الاستعمار ما بين صناعة وهم النخب والتعليم التقليدي. فما الحل؟

عبداللطيف مشرف – باحث في التاريخ السياسي جامعة أولوداغ. 

الاستعمار الحديث للشعوب: 

يعيش العالم العربي والإسلامي الأن حالة من التفكك والضعف لم يسبق لها مثيل على مر فترات التاريخ، حيث يظن الجميع أن العالم العربي نال استقلاله بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وقد ظن الجميع أن هذه الفترة انتهت بلا رجعة، حيث كانت أوروبا وصية على معظم دول العالم العربي والإسلامي، وكانت ثروة العالم العربي منهوبة بمعني الكلمة، وكانت الشعوب العربية محرومة من خيرات بلدانها، بل كانت تعمل لدي المحتل بالسخرة مقابل قوت يومها، وظلت شعوب العالم العربي تكافح وتناضل من أجل استعادة الأوطان والثروات، وقد نالت ما تريده بعد أن ضحت بكثير من دماء أبناء شعوبها المخلصة، ولكن المستعمر دومًا كان له خطط بديلة عن الحل العسكري، وهو زرع الاستعمار الفكري عن طريق وكلاء له، تتحدث باسم الوطن ولكن إخلاصها للمستعمر.

ومن ذكاء المستعمر أن جعل السلطة الشكلية ونداءات الوطنية وكراسي السلطة والمنصب باسمهم وبيديهم، ولكن السلطة الفعلية والقرارات السيادية والثروة بيده، فالاستعمار خرج بألياته العسكرية فقط، وبقي بفكره ووكلائه في كل مؤسسة من مؤسسات الوطن العربي إلا القليل. إن اختيار كثير من الدول المستعمَرة في السابق للغة معينة للتعليم أو كلغة وطنية خضع لقرار سياسي في المقام الأول خلال فترة ما بعد الاستعمار، قام به من يسميهم فيلسون «النخبة التي أنشأها الاستعمار»، وذلك باختيار لغة المستعمر في الغالب لتكون لغة البلاد الرسمية، ما أنتج عينة تتجاهل نظام التعليم القائم باللغات المحلية واللغة العربية، خصوصاً أن أبجديات اللغات الإسلامية كانت مكتوبة بأحرف عربية، وما تبع ذلك من ارتفاع كبير في نسبة الأمية.

إضاءة ورؤية إن أقدم هذه السياسات كانت السياسة السلبية في التعليم، وهي تتلخص في عدم تعليم أحد من أبناء الأهلين، وقد ترمي إلى بذل الجهد في محو المتعلمين، وهذه سياسة تجلت بوضوح تام في أوائل القرن التاسع عشر في أمريكا

السياسة الاستعمارية في التعليم:

إن السياسات التعليمية الاستعمارية لم تتوانَ عن مهاجمة ومحاولة تحطيم الأنظمة التعليمية القائمة وعلى رأسها المدارس القرآنية في كافة مناطق العالم الإسلامي، عربية كانت أو غير عربية، ولكنها في الوقت نفسه وقفت عاجزة عن تقديم نظام تعليمي بديل، يقدم التعليم الأساسي لكافة الشعوب المستعمرة، وكان كل ما قدم هو برنامج تعليمي غربي عنصري يستهدف شريحة صغيرة جداً من تلك المجتمعات، يهدف تعليمها تعليماً غربياً، والاهتمام بها لتكون طبقة من النخبة الموالية للمستعمر، بهدف هدم روابط الأمة الإسلامية ووحدة الصف لأبناء هذه الأمة. وذلك لتحقيق أهداف المستعمر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وكثير من الجوانب الدينية. وللأسف إن مرحلة ما بعد الاستعمار لم تختلف كثيراً عن سابقتها، بل أطرت تلك السياسات في ثوب جديد وشرعت لها تحت مظلات وطنية مصطنعة.

إن الكتاب والمفكرين من رجال الاستعمار لا يقفون عند هذا الحد في تعداد فوائد المستعمرات، بل يسترسلون في شرح فوائدها المعنوية أيضاً، فيقولون: إن المستعمرات لا تكون للدولة المستعمرة مناجم ثروة مادية فحسب، بل هي بؤرة استغلال للقوة المعنوية أيضاً، إذ تجد هذه الأمم في المستعمرات مجالاً واسعاً للجد والنشاط والإقدام فيزدهر أملها المرجو في المستقبل. فإن الأمم القانعة بحدودها تعتاد التراخي والكسل، بينما تغير المستعمرات نفسية الأمة وتخلق فيها نشاطاً حياً وآمالاً جديدة، ويمكننا أن نشبه تأثير المستعمرات في نفسية الأمم بتأثير الأولاد في نفسية العائلات، فالولد ينشئ للعائلة أمل للمستقبل ويحملها على العمل، وكذلك المستعمرة تقدم للأمم المستعمرة دافعا جديداً للحياة والكفاح.
بعد أن ألقينا هذه النظرة العامة عن غايات الاستعمار، نستطيع أن ننتقل إلى سياسة التعليم في الاستعمار:

