هل سيُراجع الاتحاد الاوروبي معاهداته ما بعد كورونا؟

إبراهيم القاديري بوتشيشباحث ومؤرخ وأكاديمي مغربي

 

لا تزال مخلفات جائحة كورونا تكشف عن عورات العولمة ونظامها الرأسمالي المتوحش الذي يجعل من الاقتصاد التبادلي والربح الفاحش هدفه الأول، في الوقت الذي يضع الإنسان في مرتبة أدنى. ومن النماذج التي آثرنا طرحها في هذا السياق نموذج الاتحاد الأوروبي الذي أبانت أزمة كورونا هشاشة معاهداته، وهي المعاهدات التي جعلت من السلع التبادلية والاقتصاد الربحي هدفها الأول قبل الإنسان، وكشفت أنه كيان اقتصادي يسدي خدماته في مجال مرور الأشخاص، دون الاهتمام بهم ككائن بشري يحتاج إلى الألفة والتعاون والتعاضد، خاصة في فترات الأزمات والمحن. وقد انتقد المثقفون الأوروبيون ومن بينهم إدغارد موران في إحدى مقابلاته الحوارية مؤخرا، التصدع الذي عرفه الغرب، وضمنه الاتحاد الأوروبي بسبب غياب التضامن. ولعلّ ما يعكس هذه الصورة التنازلية للاتحاد، ما أقدم عليه بعض الإيطاليين من إنزال علم الاتحاد الأوروبي، واستبداله بالراية الصينية، وما يجسّده ردّ الفعل هذا من دلالات تعكس تذمر الرأي العام والسخط والتبرّم من طريقة تدبير الاتحاد الأوروبي لأزمة كورونا.

وتعكس التصريحات الصحفية الرسمية، الهزّة التي ضربت هذا التجمع الاقتصادي الأوروبي. ومن نسيجها نستخلص مؤشرين هامين حول الخلل الذي دبّ في كيان الاتحاد الأوروبي من جراء وباء كورونا:

1- الموت الإكلينيكي للاتحاد الأوروبي (ولو مؤقتا)، وهو ما يعكسه تصريح رئيس وزراء الحكومة الإيطالية جوسيبي كونتي الذي أكد فيه أن الاتحاد الأوروبي على حافة الانهيار بسبب انعدام خطة موحدة لمقاومة جائحة كورونا. بل إن رئيس وزراء إيطاليا السابق إنريكو ليتا ذهب إلى حدّ وصف الاتحاد الأوروبي بأنه يواجه (( خطرا مميتا))، بسبب تداعيات هذا الوباء وضعف المواجهة.

2- الافتقار إلى التضامن والروح الجماعية بين الدول الأعضاء في الاتحاد، حتى أن ألمانيا وفرنسا فرضتا قيودا على تصدير الملابس الطبية الواقية، وعارضت هولندا وألمانيا تقديم سندات كورونا المالية لإيطاليا. بل وصل الأمر إلى حدّ القرصنة، وسطو دولة من الاتحاد على دولة أخرى، والاستيلاء على المعدات الطبية الموجهة إليها من الصين في وضح النهار تحت مبرر التصدي للتهريب،  مما يطرح أكثر من سؤال حول هيبة كيان إقليمي كان يعد بالأمس القريب نموذجا  للاحتذاء. كما يتجلى انعدام التضامن من خلال التحذير الذي أطلقه جاك ديلورز رئيس المفوضية الأوروبية السابق من أن عدم التضامن بين أعضائه يشكل خطرا قاتلا على الاتحاد الأوروبي، وصبّ جام غضبه على الولايات المتحدة التي أدارت ظهرها للاتحاد في عزّ الأزمة الوبائية، وانتقد التوجهات الشوفينية لبلدانه بسبب الانكفاء على الذات، وترك كل دولة تنزع شوكها بيدها، بدل التعاون والتضامن بين أعضاء الاتحاد.

