جيل التسعينيات: جيل الصدمة أم جيل الفرصة؟!

طارق القزق.

 باحث في مجتمعات ثقافات البحر المتوسط والأنثروبولوجيا الثقافية.

أين المشكلة؟:

بداية حل أي مشكلة، هو أن نعترف بأن هناك مشكلة، والاعتراف بالمشكلة، يعني الوعي بها وإدراك الشخص لها على أن هناك خلل في طبيعة سير الأحداث والأمور، ومن هذا المنظور يمكننا أن نفسر طبيعة المشكلة، وهي تخص قطاعا وفئة عمرية من السكان، وتحديدًا الشباب الذين تتراوح أعمراهم ما بين ال ٢٠ وال٣٠ عام، فالمشكلة لم يكن لها أن تظهر إلا عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي، ولا يمكن لأحد أن يعبر عنها إلاّ الشباب أنفسهم ومن يمثلون ذلك القطاع.  ولكن ماهي المشكلة؟! المشكلة هي حدوث جملة من الظواهر والتغييرات الاجتماعية والاقتصادية التي مر بها هذا الجيل منذ طفولته حتى الآن، فهذا الجيل في مصر على سبيل المثال شهد زلازل عام ٩٢، وحرب الخليج عام ٩٠، ثم أدرك وجود مشكلات تعليمية كانت سببا في أن يفقد الكثيرين آمالهم في دخول بعض الكليات، ما يطلق عليها (كليات القمة) بسبب صعوبة الامتحانات أو تسريبها في بعض الأحيان الذي دل على بداية انهيارها؟!  شهد هذا الجيل أيضا احتلال العراق ولأول مرة على شاشات التلفاز بعد أن كان يسمع عن الحروب في الروايات أو من خلال الأفلام، هو أيضا الجيل الذي شهد على انتشار بعض الأمراض مثل انفلونزا الطيور والخنازير وتأثيراتها الاجتماعية! وشهد على المظاهرات والانتفاضات الطلابية! وكانت ثورات الربيع العربي هي أحلامه التي نسجها وشارك فيها، وشهد معنى أن تنهار المجتمعات بسبب الحروب الأهلية والطائفية بعدما كان ينظر إلى العالم من منظور واحد فقط، وهو أن الجميع متشابهين، ولكنه اكتشف أن في داخل الطائفة الواحدة والأسرة الواحدة منظورات ورؤى مختلفة عن العالم وصراعات قديمة وحديثه ظهرت على السطح! كل هذه الأحداث أخذت من وقته ومن عمره، فأصبح فاقد للشعور بالزمن، أصبح التاريخ يمر سريعا ومتعلقا بأحداث وآمال صنعها بنفسه ولكنه فقدها! وضاعت آماله، ومنهم انكفأ على نفسه، ومن هرب منها بالهجرة أو اندمج مرة أخرى في المجتمع وكأنه لم يحدث تغيير على الإطلاق!

  شهدَ التحولات الاقتصادية وأزماتها السريعة، فهو شاهد في صغره على القوة الشرائية لل١٠ قروش والربع جنيه، وشهد اختفائهم ولم يكن واعيا بتأثيراتها المستقبلية عليه! ثم شهد الانهيار الكبير وفقدان قيمة العملة، وكانت الصدمة الكبرى له عندما أصبح كيلو الحليب من ٣ جنيهات الي ٢٠ جنيها! وزيادة تكاليف الزواج الي ما يقارب ٢٥ ألف دولار أمريكي!   هذه الصدمة التي جعلته ينظر إلى نفسه بوعي ويقول ؟!ماذا أفعل؟! فلم يجد فرصة إلا أن يحاول الاندماج في المجتمع، ويقلد التجارب التقليدية للنجاح بعد أن كان يحاول صنع مستقبله بذاته الواعية! فكان طريقه إلى الخليج؟!؟ ولكن اكتشف أن الخليج اتجه الى طرد العمالة الأجنبية، ومحاولة الاعتماد على ذاته، أو اكتشف أنه لم يعد مثل السابق من الناحية الاقتصادية!  ثم اكتشف أن حلمه للهجرة إلى أوروبا وأمريكا قبل بالمنع وبالتعقيدات التي أغلب الشباب لا يستطيع أن يستوفي شروطها؟! والبعض أصبح يفكر في الحصول على وظيفة حكومية؟! ولكن باب التعينات مغلقا في وجهه! وهو ربما جالس بالبيت بسبب جائحة كورونا بعد أن حصل بصعوبة على فرصة عمل في ظل مجموعة من الأزمات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية، ربما حصل عليها بعد مجموعة كبيرة من التنقلات بين الأعمال! وربما واقع تحت قوة رجال الأعمال بأبجاره عن العمل في ظل الظروف المرضية الخطيرة.