إن هذه السياسة تتجلى في ثلاثة أنواع من المعاهد التعليمية: 
أولا – المعاهد التي يؤسسها المستعمر في وطنه الأصلي لخدمة الاستعمار.
ثانيا – المعاهد التي يؤسسها المستعمر في المستعمرات لتربية أبنائه.
ثالثا – المعاهد التي يؤسسها في المستعمرات لتربية أولاد الأهلين في القطر المستعمَر.

هل يركنون في المستعمرات إلى عدم التعليم؟ ولكنهم يعلمون إن عدم التعليم لا يمكنهم من استغلال البلاد المستعمرة، إذ يجبر المستعمر في تلك الحالة على ممارسة الاستغلال في المستعمرات بقواه الذاتية، فيضطر إلى الإتيان بالعمال من وطنه الأصلي وهو لا يجد في أمته العدد الكافي منهم، وإذا وُجد فاستقدامهم إلى المستعمرات وتشغيلهم فيها يكلفه كثيراً، فيغدو المنتوج الاقتصادي أغلى سعراً بحيث لا يستطيع أن ينافس منتجات غيره في الأسواق العالمية، ومن ناحية أخرى لا يمكن أن يكون العامل مفيداً في أي عمل ما لم يكن قد أخذ بنصيب من التعليم في عصر الصناعة الذي نعيش فيه.

وقد ظل المستعمرون في حيرة من هذه المشكلة: التعليم في المستعمرات يؤدي إلى ثورة الأهلين عليهم، وعدم التعليم في المستعمرات يعقهم عن الاستغلال! ففكروا كثيراً وأخيراً وجدوا ضالتهم بطريقة مبتكرة في سياسة التعليم وهي: (التعليم بغير تثقيف). فقالوا نعلم أولاد المستعمرات من غير أن نثقفهم. نعلمهم تعليماً ضيقاً جداً يجعلهم آلات صماء في أيدي الاستعمار. وقد بذلت الدول المستعمرة جهودها في وضع نظام للتعليم على هذا الأساس، بجعل التعليم وسيلة ميكانيكية بحتاً إذ يكون لغايات محدودة معينة بدون أن يدخل على هذا التعليم أي عنصر من عناصر الثقافة العامة. وقد تقننوا في إيجاد هذه الأساليب وابتكار طريقة خبيثة لتدريب أبناء المستعمرات على أن يكونوا مسامير في صفحة خشبية، أو عجلات في آلة ميكانيكية، محرومين من أي لون من ألوان الثقافة العامة.

وهكذا اتفقت سياسة الاستعمار التعليمية على وجوب الأخذ بالتعليم بدون تثقيف، وهذا آخر ما وصلوا إليه لحل معضلة التعليم في المستعمرات. وقد بدأ المستعمرون من يوم تفتحت قرائحهم بهذا الابتكار يجاهدون في تحقيق غاياتهم، وقد أرادوا أن يموهوا على الناس ويستروا مقاصدهم المعلومة تحت أستار حيل مختلفة، فقالوا بأن هذا النوع من التعليم الابتدائي والعملي هو الذي يفيد أولاد المستعمرات أنفسهم؛ وادعوا بأن التعليم الثانوي والعالي وكل نوع من أنواع التعليم الأوربي بغير الأهلين؛ وقد بذلوا جهوداً عظيمة ليقنعوا الأهلين بذلك، وقاموا بدعايات كثيرة نشروها لبث هذه الفكرة وتوجيه الأمم المستعمرة إلى هذا الضرب من التعليم.

فالنوع الأول من المعاهد التعليمية الاستعمارية سيبقى خارجاً عن نطاق بحثنا هذا، أما النوع الثاني من المعاهد التعليمية التي ينشئها المستعمر في المستعمرات لتربية أولاده فهي أيضاً لا تستدعي اهتمامنا كثيراً لأنها تشبه بوجه عام المعاهد التعليمية التي تنشأ في الوطن الأصلي ولا تختلف عنها إلا من حيث زيادة بعض الدروس لإعداد أولاد المستعمرين للقيام بأعمال استعمارية. والمهم أن ندقق في النظم التي يرسمها المستعمر لتعليم أولاد الأهلين في المستعمرات وأن نستعرض السياسات المختلفة التي ابتدعت في ذلك. إن أقدم هذه السياسات كانت السياسة السلبية في التعليم، وهي تتلخص في:  عدم تعليم أحد من أبناء الأهلين، وقد ترمي إلى بذل الجهد في محو المتعلمين، وهذه سياسة تجلت بوضوح تام في أوائل القرن التاسع عشر في أمريكا.

