آلة فهم القرآن والعلوم الإسلامية

محمد أحمد البكري: محاضر وباحث في اللغة العربية – مصر

 

لكل غاية وسيلةٌ يُتوصَّل بها إليها، وكل غاية اتَّخذ لها صاحبُها وسيلة غير وسيلتها فليس أمامه في نهاية طريقه إلَّا أحد احتمالين: إمَّا أن يضلَّ غايته التي أراد؛ كمن خطَّط للسفر من مصر إلى إيطاليا فتوجَّه جنوبًا! وإمَّا أن يصل إلى غايته ولكن بعد إهدار كثير وقت؛ كمن خطَّط للسفر إلى الوجهة نفسها في سويعات فخاض رحلته بحرًا في الاتجاه الصحيح مستعينًا بقارب بدائي!

وإذا كان الحديث عن تحديد الوسيلة المناسبة للغاية مهمًّا في ميدان الحياة العامَّة؛ فإنَّه يحمل أهمِّيَّة أكبر حين يكون في ميدان التخصُّص العلمي، وخاصَّةً مَن اتَّخذ القرآن الكريم وعلومه أو العلوم الإسلامية غاية له في طريق تخصُّصه العلمي.

فلئن كان تعلُّم العربية وقواعدها الأساسية أمرًا دبَّ فيه التهاوُن بين عامَّة الناس ويُقبل منهم فيه السعي المتواني، فهو أمر متعيِّن ومؤكَّد على حافظ كتاب الله ومتعلِّم العلوم الإسلامية لا يُقبل منهما فيه غير السعي الحثيث. فإذا كان الأوَّل هدفه الأسمى من حفظ كتاب الله أن يعمل بما فيه، فإنَّ عملًا بكتاب الله لا يكون بغير فهم؛ وإذا كان الأخير هدفه من التخصُّص في العلوم الإسلامية فهمها لاتخاذها منطلَقًا، فإنَّ فهمها لا يكون بغير إتقان آلة فهم مادَّتها؛ وهي اللغة العربية[1].

ومن القواعد الأصولية المعلومة لدى المتعلِّمين أنَّ “ما لا يتمُّ الواجبُ إلَّا به فهو واجبٌ”؛ واللغة العربية هنا هي الواجب الذي لا يتمُّ للمُتخصِّص في علوم القرآن أو في العلوم الإسلامية غايةٌ دونه؛ يقول ابن تيمية رحمه الله:

“اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب؛ فإنَّ فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يُفهم إلَّا بفهم اللغة العربية، وما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجب”[2].

والكلام هنا ليس عن الخطباء والدعاة؛ فهؤلاء ليس مطلوبًا منهم أكثر من مخاطبة الناس على قدر عقولها -وإن كان تعلُّم ما يقيمون به خطبتهم ودعوتهم واجبًا في حقِّهم- وإنَّما الكلام لمن هو في منزلة من العلم أعلى من أولئك: منزلة الحافظ أو القارئ المستأمَن على كلام ربِّ العالمين بصحَّة تلقِّيه القائم على الفهم الصحيح، ومنزلة طالب العلوم الإسلامية المستأمَن على أحكام شريعة ربِّ العالمين بصحَّة استنباطه القائم على الفهم الصحيح أيضًا، وهما منزلتان لا يحقُّ لأحد أن يتهاون في مثقال ذرَّة من أمرهما، وإلَّا فليدع ولينظر في شأن آخر من شؤون الدنيا يسهل الاشتغال به؛ يقول ابن تيمية -رحمه الله- في الموضع نفسه:

“الدين فيه فقهُ أقوالٍ وأعمال؛ ففقه العربية هو الطريق إلى فقه أقواله، وفقه السُّنَّة هو الطريق إلى فقه أعماله”[3].

أما وقد اختار السالك طريق علوم القرآن والعلوم الإسلامية، فعليه أن ينتبه إلى أنَّ المسألة لا تتعلَّق بأمر ثانوي لا ضير في تركه أو تأجيله، ولا تتعلَّق بمقرَّر دراسي للُّغة العربية في مرحلة دراسية سيحمل عنه غيرُه من المقرَّرات عبء درجته؛ وإنَّما متعلِّقة بما لا مفرَّ منه إلى غيره ولا عدول عن وقته إلى سواه من الأوقات، وهو وجوب إتقان تلك الآلة التي لا يستقيم للقرآن عمل ولا يستقيم للعلوم الإسلامية فهم بغيرها؛ إذ لا يليق بمن يحرص على صوْن كتاب الله من اللحن ألَّا يسعى في تعلُّم ما يعينه على حفظ هذا الكتاب من اللحن، وكذا لا يليق بمَن يحرص على فهم العلوم الإسلامية على مرادها ألَّا يسعى في تعلُّم ما يعينه على هذا الفهم.