 طريقة التعبير عن هذه المشكلة كانت بشكل ساخر وهو ما يتميز به الشباب في هذه المرحلة بقدرتهم على تقبل الصدمات في أغلب الاحيان بشكل ساخر، فالسخرية وسيلة اللاشعورية للهروب من المشكلة أو الاستسلام لها وكأنه يقول لا أملك من أمري شيء إنه جيل التسعينيات جيل الصدمة!

جيل الصدمات والتغييرات: 

ولكن لم يدرك هذا الجيل إلا القليل، إن هذه الحوادث والتغيرات كانت يتبعها تغييرات من الناحية التكنولوجية، فهو أول من شهد ظهور الهاتف الخلوي بأجيال المختلفة ثم أشرطة الفيد وأجهزة الكومبيوتر بتكنولوجياتها المتطورة والإنترنت، وشهد على ثورة تكنولوجية كبيرة أدت إلى تحول المجتمعات من مجتمعات صناعية إلى مجتمعات معرفية، المعلوماتية تعتمد في صناعتها على المعلومات والحاسب الآلي، فلم يعد المصنع يحتاج إلى كم هائل من العمالة، بل أصبحت الروبوتات تفي بالغرض! وكذلك لم يعد هناك حاجة للكم الهائل للإنتاج والتخزين، فأصبح الانتاج على حسب الطلب! واصبحت شروط فرص العمل هو البحث عن العمالة الذهنية التي تستطيع الإنتاج والتعامل مع أجهزة الكمبيوتر، فهي تنتج برامج وتطبيقات للاستفادة منها في عملية الإنتاج، وتستطيع أن تستخدم الكومبيوتر في عملية التواصل والحصول على المعلومات، ومن جملة هذه التغييرات انهيار سلطة المهن، فلم تعد المهن مثل الهندسة والطب والصيدلة كما كانت في السابق لها مكانتها، فانهارت سلطتها بسبب انتشار المعلومات والمعرفة، وحدث تحول شديد في طبيعة وظائفها، في أنها أصبحت تعتمد على غير متخصصين! فيمكن أن نجد الصيدلي بائع لا يمت الصلة بالصيدلة، والصيدلي أصبح تاجر، ولم يعد مالك المستشفى هو الطبيب بل رجل الأعمال! وانهيار السلطة يعني ظهور مهن ذات سلطات أعلى وأكبر  مثل البرمجة والهندسة الاليكترونية، ولم يعد للمدرسة والجامعة ذات المؤسسات المختلفة والمتنوعة تأثير يذكر، وأصبح الاعتماد على المعاهد الخاصة هو السبيل الوحيد للتعلم والحصول على فرص العمل، مما يعني انهيار سلطة المعلم وبعض الوظائف الإدارية، وفقدان وظيفتها بشكل فعلي، ولكن لولا عوامل الضبط الاجتماعي وهو العنف الذي تمارسه المؤسسة التعليمية والاسرة كان سبب في استمرارها، وهذا العنف الرمزي رغم تنوعه، إلا أنه في هذه الحالة متمثل في التواجد الفيزيقي للطالب الذي يكون مهددا بالحرمان من التعليم إذا هو لم يلتزم بالشروط المتعارف عليها تحت مسمى سلطة العنف، وكذلك سلطة الآباء التقليدية في  طقوسية الذهاب إلى المدرسة واستشعار بقيمة الأموال التي تدفع للطالب، وفي الجامعة خاصة النظرية منها تعتمد على التكاليف المكتبية والحضور للتعليم!  فهذا التحول أفقد العديد من الوظائف الإدارية وظيفتها، فبدل الاعتماد على الإشراف المباشر أو الإدارة البيروقراطية، فأصبحت الكاميرا وبرامج الحاسب الآلي المعقدة تقوم بهذه الوظيفة، ومعناه أنه في خلال السنوات المقبلة سنجد تحول في وظائف المدرسة والجامعة لأنه لن يكون وجودها الفيزيقي له قيمة إذا تم الاعتماد على التعليم المنزلي والاليكتروني المستقل، وهو ما أصبح يعتمد عليه كثير من الشباب والمهتمين بتطوير الذات.

