رمضانيات المجدد – موائد الرحمن …من زمان… وحتى الآن.

علاء عبدالحميد الباتع _ باحث في تاريخ مصر المعاصر. 

 

موائد الرحمن..

واحدة من أهم التقاليد الرمضانية التي يحرص المسلمين على إقامتها والإهتمام بها، وواضح من أسمها ” موائد الرحمن” فقد ذكرت في القرآن الكريم سورة باسم “المائدة” أما ” الرحمن” فهو اسم من أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، وهذه الموائد تخصص خلال شهر رمضان المبارك للفقراء والمحتاجين والمساكين وأبناء السبيل والذين تأخروا في الطريق عن منازلهم وغيرهم وذلك  لتناول الإفطار.

بداية موائد الرحمن ..

يختلف المؤرخين وباحثي التراث حول نشأة موائد الرحمن وبدايتها، ولكل منهم وجهة نظر في ذلك، لكن من هذا الإختلاف نستنتج أن هذا التقليد الرمضاني – والذي صار من أهم ملامح رمضان في البلدان العربية والإسلامية- قد أخذ مراحل عديدة حتى جاء لنا بهذه الصورة ومن خلال تتبع ذلك نجد أن الدولة شاركت فيها وحثت المجتمع والأفراد على إقامتها والإهتمام بها، ثم نجد محاولات الأفراد الذين حرصوا على رعايتها، وهذا عرض لبعض من تاريخ موائد الرحمن الرمضانية.

عهد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم

يرى بعض المؤرخين أن موائد الرحمن بدأت على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك عندما جاء له وفد من الطائف إلى المدينة المنورة ليعلنوا إسلامهم وكان ذلك في شهر رمضان من العام التاسع للهجرة النبوية، وقد جهز لهم الرسول صلى الله عليه وسلم مائدة إفطار وسحور وقد كلف بذلك بلال بن رباح رضى الله عنه.

الخلفاء الراشدين رضى الله عنهم.

كان الخلفاء الراشدين يتبعون خطى النبي صلى الله عليه وسلم في كل شئ حيث نجد أن عمر بن الخطاب(13-23هـ/634-644م) رضى الله عنه قد أتخذ لهذا الغرض “دار الضيافة “ وذلك لكي يفطر بها الصائمون والفقراء والمساكين والمجتاجين وأبناء السبيل.

الليث بن سعد(94-175هـ/713-791م)

لكن البداية الأولى لموائد الرحمن في مصر حسبما يرى بعض المؤرخين تعود إلى الليث بن سعد وهو الفقيه المعروف وكان لديه الكثير من الأموال وعرف عنه الجود والكرم حيث كان يقيم موائد الرحمن خلال شهر رمضان ويوفر لها المال وأشهى الأطعمة والحلوى ومنها الهريسة والتي عرفت بـ ” هريسة الليث”.

هارون الرشيد(149-193هـ / 766-809م)

يرى بعض المؤرخين أن موائد الرحمن ترجع إلى عصر الخليفة العباسي هارون الرشيد خامس الخلفاء العباسيين، فقد كان يهتم بإقامة موائد الإفطار الرمضانية في حدائق قصره، كما أنه كان يتجول متنكراً بين هذه الموائد ليعرف من الصائمين مدى جودة وكفايته (والغرض من تنكره حتى يقف على رأيهم دون خجل أوحرج أو مجاملة منهم لأنه الخليفة).