فيتعيَّن على كل منهما أن يحمل نفسه حملًا على تعلُّم ما يستقيم به الفهم من العربية. فإن لم يكن للعربية مقامُ المبتدأ تقديمًا قبل حفظ كتاب الله وقبل دراسة العلوم الإسلامية، فليكن لها مقامُ المبتدأ تأخيرًا؛ أو لنَقُل مقام الدعاء لمَن نسي أن يسمِّي في أوَّل الأمر فاستدرك قائلًا: “باسمِ الله أوَّلَهُ وآخرَهُ”[4].

وفي القرآن الكريم آيات لا بُدَّ أنَّ كثيرًا من الحفَّاظ وقف عندها متسائلًا، في طيِّ البال إن لم يكن بلسان المقال؛ نوردها تدليلًا على أهمِّيَّة أن تكون العربية جسرًا يُعبَر عليه إلى القرآن؛ من ذلك: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾[5]؛ ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾[6]؛ ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ (الْأَيْمَنَ)﴾ [7]؛ ﴿الْمَالُ وَ(الْبَنُونَ) زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾[8]؛ ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ (آيَاتِنَا كُلَّهَا) فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ﴾[9]؛ ﴿خَلَقَ (السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) بِالْحَقِّ﴾[10]؛ ﴿لَن يَنَالَ (اللَّهَ) لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾[11]؛ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى (اللَّهَ) مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾[12]، وغيرها كثير.

وثمَّة أنواع أخرى من اللحن في كتاب الله قائمة على الفهم أيضًا لا تقلُّ خطورة عمَّا سبق؛ مثل الوقف؛ فإنَّ بعض القرَّاء -سامحهم الله- لهم وقفات تشيب لها الرأس لا يدفعهم إليها إلَّا الهوى والاستحسان، وهي وقفات قبيحة لو أدركوا ما أوقعتهم فيه من تحريف كلام الله عن مُراده لما وسعهم أن يقضوا ما بقي من أعمارهم استغفارًا، وإن كان عن غير قصد. وما أغناهم عن ذلك لو تعلَّموا لغة كتاب قال الله تعالى عنه: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ۝ لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾[13].

وكذلك الأمر في الوصل؛ فإنَّك لتجد بعض القرَّاء -في قراءة عاصم مثلًا- يقرأ “الريحان” في قول الله تعالى ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾[14] مجرورةً حين يصل الآية بما بعدها، عاطفًا “الريحان” على “العصف”! أو يقرأ “المجيد” -قراءة عاصم أيضًا- في قول الله تعالى ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾[15] مجرورةً على أنَّها وصف “العرش”!

وإذا كانت المسألة على هذا القدر من الأهمِّيَّة في كتاب الله، فإنَّ الأمر نفسه منسحب على العلوم الإسلامية بفروعها؛ لأنَّ فهمًا خطأً لمسألة واحدة قد يترتَّب عليه كثير من الأحكام المغلوطة المبنية على أساسٍ واهٍ عمادُه الفهم المغلوط.

والحديث منطبق أيضًا على المتخصِّصين في علوم اللغة العربية؛ فإنَّ القرآن الكريم واللغة العربية صِنْوان لا يُستغنى بأحدهما في التعلُّم عن الآخر، غير أنَّ الأمر آكدُ في حقِّ حافظ القرآن وقارئه منه في حقِّ المتخصِّص في علوم العربية؛ لأنَّ الأوَّل قد يضلُّ سبيلَه إن استغنى عن الآلة التي توصله إلى غايته، وأمَّا الآخر فإنَّما يستعين بالقرآن الكريم أصلًا من أصول اللغة والاستدلال على قواعدها.

فليتَّقِ الله كل ساعٍ في تعلُّم كتاب الله وعلومه وكل ساعٍ في تعلُّم العلوم الإسلامية في ما هو مقبل عليه، وليحفظ الأمانة التي بين يديه ويؤدِّها بحقِّها؛ فإنَّه عنها مسؤول.

 

قائمة المراجع:

[1] تنقسم العلوم من حيث الغايةُ والوسيلةُ إلى علوم مقاصد وعلوم آلة. والعربية -بما يندرج تحتها من علوم- تُعدُّ من علوم الآلة؛ وهي العلوم التي يُستعان بها على دراسة علوم المقاصد وفهمها؛ مثل علوم القرآن، وفروع العلوم الإسلامية المختلفة.

[2] اقتضاء الصراط المستقيم: 2/ 207.

[3] السابق نفسه.

[4] ليس المقصود بالحديث هنا متعلِّم هذه العلوم غير العربي دون متعلِّمها العربي؛ إنَّما الكلام عن متُعلِّمها العربي في المقام الأول. فإذا كان كذلك، فهو أوجب في حقِّ غير العربي.

[5] البقرة: 124.

[6] الآية الكريمة نفسها.

[7] طه: 80.

[8] الكهف: 46.

[9] طه: 56.

[10] الزمر: 5.

[11] الحج: 37.

[12] فاطر: 28.

[13] فُصِّلت: 41، 42.

[14] الرحمن: 12.

[15] البروج: 15.

اترك تعليقاً