جميع هذه التغييرات هي من تسببت في أحداث الصدمات. شخصية الطفل عليها أن تتقمص دورا ما وتتوحد معه حتى تستطيع مستقبلا أن تؤدي هذا الدور! ولكن لم تعد الأدوار التي كان يقمصها موجودة أو من الصعب الحصول عليها! بسبب تحولها وتطورها أو أنها فقدت أهميتها فلم يعد بحاجة لها! فهذا يمكننا أن نشاهد الكثير من الشباب من لا يعملون بشهاداتهم ويعملون أعمالا أخرى! وهذا معناه انهيار السلطة الرمزية لبعض المهن مثل المهندسين والمعلمين والمحاسبين! فلم تعد القيمة متمثلة في الشهادة، لكن في إمكانية قيامه بوظيفة يستطيع الحصول منه على راتب كبير!  ويمكن أن أقتبس هذه الفقرة من الفن توفل في كتابه الصدمة ” صدمة المستقبل هو ذلك الانعات الذي يصيب الأفراد والتشتت والتمزق، عندما يفرض عليهم الكثير جدا من التغيير خلال فترة وجيزة ومن خلال الخلال ابحاثي الميدانية، اكتشفت أن الصدمة مرضا حادا تعاني منه إعداد متزايدة كل يوم مرض يتخذ حالة أطلق عليها السيكولوجية، وهو مرض التغيير، ولم تعد المؤسسات الاجتماعية تضع علاج لهذا المرض، وهو كيفية التكيف مع هذه التغييرات التي تنعكس على كافة النظم الاجتماعية والنفسية للشخص والمؤسسات” (١)

.. ولهذا يمكنني أن أقول إن هذا الجيل لم يكن مهيأ لتفادي وتخطي الصدمة بسبب اعتماد التنشئة الاجتماعية من أسرة ومدرسة إعلام على الصورة النمطية للدور الاجتماعي المرتب، يمكنني أن أعذر الاسرة لأنها حاولت أن توازن بين الضغوط الاقتصادية الكبيرة والتنشئة الاجتماعية، ولكن لا يمكن أن أعذر المؤسسات الاجتماعية الاخرى لأنها لم تبين لهذا الجيل على التحولات والمخاطر المستقبلية التي ستواجهه!  وفشلت في تطوير نفسها بالاعتماد على سبيل للمعرفة بدلا من الاعتماد على التوسع المكاني وإدخال الحاسب الألى كدليل على التطور! وكانت النتيجة فشل الكثير من هذا الجيل في محاولة إدراك التغييرات فأصبح يرددماذا أفعل؟! وما هو هدفي؟!