في أمريكا الجنوبية عندما ثار الأهلون على المستعمرين الإسبان كتب القائد العام إلى ملكه يبشره بانتصار جيشه في إحدى المعارك، وكان مما قال في تلك الرسالة التاريخية: (إنه عامل المتعلمين من أبناء البلاد معاملة العصاة وقضى عليهم قضاء ومحاهم محواً، وإنه استأصل بهذه الصورة فكرة التمرد والعصيان من جذورها استئصالاً تاماً). وحتى في أمريكا الشمالية مثلا كان يحظر في الولايات المتحدة الأمريكية تعليم الزنوج القراءة والكتابة؛ وكان كل أبيض يعلم زنجياً يعاقب بالحبس والجلد. وعلى هذا المنوال كانت سياسة الاستعمار في التعليم بادئ ذي بدء في موقف عدائي مطلق تسعى إلى عدم التعليم، وتعمل على محو المتعلمين.

إضاءة ورؤية:

التعليم بدون تثقيف كيف؟

وقد ظل المستعمرون في حيرة من هذه المشكلة: التعليم في المستعمرات يؤدي إلى ثورة الأهلين عليهم، وعدم التعليم في المستعمرات يعقهم عن الاستغلال! ففكروا كثيراً وأخيراً وجدوا ضالتهم بطريقة مبتكرة في سياسة التعليم وهي: (التعليم بغير تثقيف). فقالوا نعلم أولاد المستعمرات من غير أن نثقفهم. نعلمهم تعليماً ضيقاً جداً يجعلهم آلات صماء في أيدي الاستعمار. وقد بذلت الدول المستعمرة جهودها في وضع نظام للتعليم على هذا الأساس، بجعل التعليم وسيلة ميكانيكية بحتاً إذ يكون لغايات محدودة معينة بدون أن يدخل على هذا التعليم أي عنصر من عناصر الثقافة العامة.

الخلاصة والعبرة والحل:

على أن التجارب القاسية لقصر التعليم على خدمة الاستعمار وحده قد أسفرت عن نتائج سيئة إذ ما عتمت أن أحدثت رد فعل عند أولاد المستعمرات، فقد تغيرت أحوالهم بعد مدة قليلة أو كثيرة من تخرجهم من المدارس، وبدلاً من أن يكونوا مطبوعين على حب المستعمر يتفانون في سبيل خدمته وفق الثمرة التي كانت مرجوة من التعليم الاستعماري، أصبحوا على نقيض ذلك يكرهونه ويكافحونه. فأسقط في أيدي المستعمرين وطفق ساستهم وعلماؤهم يفكرون في الموضوع ويدرسونه فيجدون أنفسهم كلما أمضوا في تعليم أولاد المستعمرات بطرائق تضمن محبة الأهلين لهم، تذهب الجهود سدى، إذ لا يلبث أكثر هؤلاء الأولاد بعد تخرجهم أن يقلبوا للمستعمر ظهر المجن، ففكر علماء المستعمرين في هذه المعضلة فوجدوا أن هذه نتيجة طبيعية، لأن ابن المستعمرات إذا ما قرأ تاريخ الأمة المستعمرة ودرس الثورات وقف على مطالب الشعب من الحكومة يتحمس بهذا الحس برغم أنف المستعمر فيشب راغباً في تطبيق ما درسه. وهكذا تطورت آراء المستعمرين في سياسة التعليم ووقعوا في حيرة مربكة لا يدرون ماذا يفعلون.

