سلسلة خواطر رمضانية “الرضا والرضوان كيف ترضى عن الله، ويرضى عنك؟”

خاطرة رمضان(4): “لماذا السخط؟”

 منتصر عفيفي – كاتب وباحث لغوي

 

إن كل شيء يحدث للإنسان إنما هو قضاء الله وقدره {وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ}، فلا تعجز، وقل: قدر الله وما شاء فعل، وردد مع الإمام الشافعي قوله:

دع الأيام تفعل ما تشاء   ***  وطب نفسًا إذا حكم القضاء

ولا تجزع لحادثة الليالي  ***  فما لحوادث الدنيا بقاء

وفي الحديث:إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكًا، ويؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله، وشقي أو سعيد، ثمُ ينفخ فيه الروح“. 

 يقول الشيخ محمد الغزالي في كتابه “جدد حياتك”: “إحساس المؤمن بأن زمام العالم لن يفلت من يد الله يقذف بمقادير كبيرة من الطمأنينة في فؤاده. إذ مهما اضطربت الأحداث، وتقلبت الأحوال، فلن تبت فيها إلا المشيئة العليا: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}. وهذا يفسر ركون المسلم إلى ربه بعد أن يؤدي ما عليه من واجب.

إنه يتوكل عليه، ويستريح إلى ما يتمخض عنه المستقبل من نتائج بعدما بذل جهده فيما وُكِّل إليه من عمل وإعداد واحتياط.

والحق أنه لا معنى لتوتر الأعصاب واشتداد القلق بإزاء أمور تخرج عن نطاق إرادتنا.

إن الركون إلى القدر والبراءة من الحَوْل والطَّوْل يورث جرأة على مواجهة اليوم والغد، ويضفي على الحوادث صبغة تحبِّب بغيضها، وتجعل المرء يقبل ـ وهو مبتسم ـ خسارة النفس والمال”.

إن مقادير الخلائق كتبها الله قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة، فلماذا السخط؟ ولماذا الضجر من قضاء الله وقدره؟ ولماذا الاعتراض على قسمة الله التي جعلها الله لحكمة بالغة ذكرها الجاحظ في تعليقه على قول الله تعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًا} قال: “إنما خالف الله تعالى بين طبائع الناس ليوفق بينهم في مصالحهم، ولولا ذلك لاختاروا كلهم الملك والسياسة والتجارة والفلاحة، وفي ذلك بطلان المصالح وذهاب المعايش، فكل صنف من الناس مزين لهم ما هم فيه.. فجعل الله تعالى الاختلاف سببًا للائتلاف”.

فمن آمن بأن له ربًّا رحيمًا به، فعليه أن يرضى؛ ليكتب الله له الرضا “فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط“، وإذا لم يرض الإنسان بقدر الله وقسمته، وسخط وتمرد وملأ الأرض ضيقًا واعتراضًا على قضاء الله وقدره، وشَكَا اللهَ إلى خلقه، فهل يغير ذلك من حاله شيئًا إلا أن يزداد شقاوة وتعاسة في الدنيا، ثم العذاب الأليم في الآخرة. رُوي أن كعب الأحبار وجد في التوراة:

“يا ابن آدم؛ لا تخافنَّ من ذي سلطان ما دام سلطاني باقيًا، وسلطاني لا ينفد أبدًا.

يا ابن آدم؛ لا تخش من ضيق الرزق ما دامت خزائني ملآنة، وخزائني لا تنفد أبدًا.

يا ابن آدم؛ لا تأنس بغيري وأنا لك، فإن طلبتني وجدتني، وإن أنست بغيرك فتُّك وفاتك الخير كله.

يا ابن آدم؛ خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وقسمت رزقك فلا تتعب، وفي أكثر منه فلا تطمع، ومن أقل منه فلا تجزع، فإن أنت رضيت بما قسمته لك أرحت قلبك وبدنك، وكنت عندي محمودًا، وإن لم ترض بما قسمته لك، فوعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحوش في البرِّية، ولا ينالك منها إلا ما قد قسمته لك، وكنت عندي مذمومًا.

 يا ابن آدم؛ خلقت السماوات السبع والأرضين السبع، ولم أعي بخلقهن، أيعييني رغيف أسوقه لك من غير تعب.

يا ابن آدم؛ أنا لك محب، فبحقي عليك كن لي محبًا.

 يا ابن آدم؛ لا تطالبني برزق غدٍ كما لا أطالبك بعمل غد، فإني لم أنس من عصاني، فكيف من أطاعني، وأنا على كل شيء قدير، وبكل شيء محيط”.

لا تجزع إذا أعسرت يومًا  ***  فقد أيسرت في الزمن الطويل

ولا تظنن بربك ظن سوء  ***  فإن الله أولى بالجميل

وإن العسر يتبعه يسار   ***   وقول الله أصدق كل قيل

فلو أن العقول تسوق رزقًا  ***  لكان المال عند ذوي العقول. 

مركز المجدد للبحوث والدراسات

اترك تعليقاً