الحدث العالمي كورونا – حق العلماء. 

د : عادل الحمد – الأمين المساعد لرابطة علماء المسلمين.

 

أوصى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بثلاثة أصناف من الناس، فقال: «لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ». (رواه الطبراني في مكارم الأخلاق)،  إجلال الكبير هو حق سِنِّه، لكونه تقلب في العبودية لله في أمد طويل، ورحمة الصغير موافقة لله، فإنه رحمه ورفع عنه العبودية، ومعرفة حق العالم هو حق العلم، بأن يعرف قدره، بما رفع الله من قدره، فإنه قال: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ثم قال  وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة: 11] فيعرف له درجته التي رفع الله له بما آتاه من العلم)). (فيض القدير 5/ 389). 

فكيف تعامل العالم في زمن (كورونا) مع هذه الأصناف الثلاثة؟

أما الصنف الأول: وهم كبار السن، فقد تعامل معهم الغرب الليبرالي، العلماني، الذي يزعم التقدم والتطور، تعامل معهم بأبشع تعامل.

فقد انتشر في وسائل الإعلام موقفهم الرسمي والشعبي من كبار السن، وهو أن هذه فرصة للتخلص من كبار السن، الذين يشكلون عبئا اقتصاديا على الدول!

وكانت صفعة قوية للعصابة الفاسدة في مجتمعاتنا، والتي كانت تعمل ليل نهار من أجل تحويل المجتمع إلى الليبرالية، والعلمانية.

والحمد لله أن مجتمعاتنا لم تتبع الغرب في تعاملهم مع كبار السن، لما تجذر في قلوب المسلمين من تعاليم الإسلام.  فالكبير موقر في مجتمعاتنا، امتثالا لأمر الله عز وجل ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وتوقير عموم الكبار.

وأما الصغار، فلم يتعرض لهم أحد بسوء في هذا الوباء المنتشر.

بقي صنف العلماء، فما هو موقعه من الإعراب في وباء (كورونا)؟ وهل أدينا حق العلماء؟

حتى نجيب على هذا التساؤل، لابد أن نعرف مكانة العلماء في الإسلام.

رفع الله شأن العلماء، فقال:شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ” [آل عمران: 18]، فبدأ بنفسه، وثنى بملائكته، وثلث بأهل العلم ((وَهَذِهِ خُصُوصِيَّةٌ عَظِيمَةٌ لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْمَقَامِ)). (تفسير ابن كثير 2/ 24). 

والعلماء هم الذين يسددون مسيرة الناس في المجتمعات عندما تنحرف بهم السبل، قال تعالى في قصة قارون، وانبهار الناس بزينته: “وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ [القصص: 80]. 

قال السعدي رحمه الله: ((متوجعين مما تمنوا لأنفسهم، راثين لحالهم، منكرين لمقالهم. “ثَوَابُ اللَّهِ”  العاجل، من لذة العبادة ومحبته، والإنابة إليه، والإقبال عليه. والآجل من الجنة وما فيها، مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين “خَيْرٌ”  من هذا الذي تمنيتم ورغبتم فيه، فهذه حقيقة الأمر)). (تفسير السعدي ص: 624). 

والعلماء يعلمون أن هذا الدين حق، وأنه يهدي إلى الصراط المستقيم، فيدعون الناس إليه، قال تعالى:وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [سبأ: 6]

قال السعدي: ((ذكر حالة الموفقين من العباد، وهم أهل العلم، وأنهم يرون ما أنزل الله على رسوله من الكتاب، وما اشتمل عليه من الأخبار، هو الحق، أي: الحق منحصر فيه، وما خالفه وناقضه، فإنه باطل، لأنهم وصلوا من العلم إلى درجة اليقين. ويرون أيضا أنه في أوامره ونواهيه يَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ وذلك أنهم جزموا بصدق ما أخبر به)). (تفسير السعدي ص: 675). 

والعلماء الذين أثنى الله عليهم هم الذين يخشون الله، قال تعالى:إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: 28]. 

قال السعدي: ((وهذا دليل على فضيلة العلم، فإنه داع إلى خشية الله، وأهل خشيته هم أهل كرامته)). (تفسير السعدي ص: 689). والأحاديث في فضل العلماء كثيرة جدا، ويكفيهم فخرا، أن الله سخر لهم من في السماوات ومن في الأرض يستغفرون لهم، حتى النملة في جحرها تستغفر للعالم.

قال بدر الدين بن جماعة: ((واعلم أنه لا رتبة فوق رتبة من تشتغل الملائكة وغيرهم بالاستغفار والدعاء له، وتضع له أجنحتها)). (تذكرة السامع والمتكلم ص: 7). 

وقال ابن أبي العز: ((فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَعْدَ مُوَالَاةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، مُوَالَاةُ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ، خُصُوصًا العلماء الَّذِينَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، الَّذِينَ جَعَلَهُمُ اللَّهُ بِمَنْزِلَةِ النُّجُومِ، يُهْدَى بِهِمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَدِرَايَتِهِمْ، إِذْ كُلُّ أُمَّةٍ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُلَمَاؤُهَا شِرَارُهَا، إِلَّا الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ عُلَمَاءَهُمْ خِيَارُهُمْ، فَإِنَّهُمْ خُلَفَاءُ الرَّسُولِ مِنْ أُمَّتِهِ، وَالْمُحْيُونَ لِمَا مَاتَ مِنْ سُنَّتِهِ، فَبِهِمْ قَامَ الْكِتَابُ وَبِهِ قَامُوا، وَبِهِمْ نَطَقَ الْكِتَابُ وَبِهِ نَطَقُوا)). (شرح الطحاوية ص: 503). 

هذه هي منزلة العلماء العظيمة التي بينتها الآيات، والأحاديث. فكيف قوبلت في مجتمعاتنا؟

من المؤسف أن أوضاع كثير من علماء المسلمين اليوم تدور بين مسجون، أو مشرد ومطارد في الأرض، أو مضيق عليه في بلده.

من المؤسف أن العفو الصادر عن المساجين في بلدان المسلمين بسبب الخوف من وباء (كورونا)، لا يشمل العلماء.

من المؤسف أن إعلام مجتمعات المسلمين، والذي يصرف عليه من أموال المسلمين ما لا يعلمه إلا الله، لا يمجد إلا المتردية والنطيحة، والضباع البشرية، ويهمل العلماء، ويزدريهم.

من المؤسف أن يصفق فريق من الناس للعصابة المفسدة في الأرض، إذا سجنت العلماء، أو ضيقت عليهم.

ومن المؤسف أكثر أن يسكت الباقون وهم كارهون.

أيها المسلمون، من حق العلماء علينا أن نخلص لهم الدعاء، بأن يفرج الله عنهم، وأن يهلك من ظلمهم. فمن عجز عن هذا فليراجع قلبه.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ((تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلا رَجُلا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا)). (رواه مسلم)

العجب ممن يسعى لتصفية قلبه من معاداة عموم الناس في ليلة النصف من شعبان، ولا يستطيع أن يصفي قلبه من معاداة العلماء!

العجب كل العجب، أن يتقرب الإنسان بالدعاء لمن ظلم العلماء وسجنهم، ولا يتحرك لسانه بالدعاء للمظلومين والمسجونين من العلماء! اللهم فرج على علماء المسلمين. والحمد لله رب العالمين.

د- عادل الحمد – 15 شعبان 1441هـ. 

مركز المجدد للبحوث والدراسات. 

اترك تعليقاً