رمضانيات المجدد – صلاة الجمعة في رمضان.. حكايات حكام ومواكب.

علاء عبد الحميد الباتع باحث في تاريخ مصر المعاصر.

 

كثيرة هى العادات المرتبطة بشهر رمضان المبارك، فمنذ دخول الإسلام مصر وحتى الآن إزدادت وتنوعت هذه العادات الرمضانية بالعديد من المظاهر سواء الدينية الروحية أو الاجتماعية وكلها تعكس صورة الاهتمام بهذا الشهر سواء من الحكام أو الشعب على مدار التاريخ، ومن هذه المظاهر المرتبطة بشهر رمضان هى صلاة الجمعة حيث يحرص المسلمين على أداء صلاة الجمعة في رمضان، وقد شاركهم الحكام هذا الاهتمام ولكن كان لكل منهم طريقته وأسلوبه في صلاة أيام الجمعة في رمضان، وهذه بعض النماذج التي شاركت الشعب المصري إهتمامه بأيام الجمعة في شهر رمضان المبارك.

يرى البعض أنه ظل جامع عمرو بن العاص رضي الله عنه منذ دخول الإسلام مصر هو الجامع الذي كانت تقام فيه الصلوات الجامعة مثل الجمعة والعيدين وكان أيضًا يجتمع به الولاة للنظر في شئون الرعية، ثم تعاقب على حكم مصر عدد من الدويلات المستقلة مثل الدولة الطولونية (254-292هـ /868-904م) والتي أسسها أحمد بن طولون(254-270هـ/868-884م)، كما بدأ في تأسيس جامع بن طولون عام 263هـ/876م، وهو ثالث مسجد بالقاهرة بعد جامع عمرو بن العاص وجامع مدينة العسكر، ويعتبر هو الجامع الرسمي للدولة بالإضافة إلى المساجد الأخرى.

الدولة الفاطمية (358-567هــــــ/ 969-1171م)

كان للدولة الفاطمية عادات كثيرة واحتفالات كبيرة قبل شهر رمضان وخلاله، ومن هذه العادات بعض التقاليد التى ارتبطت بصلاة الجمعة في شهر رمضان المبارك والتي صاحبها كثيرًا من المظاهر التي حرص الخلفاء الفاطميين على تأديتها كاملة خلال أيام الجمعة في رمضان.

والجامع الأزهر ( أول جامع في مدينة القاهرة الفاطمية) أقيمت فيه أول صلاة جمعة في 7 رمضان 361هـ/ 22 يونيه 972م، وخلال عام 362هـ /973م في عيد الفطر تم اختيار الجامع الأزهر رسمياً لصلاة الجماعة في القاهرة وأمر بذلك الخليفة المعز لدين الله (358- 365هـ/ 969-975 م)  حيث جعل خطبة الجمعة خلال شهر رمضان في الجامع الأزهر، وعلى الرغم من أنه الجامع الرسمي للفاطميين إلا أن جامع عمرو بن العاص كان موضع إهتمام الخلفاء الفاطميين، وتذكر المصادر أنه في يوم الجمعة غرة رمضان سنة 380هـ/ 990م  ركب الخليفة العزيز بالله (365-386هـ /975-996م) إلى جامع القاهرة( الجامع الأزهر)، وخطب في الناس وصلى الجمعة وإنصرف.

وتذكر مصادر أخرى أن الخليفة كان يستريح في الجمعة الأولى من رمضان فإذا كانت الجمعة الثانية ركب إلى الجامع الأنور “الكبير” أو الجامع الحاكمي ( وعرف في البداية بجامع الخطبة) والذي بدأ في تأسيسه الخليفة العزيز بالله وذلك في رمضان عام 380هـ/990م، وقبل إستكمال بنائه صليت به الجمعة الثالثة من شهر رمضان عام 381هـ/991م، وفي عام 400هـ/1009م خلال عهد الحاكم( 386-411هــ/ 996-1021م) أصبح جامع الحاكم هو المكان الوحيد لخطب الخليفة وخطبة الجمعة، وقد اكتمل بناء الجامع الحاكمي في عام 403هـ/1013م وكانت صلاة الجمعة به في شهر رمضان عام 403هـ/1013م، وقد وضع الحاكم نظام لأيام الجمعة في شهر رمضان وهى أن يحضر الخليفة خطبة الجمعة الأولى من رمضان في الجامع الأزهر الشريف، وخطبة الجمعة الثانية في الجامع الحاكمي، والخطبة الثالثة في جامع راشدة بالقرافة( بدأ الحاكم بأمر الله في بنائه عام393هـ/1003م وأنتهى منه عام 395هـ/1005م)، أما الجمعة الأخيرة (اليتيمة) فكانت في جامع عمرو بن العاص.