يظن الكثير أن الشرق الأوسط يمتلك نخب حقيقية ومفكرين ورجال دولة ومؤسسات ونظم تعليمية، لكن المفاجأة، ما زالت الأوطان محتلة، فمنذ أن وضع المستعمر سياسته وزرع الوكلاء في كل مكان، فمازال يسيطر، وأهم أدواته هي التعليم ونشر الجهل بالمعرفة بين الشعوب وبصمت، من قاعدة استعمارية أصيلة وهي ” نحن نحكم من يحكم الشعوب ولا نحكم الشعوب”، فما زالت سياسة التعليم الاستعمارية ومنهجه متبعة في دول الشرق، وهي سياسة تعتمد على تهميش الدين واللغة الأصلية للبلاد، تعتمد على الحفظ والدرجة النهائية فقط، مما تساهم في قتل روح الإبداع والابتكار، وهذه السياسة كان الغرض منها هو تخريج موظفين وليس نخب وعلماء حقيقيين، وللأسف ما زالت متبعه إلى الأن، والأخطر من ذلك أنهم من يجدوا فيه التفوق وقدرة التغلب على هذه السياسة والمنهجية، يمنعه المستبد ووكيل المستعمر في الشرق من الإبداع، فيلجأ صاحب العقل والمبتكر للهجرة إلى بلدان الغرب، ليجد لفكره وابتكاره  واقع وقيمة، ويساعده الغرب في ذلك، وهي ما تسمي “بهجرة ونزيف العقول”، لتبقي في البلاد نخب تجيد الكلام والجدال لا الفهم والحلول.

فمتى نتخلص من هذه السياسة التى وضعه المستعمر البريطاني في عام 1883 على يد مستشاره دانلوب، ووضعه الفرنسيين في شمال المغرب؟؛ فبعد هذا هل هناك فرق بين المستعمر الغربي والمستعمر المحلي الذي يتبع منهجه وسياسته في كافة المؤسسات إلى الأن دون أن يشعر بذلك؟؛ حتى في كثير من الأحيان داخل المؤسسات تتردد كلمات ونظم المستعمر داخل حتى المؤسسات الحيوية والسيادية في الدول ولا نشعر؟؛ فمن هنا يكمن ضعفنا، فعندما نتخلص من منهجية المستعمر في مؤسساتنا وحياتنا سيتحرر فكرنا ونتقدم، فمتى نبدأ ومتى يأتى من يعي أن الأوطان ما زالت محتلة؟

ولكن من الممكن أن نبدأ وهذه بعض الحلول وهي: 

  • يجب تغيير المناهج تغيير حقيقي فكري ومعرفي،يتناسب مع ثقافة وعقلية الشرق ودينه، لا تغيير صور وأغلفة كتب بالمليارات.
  • يجب تغيير السياسة التعليمية من الجذر، وهي سياسة تعتمد على الحفظ وقتل الابتكار إلى سياسة البحث وتطوير الذات وفق النظم التعليمية الحديثة والتكنولوجيا، ويوجد نماذج يمكن فقط تطويره لتناسب واقع وعقلية الطالب في الشرق مثل النموذج: “السنغافوري والياباني والفلندي.. إلخ”
  • تغيير التعليم لا يأتى من تغيير الوزراء ولكن التعليم ومناهجه بالذات هو إرادة سياسية ورؤية قيادة وحلم، فتغيير التعليم ومناهجه تأتى من أعلى الرأس لا من أشخاص لأنها هو أساس البناء وتحتاج دومًا إلى إرادة سياسية وفكر يحكم.
  • الاعتماد على اللغة الأصلية وهى العربية في التعليم وفي كافة التخصصات مع مراعاة تعليم اللغات الأخري، ولكن تظل على رأس الأولوية والاهتمام اللغة الأصلية.
  • الأهتمام بالتربية على الدين والمعتقد وبشكل رئيسي في المناهج، وأضافة مواد تحث على القيم والأخلاق والمهارات الحياتية في المراحل الأساسية من التعليم، وتتطور بتطور متطلبات المرحلة العمرية للطالب. 
  • أن تتوفر البيئة العلمية المناسبة لأصحاب العقول، ويعفون من الضرائب، وتتكفل الدول في بناء حياة حقيقية لهم ولأسرهم ، وتقوم ببناء معامل علمية على أحدث مستوي، وتوفر لهم الحماية الشخصية والاحترام الجماهيري والشعبي. 
  • أن تلغى فكرة الجامعات الخاصة والأجنبية على أرض الدول، وتقوم الحكومات بتوحيد كافة أشكال التعليم في المرحلة الجامعية، ويكون بإشراف حكومي متكامل، من أجل توحيد فكر الشباب وتعليمهم، وأيضًا يكون مصدر الفكر واحد لتكون التغذية الراجعة والمخرجات كذلك متشابهة، وبذلك تقضي الحكومات على الأزدواجية الثقافية والفكرية بين الشباب، التى سببها هو التعليم الخاص وغيره من أشكال وأنواع التعليم والجامعات الأجنبية التى أصبح تجارة، فالتعليم هو قضية الأمن القومي الحقيقية، فكيف يكون الفكر ومنبعه ومصدره مختلف الأشكال والأنواع واللغات وتطلب منهم أن يجلسوا على طاولة حوار ويشاركوا في البناء؟. 

مركز المجدد للبحوث والدراسات. 

اترك تعليقاً