الفقيه من فقه عبادة عصره

د. نعمان بن ثابت آل الشيخ حسون

إن مفهوم العبادة في الإسلام أعم وأشمل مما يعتقده كثير من الناس من مجرد الصلاة والزكاة والصيام والحج فقط، لذا كان واجبا علينا أن نفقه عبادة كل عصر مع المحافظة على أركان الإسلام وثوابته، ولابد للمسلم أن يفقه بأنه لا يتحقق معنى العبودية التي خلقنا الله لأجلها إلا بركنين عظيمين وركيزتين أساسيتين هما غاية المحبة مع غاية الذل والخضوع لله عز وجل، وحقيقة العبادة انقياد النفس الأمّارة لأحكام الله تعالى وصورته وقالبه الإسلام ومعناه وروحه الإيمان، ونوره الإحسان، ولما طغت الماديات في زماننا انقلبت الموازين واختلفت المفاهيم حتى ساد بين كثير من المسلمين بأن العبادة هي الشعائر الدينية والفرائض الوقتية حتى غرقت الأمة بالذل والهوان والضعف والتقهقر، ولا يمكن أن تعود لمجدها وعزتها وقوتها حتى يستقر المفهوم الصحيح ” للعبادة ” ويطبق بشكل دقيق لأن العمل والتطبيق بعد العلم والفهم.

وعليه، يجب أن يكون مفهوم العبادة شامل، ومعناها واسع، ولا يقتصر على بعض الطاعات والأفعال والفرائض، فكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة إذا صحت النية وأحبها الله وارتضاها فهي عبادة، فحركاتك وسكناتك وتعاملاتك إذا أحسنت النية فيها فهي عبادة، وكذلك أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر، بل تبسمك في وجه أخيك وإماطة الأذى عن الطريق والحياء عبادة، وصلة الأرحام وبر الوالدين وحسن العشرة والأخوة في الله والصدق في الحديث والتسامح مع الآخرين والصفح عنهم وحسن الخلق وتجنب مواطن الشبهة والريبة، إلى غير ذلك من التعاملات والسلوكيات والعلاقات الاجتماعية، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام: {تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة} (صحيح الجامع برقم 2926) وبالمقابل، قال عليه الصلاة والسلام: {تبسمك في وجه أخيك لك صدقة و أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة}(صحيح الجامع برقم 2908) وإذا كانت العبادة غاية الوجود الإنساني كما هي غاية كل وجود، فإن مفهومها لا يقتصر على المعنى الخاص الذي يرد إلى الذهن، والذي يضيق نطاقها حتى يجعلها محصورة بأنواع الشعائر الخاصة التي يؤديها المؤمن، بل إن حقيقة العبادة أوسع من المفاهيم الشائعة لذا {الفقيه من فقه عبادة عصره}.

مركز المجدد للبحوث والدراسات

اترك تعليقاً