صحيح أن بعض التصريحات الإيطالية تحمل خطابا يقف عند سقف العتاب، بهدف الضغط على باقي دول الاتحاد لتنفيذ التزاماتها، وهو ما يفسر اعتذار المسؤولة الأوروبية فون دير لاين للإيطاليين على التلكؤ الذي وقع في مساعدتهم إبان بداية تفشي الوباء، ووعدهم ببعض القروض، (كما ورد في صحيفة “لا ريبوبليكا). كما أن اجتماعات المسؤولين في الاتحاد الأوروبي خلال المدة الأخيرة حاولت إصلاح الأعطاب التي حدثت، لكن  ذلك لا يخفي تذمر مكوّنات دول الاتحاد الأوروبي، وسخط الرأي العام الذي وصل إلى حد إلقاء أحد المواطنين براية الاتحاد في سلة المهملات.

ومهما كان تجني هذه الانتقادات على الاتحاد الأوروبي الذي لا يملك في الواقع سوى سلطات محدودة في التنسيق لمواجهة هذه الأوبئة،  فإن جائحة كورونا كشفت هشاشة قانون معاهدة الاتحاد الأوروبي وأنه في حاجة إلى مراجعة لتحديد المسؤوليات.

إن الثغرة الكبيرة في معاهدات الاتحاد الأوروبي التي وقعت سواء في معاهدة بروكسيل أو ماستريخت أو إعلان كوبنهاجن، أو لشبونة تتجسد في إغفالها الالتزام الإنساني بين دول الاتحاد. صحيح أن البند 222 من اتفاقية بروكسيل ينص على أن الدول الأوروبية تقدم مساعدات للدول الأعضاء المنكوبة بسبب الكوارث، ولكنه لا يشير بدقة  إلى نوعية المساعدات التي تقدم في كوارث لها خصوصيتها مثل فيروس كورونا المدمّر من جهة، وتكون ضحاياه كل الدول الأعضاء، وليس دولة واحدة يسهل تقديم الإعانات لها. فهذا البند لا يحدّد من يقدم المساعدة لمن؟ وكيف؟ وما هو حجم المساعدة عندما تكون كل الدول الأعضاء فريسة الكارثة ؟؟ وهذا ما يقوي الاحتمال بأن اتفاقية بروكسيل التي تمّ  بمقتضاها تأسيس الاتحاد، ستعرف تعديلات كبيرة في بنود قوانينها بما يوفّر المزيد من الوضوح، خاصة من ناحية رسم الخط الفاصل بين سلطات الاتحاد وسلطات الدول الأعضاء، ومنح المزيد من السلطات للاتحاد الأوروبي لتعزيز صلاحياته في المجال الصحي ومواجهة أخطار الأوبئة وكافة أشكال الكوارث، حتى ولو أصابت كل البلدان الأعضاء فيه، مما يجعله يتماشى مع متطلبات شعوب الاتحاد، وإلا فسيكون معرضا للتفكك، واختراق روح الدولة القومية لنسيجه كنظام اتحادي.

وهذا ما تؤكده بعض الخيوط الأولية التي تمخضت عن غياب روح التعاون والجانب الإنساني في موقف الاتحاد الأوروبي. فالنزعة القومية التي ما فتئت تتصاعد منذ سنة 2008 بسبب الأزمة المالية العالمية آنذاك، وارتفاع منسوبها بعد تدفق اللاجئين مؤخرا، أعطى نفسا جديدا  للأحزاب القومية اليمينية المتطرفة،  خاصة بعد وصول بعضها إلى سدة الحكم. غير أن أزمة الاتحاد تفاقمت بشكل كبير خلال أزمة كورونا، فارتفعت الأصوات لغلق الحدود، وغدت كل دولة تسلك سلوكا أحاديا، حتى صار شعار “نحن أولا” شعارا لا يعلى عليه. بل بدأت بعض دول الاتحاد تنتقد في العلن. فهذا “ماتيو سالفيني”- أحد أيقونات المتطرفين اليمينيين يستنزل اللعنات على الدول الأعضاء في الاتحاد، وهذا الرئيس الصربي يقبّل علم الصين نكاية في الاتحاد الأوروبي، واعترافا بما قدمته الصين لبلاده من أيادي بيضاء. ممّا يشي بأن الاتحاد الأوروبي يعيش اليوم امتحانا صعبا، يتطلب تأقلما جديدا مع الوضع الجديد ومراجعة شاملة لاتفاقياته وقوانين معاهداته، ويشي بأن مشهده في زمن ما قبل كورونا لن يكون نفس مشهد ما بعد كورونا.

 

 

 

مركز المجدد للبحوث والدراسات

اترك تعليقاً