سلسلة خواطر رمضانية “الرضا والرضوان كيف ترضى عن الله، ويرضى عنك؟”

خاطرة رمضان(4): “اختيار الله لك خير

 منتصر عفيفي – كاتب وباحث لغوي

اختيار الله للإنسان دائمًا خير له مما يحب، وأفضل له مما يريد، فإن أعطاه الله كان خيرًا له، وإن حرمه ومنعه كان خيرًا له كذلك، قال ابن عجيبة في الحكم العطائية: “إذا فهمت – أيها العبد – عن الله بعد تحققك برحمته، ورأفته وكرمه، وجوده ونفوذ قدرته، وإحاطة علمه، علمت أنك إذا سألتـه شيئًا، أو هممت بشيء، أو احتجت إلى شيء، فمنعك منه، فإنما منعك ذلك رحمة بك وإحسان إليك، إذ لم يمنعك من بخل، ولا عجز، ولا جهل، ولا غفلة، وإنما ذلك حسن نظر إليك، وإتمام لنعمتـه عليك، لكونه أتم نظرًا، وأحمد عاقبةً، {وعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحبُّوا شَيْئًا وهَوُ شَرٌّ لَكُم واللهُ يَعلَمُ وأَنْتُم لا تَعْلمُونَ}. فربما دبرنا أمرًا ظننا أنه لنا فكان علينا. وربما أتت الفوائد من وجوه الشدائد، والشدائد من وجوه الفوائد، وربما كمُنَت المنن في المحن، والمحن في المنن.

ومثال ذلك: “كصبي رأى طعامًا حسنًا أو حلواء أو عسلاً وفيه سُمٌّ، وأبوه عالم بما فيه، فكلما بطش الصبي لذلك الطعام رده أبوه، فالصبي يبكي عليه لعدم علمه، وأبوه يرده بالقهر لوجود علمه، فلو عقل الصبي ما فيه ما بطش إليه، ولعلم نصح أبيه وشدة رأفته به”.                                               

قال عمر (رضي الله عنه): “ما ابتُليتُ ببلية إلا كان لله عليَّ فيها أربع نِعم: إذْ لم تكن في ديني، وإذ لم أحرم الرضا، وإذ لم تكن أعظم، وإذ رجوت الثواب عليها“.

ولنا في قصة نبي الله موسى مع الخضر (عليهما السلام)، التي وردت في سورة الكهف، خير شاهد على لطف الله بعباده في قضائه، قال تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي البَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا . وَأَمَّا الغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا . فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا . وَأَمَّا الجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي المَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا}.

يحكى أن ملكًا اصطفى له من بين وزرائه وزيرًا ذا علم وتقوى، حيث كان أقرب الوزراء إلى قلبه ومجالسه وحفظ أسراره، وكان هذا سببًا في إثارة حسد وضغائن قلوب وزراء الملك الآخرين ومستشاريه. وكان من عادة ذلك الوزير أنه إذا حدث معه حادث، فإنه كان يعقب عليه قائلاً: “لعله خير”، مستشعرًا الرضا واليقين وحسن الظن بربه سبحانه.

ولما فشلت محاولات أولئك الوزراء والمستشارين في الإيقاع بين الملك ووزيره التقيّ، اغتنموا فرصة إصابة الملك في يده؛ مما اضطر طبيبه إلى قطع إصبعه. ولما سمع الوزير بما حدث للملك قال كلمته المعروفة: “لعله خير“.

فلما وصل ما قاله الوزير إلى أسماع مستشاري السوء أسرعوا به إلى الملك يقولون له: إن ما سبق وقالوه عن وزيره قد تأكد الآن، فإن الوزير لما سمع ببتر إصبعك قال: “لعله خير“، ثم أفاضوا في تفسير معنى مقولة الوزير، فقالوا: إنه يطمع في موتك ليتولى الملك من بعدك، حيث سَرَّه وأسعده بتر إصبعك.

وصدَّق الملك هذه المرة افتراءات المستشارين الوزراء الحاقدين، فأمر بسجن وزيره، فما كان منه إلا أن قال عند بوابة السجن: “لعله خير“.

وذات يوم خرج الملك مع بعض مقربيه في نزهة صيد في البرية، وبينما هو يطارد الحيوانات والطيور ودون أن يشعر، توغل في أرض أعدائه، ووقع في أسرهم. وكان من عادة هؤلاء الأعداء أن يقربوا في كل سنة قربانًا بشريًا لآلهتهم، ولم يجدوا فربانًا أفضل من أسيرهم الملك، ولما عرضوه على كاهنهم رفض تقديمه؛ لأنه رأى إصبعه المبتورة، فهو ناقص ومعيب لا يصلح أن يُقدَّم قربانًا ناقصًا لآلهتهم، ثم أطلقوا سراحه.

تذكر الملك أن سبب نجاته كانت إصبعه المبتورة، فكان خيرًا له، كما سبق وقال وزيره: “لعله خير“، فلما رجع إلى مملكته أمر بإطلاق سراحه، وقال له مستغربًا: الآن فهمت كيف كان خيرًا لي قطع إصبعي، ولكن كيف كان خيرًا لك أنت أن تسجن وقد كنت مظلومًا؟ فقال الوزير: لأنني لو لم أسجن لكنت ذهبت معك في الصيد. ولما أنهم رفضوا تقديم الملك قربانًا فليس أفضل بعد الملك من الوزير، فكان سجني خيرًا لي بإذن الله، وإلا لكنت في عداد الموتى.

 

 

 

مركز المجدد للبحوث والدراسات

اترك تعليقاً