سلسلة الفكر السياسي الإسلامي “1”.  مدخل لمفهوم الحاكمية. 

د.قصي الزين.
دكتوراه فكر سياسي – رئيس الاتحاد العالمي للشباب.

لما ابتعد النَّاس كثيراً عن المنهج الحقيقي للإسلام ومع الجهل الذي أصابَ الكثير من المُسْلِمين ووجود الملاحدة وجهودهم في الصد عن سبيل الله ورسوله أخذت مفاهيم شرعية عدة تتغير وتتبدل في تصورات النَّاس وتنحرف عن معناها الأصلي ولم يبق منها إلا الصورة التي لا تغني عن الحق شيئاً، وحتى هذه الصورة أصبحت لا تكاد ترى ولا تذكر إلا من منظار ضيق جداً، ويشار إلى من يوضحها أو يزيل الغشاوة عنها أو يذكرها بـ الإرهاب والتطرف والغلو والتعصب إلخ.

قضية الحاكمية:

ومن هذه المفاهيم، التي أصابها الضمور وعدم وضوح التصور الصحيح لها. قضية: الحاكمية وبعبارة أخرى: تحكيم الشريعة، وباللفظ القرآني: الحكم بما أنزل الله، فقد انحصر هذا المفهوم الشمولي والواسع الذي فيه سعادة البشر في الدارين، بين مفرط ومغالي.

فمن فرط جعلها جزئيات كالأحكام المتعلقة بالأسرة من نكاح وطلاق، ومنهم من يصوّرها بإقامة الحدود، كحد الزاني بالرجم، وحد شارب الخمر بالجلد، وحد السارق، بقطع اليد، ويتصور أن هذا هو المراد بالحكم بما أنزل الله، بل أصبح التكلم عنها حديثاً عن الخوارج لأنهم أول من رفع شعار: لا حكم إلا لله، وفهم الكثير من المُسْلِمين أن الحاكمية هي نفي سلطان البشر في تسيير أمورهم الدنيوية.

الحاكمية والربط التاريخي: 

وهذا الربط التاريخي للحاكمية بالخوارج ينفي عن المفهوم شرعيته وأصله الذي هو مستمد من الكتاب والسنة، وأما مَنْ غالى فقد حَمل النَّاس ما لا يطيقون، وأطلق الكفر على كل صغيرة وكبيرة، فصار الحكم بالكفر على الإطلاق، وليس إلى هذا الحد فحسب؛ بل إنهم يكفرون من لم يكفر الكافر على حسب مفهومهم لا على ما أنزل الله، مما جعل هذا الفهم القاصر والمبتور، والفهم المغالي المقالي، هو أحد الوسائل والسبل التي استغلها العلمانيون لمهاجمة الدعوة إلى تحكيم شرع الله.

الخلاصة والعبرة:

والحق في مفهوم الحاكمية أنه يشمل نواحي الحياة الإِنْسَانية جميعها، منها العلاقة بين العبد وربه، والعلاقة بين الإِنْسَان ونفسه، وإلى جانبها علاقته مع أسرته وأقاربه وما له عليهم وما لهم عليه، وإلى جانبها علاقة الإِنْسَان بأخيه الإِنْسَان، وعلاقة الإِنْسَان بالسُلْطَة الحاكمة ما دامت مطبقة لشرع الله ومنفذة لأوامره وحاكمة بحكمه.

إذن فالحاكمية كمفهوم عقدي وتعبدي ليس جديداً أو مبتكراً أو مبتدعاً، أما اللفظ أي الحاكمية فهي عبارة جديدة قيست على كلام العرب للحاجة الماسة إليها في المصطلحات العلمية.

 

مركز المجدد للبحوث والدراسات. 

اترك تعليقاً