 الدولة الطولونية(254-292هـ /868-904م

يرى بعض المهتمين بالتراث الرمضاني أن تاريخ مائدة الرحمن في مصر يرجع إلى عهد أحمد بن طولون(254-270هـ/868-884م)، مؤسس الدولة الطولونية حيث ظل ثلاث سنوات بعد أن تولى الحكم يقيم مآدبة كبرى لكبار رجال الدولة والتجار والأمراء في أول شهر رمضان، وفي السنة الرابعة من حكمه أقام مائدة كبيرة دعا فيها الأمراء والتجار والأعيان وكبار رجال الدولة وكان ذلك في أول أيام شهر رمضان وألقى فيهم خطاباً قائلاً:

” إنني جامعكم حول هذه الأسمطة (جمع سماط) لأعلمكم طريق البر بالناس وأنا أعلم أنكم لستم في حاجة إلى ما أعده لكم من طعام وشراب، ولكنني وجدتكم قد أغفلتم ما أحببت أن تفهموه من واجب البر عليكم في رمضان، ولذلك فإنني أمركم أن تفتحوا بيوتكم وتمدوا موائدكم وتهيئوها بأحسن ما ترغبونه لأنفسكم فيتذوقها الفقير المحروم”

وقد أخبرهم بأن هذه المائدة سوف تظل قائمة  طوال شهر رمضان، ويقال أنه أمر بأن يوزع خطابه هذا على الأقاليم، وأن من لا ينفذ ذلك سوف يعرض نفسه لأشد العقاب، وكان الأعيان والأثرياء على عهده يرسلون خدمهم للطرق ويطوفوا في الأسواق للبحث عن الصائمين وإحضارهم لتناول الإفطار في هذه الموائد، وبعد وفاة أحمد بن طولون اهتم أبنائه بإقامة هذه الموائد خلال رمضان.

الدولة الإخشيدية (323-358هـ /935-968م)

يذكر بعض المؤرخين للتراث الرمضاني أن حكام العصر الإخشيدي كانوا يأمرون بإطعام الفقراء والمساكين وذوي الحاجة في شهر رمضان.

الدولة الفاطمية(358-567هــــــ/ 969-1171م)

يرى البعض أن الخليفة المعز لدين الله الفاطمي(358- 365هـ/ 969-975 م) أول الخلفاء في الدولة الفاطمية بمصر، كان هو أول من أقام مائدة في شهر رمضان لكي يفطر عليها أهل جامع عمرو بن العاص، وكان يقوم بإعداد موائد ضخمة فكان يخرج من قصره 1100 قدر( صحن) بها جميع ألوان الطعام لكي توزع على الفقراء والمساكين والصائمين، ويشير البعض أن المعز لدين الله الفاطمي هو أول من وضع تقليد للمآدب الخيرية التي تستهدف الفقراء والمساكين وأبناء السبيل.

وقد قام ابنه الخليفة الفاطمي العزيز بالله(365-386هـ /975-996م)  بتأسس ” دار الفطرة” وذلك لإعداد الموائد المخصصة للصائمين خارج قصر الخلافة، كما كان يقيم موائد للإفطار في جامع عمرو بن العاص طيلة شهور رجب وشعبان ورمضان. وأيضاً أقام الفاطميين موائد عرفت باسم ” السماط “(وهى نوع من موائد الطعام يوضع عليه اللحم وجاء منها المسمط الذي يعد اللحوم ويقوم بطهيها وبعض هذه الأماكن مازال موجوداً حتى الأن في مناطق مثل السيدة زينب والناصرية بالقاهرة)، ويرى البعض أن  الفاطميين أستخدموا ذلك كنوع من الدعاية السياسية لإستمالة الناس إليهم في سبيل نشر مذهبهم والدعوة الفاطمية.

الدولة الأيوبية( 588-647هـ/1174-1250م)

اهتم سلاطين الدولة الأيوبية بالموائد فكانوا يقيمون الموائد الرمضانية وتوزيع الطعام على الفقراء والمحتاجين وكان ذلك طوال الشهر، ويذكر البعض أنهم أقاموا الموائد في طرقات القلعة لعامة الناس.