 وأصبح الجانب الترفيهي التكنولوجيا وطريقة قضاء وقت الفراغ والاستهلاك وانتشار ثقافة الطعام والعلاقات العاطفية! هو المسيطر عليه، والاتكالية على توارث الدور الاجتماعي عبر “الواسطة” او   السفر إلى الخليج هو الحل؟!  والبحث عن دولة الرفاه الأوروبية التي ستحقق أحلامه، رغم انهيارها في الوقت الحالي، وأصبحت لا تستطيع تلبية احتياجات مواطنيها ولا التكييف مع التغييرات الاجتماعية، وباختصار نحن في زمن الليبرالية الجديدة، وهي الاعتراف بعدم المساواة الاجتماعية وعدم حلها ونزع يد الدولة عن رعاية المجتمع!

ولكن أغلب هذه المعتقدات انهارت فعيا بسبب التغييرات الاجتماعية والاقتصادية! وأحدثت صدمة اجتماعية نفسيه له.

  ولا يمكنني  أن ألقي  بالعبء كاملا على هذا الجيل، فلا يمكن إنكار أيضا التغييرات البيئية التي ليس له دخل فيها، مثل اجتياح الأوبئة والفيروسات التي لم تتكيف هي الأخرى مع التغييرات التكنولوجية للبشر، والتي أحدثت خلل في التنظيمات الاجتماعية المختلفة، وأحدثت توقف في حياته العملية، وهذه الصدمات هي سبب في انتشار النظرة السوداوية للناس، والتي تسبب انهيار التماسك الاجتماعي والاغتراب والانتحار بما فيها من عمليات التحويل مثل الإلحاد أو التطرف وغيرها من وسائل محاولة تفادي الصدمة وتحقيق الذات السريع عبر وسائل الإعلام الإليكتروني!  للبحث عن الشهر وجني الأرباح السريعة، فانهيار تقمص الدور المثالي وظهور تقمص الدور السينمائي والبحث عن الشهرة عن طريق الأعمال التافه أو الخارجة عن عادات المجتمع وثقافته هو الطريق الوحيد لعلاج الازمة ولجذب الانتباه والحصول على المال السهل.

السؤال الذي يجب أن يطرح في ظل هذه التغييرات السابقة واللاحقة وهو ليس كيف تحقق هدفك؟!  مادام الجميع لم ينتبه بهذه الصدمات والتغييرات كان عليه أن يسأل ماهي الأهداف التي يجب تحقيقها؟!  ماهي الفرص المتاحة للتحقيق رغبات الذات؟!  وما هو شكل التغييرات وانعكاساتها الاجتماعية والاقتصادية والنفسية؟! وكيف يتفادها؟!

الفرصة…

هذا الجيل لم يتمركز حول ذاته بل استطاع أن يتكيف مع التغييرات التكنولوجيا، فكان سريعا في تعلمها واكتسابها، ومبادرًا في اقتنائها رغم أنها كانت في البداية صعبة المنال ومكلفة، لكن استطاع البعض التكيف مع التغييرات التكنولوجية واكتشف مدى قوتها في إحداث التغييرات الاجتماعية التي تفاجئ العالم، على أن التكنولوجيا أدت إلى إحداث التغيير الاجتماعي والثورة! وإحداث تغيير في العديد من المجالات الاعلامية على سبيل المثال، بل أسقطت السلطة الرمزية للقنوات الفضائية والصحافة، فأصبح هي الناقل للخبر وصانعه في نفس الوقت! فلم تعتمد القنوات الفضائية في أخبارها على وكلات الأنباء، بل اعتمدت على ذلك الشاب الذي يحمل الهاتف الخلوي التفاعلي في” نقل الحدث وقت وقوعه” هذا المصطلح الذي لم يكن موجودًا في عالم الإعلام، أو ربما يحدث على سبيل الصدفة!  فكانت الاخبار تنقل بعد وقوعها ربما ساعات أو أيام، ولكنه أحدث ثورة في العالم الإعلامي بعد أن كان يتسم بالرتابة والضعف والسلطة الرمزية الجامدة، وتفوق عليها.