أيضاً تذكر المصادر ” أن الخليفة كان يدخل المسجد يوم الجمعة من باب الخطابة والوزير معه، بعد أن يتقدمه في أوائل النهار صاحب بيت المال وبين يديه الفرش المختصة بالخليفة فيفرش في المحراب ثلاث طراحات متطابقات، ويعلق ستران يمنة ويسرة، وفي الستر الأيمن كتابة مرقومة بالحرير الأحمر واضحة منقوطة أول البسملة والفاتحة وسورة الجمعة وفي الستر الأيسر مثل ذلك وسورة ” المنافقون”.

وإذا أتت الجمعة الثانية ركب الخليفة وتحرك الموكب إلى الجامع الأزهر ويقوم بنفس الأمور التي تمت في الجمعة الأولى، فإذا كانت الجمعة الثالثة أُعلم بركوبه إلى مصر- ( مدينة الفسطاط بمنطقة مصر القديمة الآن)- للخطابة في جامعها، فيزين له من باب القصر أهل القاهرة إلى جامع بن طولون، ويزين له أهل مصر من جامع بن طولون إلى الجامع بمصر( جامع عمرو بن العاص بالفسطاط)، وكانت هيئة صلاته مثل ما كان في الجمعة الأولى.

السلطنة المملوكية (647-922هـ /1250-1517م)

اهتم سلاطين الدولة المملوكية بالجوامع والمساجد وخاصة الجامع الأزهر فقد كان موضع عنايتهم حيث نجد أن السلطان الظاهر بيبرس (658-676هـ/1260-1277م) أعاد للجامع الأزهر الصلاة والخطبة والجمعة عام665هــ/ 1266م بعد فترة طويلة من الإهمال، كما قام بأعمال تجديد وتوسعه به، وكان السلاطين والأمراء المماليك يتسابقون في العناية والرعاية التي يقدمونها للأزهر الشريف، كما نجد أن إتساع العمران والزيادة السكانية في القاهرة أدي إلى تأسيس مساجد أخرى كثيرة في عصر المماليك.

الدولة العثمانية ( 923-1213هــ/1517-1798م)

اهتم السلاطين العثمانيين والولاة الذين كانوا يتولون الحكم بالمساجد وخاصة الأزهر الشريف فقد كان يحظى بإحترامهم دائماً، وكان لإعتماد العثمانيين على المماليك في إدارة شئوون البلاد دوراً كبيراً في العناية بالمساجد من جانب البكوات المماليك فنجد في عام 1212هـ /1797م أن مراد بك قد أمر بإجراء إصلاحات في جامع عمرو بن العاص وصلى فيه الجمعة الأخيرة ( اليتيمة) من شهر رمضان، وبعد ذلك صار هذا تقليداً بأن أصبح الولاة يقومون بصلاة الجمعة الأخيرة من رمضان في جامع عمرو بن العاص.

كما نجد أن الأزهر الشريف صار مؤسسة علمية كبيرة بدءاً من عصر المماليك وحتى نهاية القرن الثامن عشر خلال العصر العثماني وأصبح لعلماء الأزهر دورًا بارزاً في الأمور العامة داخل البلاد وفي قيادة وتوجيه الرأي العام المصري آنذاك، وقد حظي الأزهر خلال تلك الفترة برعاية وعناية البكوات المماليك حيث أقاموا التجديدات والإضافات اللازمة به.

الملك فاروق (1936-1952م)

حرص الملك فاروق على أداء صلاة الجمعة في رمضان، كان يحضر الجمعة الأولى في مسجد الرفاعي وذلك بوجود الشعب والعلماء وكبار رجال الدولة، والجمعة الأخيرة اعتاد عليها في مسجد عمرو بن العاص بالفسطاط، إلا أنه في بعض الأحيان كان يصلي الجمعة الأخيرة من رمضان في جامع السيدة زينب رضي الله عنها مثلما حدث في عام 1941 حيث خرج أهل حي السيدة على جانبي الطريق لتحية الملك وهو في الموكب الملكي، وكان يقوم بإلقاء الخطبة نقيب الأشراف، في حين يصلي شيخ الجامع المقام به الصلاة إماماً للجمعة.

الخلاصة والعبرة:

ومن خلال هذا العرض نجد أن صلاة الجمعة في شهر رمضان كانت تحظى باهتمام كبير من قِبل الحكام على مصر حتى صارت تقليداً هاماً يرتبط بشهر رمضان، وهذا التقليد صاحبه العديد من الأمور التي كان الحكام يحرصون عليها والتي تتمثل في المواكب والمساجد التي تقام فيها الصلاة وتوجيه الخطب للشعب في أيام الجمعة، كما نجد تفاعل الجمهور مع الحاكم أثناء ذهابه للجامع وخروجه منه بعد الصلاة، كل هذه الأمور تبين لنا جوانب إجتماعية في حياة الشعب المصري على مدار التاريخ وتعكس صورة الأوضاع السائدة في المجتمع في هذه المناسبات الدينية.

مركز المجدد للبحوث والدراسات.

اترك تعليقاً