الدولة المملوكية(647-922هـ /1250-1517م)

أشتهرت الدولة المملوكية بالأوقاف الخيرية التي كان يقوم السلاطين والأمراء بتخصيص دخلها للصرف على الفقراء والمساكين في شهر رمضان بإقامة الموائد الرمضانية، وكان الطعام يشتمل على اللحم والأرز والعسل وحب الرمان، كما قاموا بفتح أبواب التكايا من أجل إطعام الفقراء والمحتاجين وغيرهم، ومن أبرز سلاطين المماليك الذين أهتموا بذلك كان الظاهر بيبرس(658-676هـ/1260-1277م) أعظم سلاطين المماليك فقد أقام العديد من المطابخ في القاهرة وغيرها من أنحاء مصر، كذلك السلطان برقوق( 784-801هـ/1382-1398م) الذي كان يذبح في كل يوم من أيام رمضان 25 بقرة يتصدق بها، كما كان يقوم بتوزيع الطعام على المساجد والسجون وغيرها.

الدولة العثمانية ( 923-/1517-1798م)

اهتم العثمانيين بالموائد الرمضانية حيث كانت تسمى ” الموائد السلطانية”  ويذكر الجبرتي أن كل بيت من بيوت الأعيان في العصر العثماني كان به مطبخ للرجال وآخر للنساء. كما كانوا يقيمون الموائد الرمضانية أمام البيوت حتى يقومون بالخدمة على الصائمين.

الملك فاروق (1936-1952م)

كانت تسمى الموائد بـ ” الموائد الملكية” وكان يرعاها ويشرف عليها فقد كان يقيم مآدب كبيرة في ساحات قصر عابدين ويأتي عليها الآلاف من الناس والوزراء والأعيان والباشاوت وكان يقوم بإفتتاحها كل يوم من أيام رمضان بالقرآن الكريم، كما قام الملك فاروق بتخصيص العديد من المطاعم في القاهرة لكي تقدم الطعام للفقراء والمساكين في رمضان وكانت إدارة الخاصة الملكية هى من تقوم بتوفير الأموال الأطعمة لهذا الغرض.

بعد قيام ثورة يوليو 1952 حتى الآن

توقفت الموائد الرمضانية عدة سنوات ولكن في عام 1967 قام بنك ناصر بإعادتها ورعايتها وذلك من خلال أموال الزكاة، وكانت أشهر مائدة في ذلك الوقت التي كانت تقام بجوار الأزهر الشريف حيث كان يفطر بها 4000 صائم، وانتشرت الموائد الرمضانية مع مرور الوقت إلى يومنا هذا.

موائد الرحمن القبطية

وهى الموائد التي يقوم بإقامتها الأقباط وإن كانت لتعبر عن شىء فهى إنما تعبر عن روح النسيج المصري الواحد والمشاركة الوجدانية حيث كثيراً ما يتوافق مع شهر رمضان بعض الأصوام القبطية، ويرى البعض أن أول مائدة رمضانية أقيمت من أجل إفطار الصائمين كانت في شهر رمضان عام 1969 في ميدان الأفضل بحي شبرا  والتي أقامها القمص صليب متى ساويرس راعي كنيسة مار جرجس بغرض إفطار المسلمين والمسحيين، ويبدو أن هذا الأمر سابق لهذا التاريخ بقرون عديدة، فقد تقاسم المسلمين والأقباط العيش سوياً في كل أيام السنة وعلى مدار التاريخ.

موائد الرحمن في وقتنا الحالي:  

واليوم نجد أن الموائد الرمضانية في كل مكان وبشكل كبير ودخل في إقامتها رجال الأعمال ونجوم المجتمع ومؤسسات أهلية وحكومية وغيرهم ورجال البر والإحسان وأصبح للموائد الرمضانية رعاية وإهتمام وأصبح عددها يقدر بآلاف الموائد كل عام بحيث نجد أن كل شارع في المدن الكبرى لا تخلو منه هذه الموائد، والحديث عن هذا التقليد الرمضاني وما يصاحبه من طقوس وتجهيزات يحتاج لرصد هذا النوع من التكافل المجتمعي خلال شهر رمضان المبارك.

مركز المجدد للبحوث والدراسات. 

اترك تعليقاً