أحدث “جيل الفرصة” ثورة في مجال التعليم وأثبت  الكثير من الشباب “الغير تقليدي” الذي كان يمارسُ عليه العنف الرمزي بأنه لا يلتزم بالحضور إلى المدرسة  والجامعة أو فشله الدراسي في بعض الأحيان، وعدم انضمامه للحركات التنظيمية مثل اتحاد الطلاب وغيرها بقدرته على إدراك حقيقة واقعه، وإن التعليم لا يكمن في المدرسة فقط ولكن من خلال التعليم الذاتي عبر الحاسب الآلي وتكنولوجيا المعلومات أو ربما في تطوير نفسه في اللغات والإدارة والتجارة بشقيها الاليكتروني والواقعي سواء مبيعات أو تسويق المنتجات وأثبت نجاحه في تكوين عمله الخاص وتكوين رأس ماله الافتراضي، فلم يبحث عن هذا الجيل عن النموذج أو الدور لتقمصه! كما اعتادت الأجيال السابقة، ولكن صنع هذا الجيل نموذجه لنفسه، وكان هذا انعكاسا لذاته ورؤيته لها ومعارفه المتغيرة والتي بدورها كانت لها تأثير على الحياة الاجتماعية.

الفرصة الحقيقية ليس في إظهار جيل التغيير جيل يرفض الاستقرار ويريد الخراب والتدمير، وبدلا من أن تضع النظم سبلا لتنظيم وإدارة التغيير، وتلبية احتياجات الشباب واشراكهم في تغيير المجتمعات، وضعت نظما لقمعه وتقييده في التعبير عن حريته وثقافته، وأصبحت تنظر إليه بتوجس وترقب من سلوكياته، لكنها لا تعلم أن زمن حارس البوابة! الذي يمنع دخول وخروج الأفكار العالمية وينقيها ويسيطر على الفكر، أن هذا الزمن قد انتهى، ولم يعد هناك قيد أو حكر على منع أي فكر أو تقييده أو حتى التأثير عليه! لم تعد ثقافة الإيمان بكل ما يقال في التلفزيون على أنه حقيقة واقعية، لكن هناك سبلا أخرى لمعرفة الحقيقة، مما أحدث الفجوة بين جيل الكبار وجيل الشباب وبين النظم الاجتماعية التي فقدت سلطتها وشعرت أنها بلا وظيفة، وأنها غير قادرة على مواجهة جيل الفرصة أو طبقة التكنولوجيا والمعلومات، وانتقلت السلطة في يد هذا الجيل.

رؤية لحل المشكلة:

يمكننا وضع حل للمشكلة على مستوين: الأول هو المستوى الشخصي وهو أصغر وحدة للتحليل والمجتمع والمؤسسات، وهو الأكبر ولذلك سنبدأ بوضع الرؤية العلاجية للتحليل على المستوى الشخص ثم ننتقل إلى المستوى المؤسسي:

الوعي الزمني:

التغيير السريع هو السمة الرئيسية الأولى لهذا العصر الحالي والمستقبلي.

 على كل فاعل اجتماعي أن يكون على الاطلاع الدائم بالتغييرات التكنولوجيا وما يصاحبها من تغييرات اجتماعية واقتصادية ونفسية لكي يستطيع إعادة توازنه ولا يتحطم داخليا وتحدث له الصدمة! وذلك عبر قارة التقارير الصادر عن مراكز الاستشراف بالمستقبل متابعة الاقتصاد العالمي ومتطلباته ومشكلاته، المتابعين الجديدة للمعارض التكنولوجية والمؤتمرات الخاصة بمخاطر المجتمع.

استمرار عملية التعليم:

لا اقصد هنا استمرار مؤسسة التعليم أكثر من إدراك الفكرة القائلة بأن التعليم ليس مجرد مؤسسة أو أنه يلقن في فترة زمنية محددة، بل التعليم دائم ومستمر، لأن الشخص هو عضو اجتماعي، وله أدوار متعددة غير مرتبطة بمكان أو زمان، فالكثير من المعاهد العالمية والجامعات الدولية تقدم منح دراسية ودورات تدريبية مجانية، سواء في مؤسساتها أو عن طريق التعليم عن بعد، مع تقديم الشهادات المعتمدة دوليا، وهذا كفيل بتغيير مسير حياة الفرد المهنية والتعليمية للأفضل.

