعة: أن الرجوع إلى الله سبب لرفع البلاء، قال تعالى: ]فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ[ [يونس: 98]

فالشعوب مطالبة بالرجوع إلى الله بالتوبة والاستغفار والتضرع بين يدي الله عز وجل أن يرفع عنا الوباء.

فهل تقبل الحكومات أن نقول لها مثل ما نقول للشعوب، ونطالبها بما نطالب به الشعوب؟!

 

فنقول للحكومات: لابد من الرجوع إلى الله بتحكيم شرعه، وترك القوانين الوضعية امتثالا لقوله تعالى: ]ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ[ [الجاثية: 18، 19]

هل تقبل الحكومات أن نقول لها: إن الربا والزنا، من أسباب وقوع البلاء في البلاد، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله)). (رواه الطبراني)

وكلنا يرى البنوك الربوية في كل مكان، والاقتصاد قائم على الربا، بل القروض التي تقدمها الحكومات للشعوب، مبنية على الربا.

وأما الزنا فلا يخفى على عاقل وجوده وقيام السياحة عليه في الفنادق، والملاهي الليلية.

هل تقبل الحكومات أن نقول لها: أن التوبة من هذه الجرائم، أن تغلق إلى الأبد وليس تفاديا للمرض فقط.

هل تقبل الحكومات أن نقول لها: أن أخذ الضرائب على الشعوب محرم شرعا، وهو نوع من الظلم، وأن جريمته أشد من جريمة الزنا، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن المرأة التي زنت ورجمها: ((لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ)). (رواه مسلم)

والمكَّاس هو الذي يأخذ الضرائب على الناس ويسمى العشار، وقد قال عنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((تفتح أبواب السماء نصف الليل، فينادي مناد: هل من داع فيستجاب له، هل من سائل فيعطى، هل من مكروب فيفرج عنه، فلا يبقى مسلم يدعو بدعوة إلا استجاب الله عز وجل له إلا زانية تسعى بفرجها أو عشارا)). (رواه الطبراني في الأوسط).

هل تقبل الحكومات أن نقول لها: أن الظلم عاقبته وخيمة، وأن سجونك مليئة بالمظلومين، وإننا ندعوك لترك الظلم بجميع صوره وأشكاله لعل الله أن يرفع عنا الوباء. قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ: ]وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ[. (رواه البخاري)

هل تقبل الحكومات أن نقول لها: أن منعك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب لوقوع العذاب علينا جميعا، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَكُمْ)). (رواه الترمذي) .

هل تقبل الحكومات أن نقول لها: أن التغيير يبدأ منك، قبل الشعوب، لأن القوة والسلطان بيدك لا بيد الشعوب.

أخيرا، مازالت الفرصة قائمة أمام الحكومات والشعوب، للتوبة والعودة إلى الله، لعل الله أن يرفع عنا الوباء.

قال تعالى: ]وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58) وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ[ [القصص: 57 – 59]

اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. والحمد لله رب العالمين.

 

د: عادل الحمد – 17 شعبان 1441هـ.

 

اترك تعليقاً