فيروس كورونا الوجه الآخر (الإيجابيات).

أ د. عبد الحميد عبد الجليل شلبي.

أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر – جامعة الأزهر.

 

 

 

من اللافت للنظر أن الجميع تبارى في ذكر ما للفيروس المذكور من آثار سلبية على مستوى الاقتصاد المحلي والعالمي ، حتى أن الجميع قد لاحظ تدهور النمو الاقتصادي في كافة دول العالم بما في ذلك الدول الكبرى في الأشهر القليلة الماضية منذ بدء الأزمة ، حتى أن دراسات لهيئات تابعة للأمم المتحدة قد أوضحت أن خسائر التصدير العالمية (حتى مارس 2020) قد وصلت إلى خمسين مليار دولار ، وأن العالم قد يشهد قبيل انحسار الأزمة عجزًا قد يصل إلى تريليوني (ألف ألف مليار) دولار، وهذا بالطبع ينعكس على الأوضاع الاجتماعية للأفراد نتيجة لتفشي البطالة المحتمل، والركود الاقتصادي، واحتمالية حدوث تضخم في بعض الدول ، كل هذا يستتبعه أثار نفسية على مستوى الفرد والجماعة خاصة مع طول فترة الحجر المنزلي وتقييد الحركة.

مع هذا نقول إن للفيروس وجه آخر إيجابي ومن ذلك:

استعادة بعض الفئات مكانتها وأهميتها في المجتمع وعلى رأسهم العاملين في المجال الطبي، وأعتقد أن الاهتمام بهم سيكون كبيرًا في المراحل المقبلة.

أعتقد (غير جازم) أن الدول قد تعيد ترتيب أولوياتها وخاصة في مجال العلوم الحديثة، والاهتمام بالعلماء لأن الجائحة أثبتت أن لأغنى عن هؤلاء وجهودهم الإنسانية (وهذه أمنية علها تجد آذان صاغية).

جعل الفيروس الدول (وخاصة العربية ودول العالم الثالث) المتخلفة في مجال التكنولوجيا ونظام التعليم عن بعد تتجه لاستخدام هذه التكنولوجيا في مجال التعليم والتعلم، وإجراء المناقشات العلمية، والمؤتمرات، وإجراء الاجتماعات على منصات اليكترونية متعددة.

أثبتت التجارب للجميع أنه لا مكان لمن يتخلف عن ركب الحضارة الإنسانية وخاصة في مجال التكنولوجيا، ومنصات التواصل المختلفة التي أصبحت مما هو معلوم من الحياة بالضرورة، فمن يتخلف عن الركب سيدهسه قطار الحضارة.

– أصبح لزامًا على الدول أن تتنبه لبنيتها التكنولوجية التحتية التي بدونها لن يجد التقدم إليها سبيلا، فلولا بقية من بنية تحتية متواضعة لتوقفت كافة مناحي الحياة لَدينا ولتوقف بنا الزمن عند العصور الوسطى.

– رأينا فئة ممن كانوا لا يدينون بدين تنبهوا لما في الكون من عجائب وأسرار، وأصبح الذين كانوا يقولون أين الله فإننا لا نراه، يتفكرون في خلق دقيق لا يُرى بالعين المجردة، فما بالهم بمن خلق الأكوان؟

وعلى المستوى الشخصي تعلمت أشياء لم أكن لأتعلمها في وقت الرخاء، فمن رحم هذه الشدة تعلمت، وخضت تجارب لم أكن أعهدها من قبل.

والله سبحانه يقول في كتابه العزيز (وعسى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وعسى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة 216)

وأتمثل هنا قول ابن المعتز (ت: 296هـ):

رُبَّ أَمرٍ تَتَّقيهِ

جَرَّ أَمراً تَرتَجيهِ

خَفِيَ المَحبوبُ مِنهُ

وَبَدا المَكروهُ فيهِ

فَاِترُكِ الدَهرَ وَسَلِّم

هُـ إِلى عَدلٍ يَليهِ

الخلاصة:

 أن المنحة قد تأتي من المحنة، ولكن علينا التمسك بالأمل وبقدرة الله، والبشرية اليوم على اختلافهم بحاجة للتمسك بشعار الأمريكيين على دولارهم ” نحن نثق بالله” In God We Trust.

مركز المجدد للبحوث والدراسات.

اترك تعليقاً