تصحيح التفكير:

ربما الصدمات وعدم وجود نماذج نجحت في تجاوز الأزمة! فهذا يعني أننا بحاجة إلى تصحيح الأفكار المتوارثة عن الأدوار الاجتماعية الجديدة والطبقات الاجتماعية، العمل على تصحيح الأفكار يضع حلا لتجاوز الازمة.

ملامح التصحيح هو أن نتماشى مع عملية التغيير ليس فقط مع المستوى الفكري، ولكن على المستوى الوظيفي. فلا يوجد معنى لوظيفة ثابته مدى الحياة! ولكن تتغير لاكتساب معارف وخبرات أكثر، لأن هذا العصر يعتمد على كم المعلومات وليس العامل الزمني في العمل فقط. لا يوجد تخصص ولكن هناك مرونة وتكيف في التخصصات، مثل أن تكون معلما وكاتبًا، أو أن تكون تاجر إليكترونيات وتعمل من المنزل (work at home) والعمل في الخدمات. تجميع كل هذه التخصصات لإعادة التوازن في حالة خلل أي وظيفة من هذه الوظائف.

تصحيح التفكير يعني تغيير النظرة الاجتماعية للشخص، للأدوار الاجتماعية وما يترتب عليها من تغيير في المكانة! فليس يعني أن تكون مهندسا أو طبيبا أن معناه أنه في الطبقة الاجتماعية العالية، وليس معنى أن المرأة لا تعمل بالمصنع أو المكتب أنها متخلفة! أو غير حرة، فقد أصبح العمل من المنزل لجني الربح والمال هو السمة الثانية لذلك العصر.

لغات رمزية جديده:

 لغات العالم المختلفة لم تعد هي السبيل الوحيد للحصول على الوظيفة، ولكن هناك لغات أخرى في متحدث بها ولكن يكتب بها مثل لغات البرمجة! والتي تعتبر من أهم اللغات الحالية في الحصول على الوظائف وكذلك الحصول على الثروة المالية.

الانهيار الزمني للربح المالي:

الانهيار الزمني للربح المالي أو النقود ليس معناه أنه كلما طالت مدة العمل على مدار العمر يعني جني الأرباح المالية الكثيرة او المتوسط في نهايته! الربح المالي لا يعني في هذا العصر المجهود العضلي أكثر منه الربح والمجهود الذهني، كلما طالت مدة الاستثمار في تطوير الذات بالحصول على الدورات الملائمة لفرص العمل أدت إلى الحصول على الكثير من الربح المالي في وقت قصير وهذا يمكن بالجمع بين الاثنين. الجانب العلمي والعملي.

القاعدة الرئيسية لهذا العصر:

العمل متحرك في الزمان والمكان وليس مرتبطا بهيكل أو مؤسسة أو سلطة محددة للحصول على إذن العمل، فلم تعد بحاجة لكي تكون صحفيا أن تذهب لمؤسسة للصحافة للعمل بها.

فأنشاء موقع الكتروني للكتابة فيه كافيا ليجعله من أهم المؤسسات الصحفية على المستوى العالم، ويمكننا أن نقيس هذا على المؤسسات المختلفة كالجامعات والمدارس والشركات، فأصبحت جميعها إليكترونية ومنها المستقلة والخاصة، ولافتتاح إلى رأس المال الضخم لإنتاجها وسمعتها وجودتها أعلى وأفضل من المؤسسات الواقعية والكثير منها معترف بها دوليا.

الابتكار والابداع:

الابتكار لا يعني فقط توليف المواد لاختراع ما! ولكن أيضا الابتكار لحلول المشكلات في ظل المخاطر البيئية والاجتماعية والاقتصادية. فالابتكار والعمل الذهني من سمات هذا العصر وخاصة حل المشكلات وتجارة بيع الأفكار، فيمكن ورقة بحثية أو مقطع فيديو لك ينشر في جميع أنحاء العالم لتحصل بعدها على الدعم اللازم لأفكارك.

ولم يعد هناك صعوبة في التواصل مع الجامعات أو المؤسسات العلمية والصناعية العالمية وكذلك الشخصيات المؤثرة بالمجتمع كرجال الأعمال بسبب تجاوز الزمان والمكان من خلال التواصل بالبريد الاليكتروني دون الحاجة للانتقال المكاني.

الحرية المالية:

اقصد بالحرية المالية هو ألا يعتمد الشاب على العمل الحكومي أو أن يكون تحت سلطة رجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال عليه، أن يكون له عمله ومشروعه الخاص، وهذا يجعله يتفادى الأزمات المالية ومخاطر الاستغلال والتحطم الناتج عن فقدان العمل والوظيفة.

إنتاج النظم وليس إعادة إنتاج:

المقصود هو الابتكار الاجتماعي للنظم الاجتماعية وتطوير وظيفتها ومواكبة التغييرات وليس إعادة إنتاجها بزيادة عدد المدارس والجامعات! ولكن الاعتماد على الوصول إلى المتعلم في أماكن وأزمنة مختلفة، فربما تقتصر عملية المؤسسة التعليمية على مرحلة التنشئة الاجتماعية، بمعنى اندماج الفرد في المجتمع واكتساب ثقافته والحصول على ما يكفيه من التعليم الأساسي، هيكل البناء لابد أن يكون مرنا وأساليب احتياجات الطلاب، ولكن المجتمع والمعارض المختلفة والمهرجانات السينمائية والمؤتمرات الدولية فسيتحول القطاع إلى قطاع إنتاجي الدولة.

مشاركة وإدخال القطاع الخاص في التعليم، فيصبح التعليم الجامعي على سبيل المثال   مؤسسة بحثية وليس مؤسسة تعليم، يقدم الأفكار والاستشارات للشركات ويتصل بالقطاع الخاص بتلبية احتياجاتهم من التكنولوجيا والتصنيع بدلا من الاستيراد من الخارج، مما سيعطي دفعه نحو تغيير صورة التعليم لكي يواكب المستقبل ويجعله يعتمد على الإبداع وليس التلقين.

 الاعتماد على الشركات الخاصة العالمية المنوطة بتطور التعليم في أنحاء العالم والاستفادة من التجارب، مثلما تفعل الدول في الاعتماد على الهيئات الاستشارية في الاقتصاد.

مؤسسات التعليم:

انهيار مؤسسة التعليم يعني لابد من تقصير مدة التعليم لتتناسب مع واقع ومتطلبات الحياة العملية الجديدة! فيمكننا أن نلاحظ أن ٢١ عاما من التعليم يختصر في عام وعامين في التعليم الخاص المؤهل لحصول على فرص العمل مناسبه وهي تختصر في اللغات والكومبيوتر والإدارة وفروعها المختلفة.

الدولة عليها تسهيل عملية الاتصال بين العضو الاجتماعي والعالم الخارجي والمتاجرة والتشجيع على هذا.

التأكيد على وجود سمة تواصلية بين البناء الاجتماعي وبين الفاعل الاجتماعي، الحوار يعني التعبير عن الرأي وليس منعه، فعندما يكون هناك حوار تبادلي من الأعلى للأسفل ومن الاسفل للأعلى يعني التوازن الاجتماعي وتحقيق الاستقرار دون أن يحدث صدمة لمؤسسات الدولة بالتغييرات الاجتماعية التي تؤدي إلى عدم استقرارها وانهيارها.

المراجع:

(١) الفن توفل، صدمة المستقبل المتغيرات في عالم المستقبل، ترجمة: محمد علي ناصف تقديم: دكتور احمد كمال أبو المجد، ط، ١٩٩٠، ص٣.

مركز المجدد للبحوث والدراسات. 

اترك تعليقاً