لا يشغلنكم كورونا عن شعبان

د / عادل الحمد 

2 شعبان 1441 هـ

من رحمة الله عز وجل أن جعل لهذه الأمة مواسم للخير طوال العام، لا ينتهي موسم إلا ويبدأ آخر.

وقد أهل علينا شهر شعبان، وهو موسم من مواسم الخير، بعد أن انتهى شهر رجب، وهو من الأشهر الحرم.

وقد كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحرص على اغتنام هذا الموسم بكثرة الصيام، حتى قالت أمنا عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لاَ يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لاَ يَصُومُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ. (رواه البخاري)

بل من كثرة صيامه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في شهر شعبان ظنت أم سلمة أنه كان يصومه كله فقالت: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَصُومُ مِنَ السَّنَةِ شَهْرًا تَامًّا إِلَّا شَعْبَانَ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ. (رواه أبو داود)

بل كان أحب الشهور إليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للصيام بعد رمضان شهر شعبان، كما قالت: عَائِشَةَ: كَانَ أَحَبَّ الشُّهُورِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَصُومَهُ: شَعْبَانُ، ثُمَّ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ. (رواه أبو داود)

هذا الحرص من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لفت أنظار الصحابة، فسأله أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن سر اهتمامه بهذا الشهر، فقال أسامة:

يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ، قَالَ: ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ. (رواه النسائي)

فبين له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سر اهتمامه بهذا الشهر بأمرين:

الأول: غفلة الناس عنه.

هذه الغفلة نابعة من وقوع شهر شعبان بين شهرين عظيمين هما: رجب، وهو من الأشهر الحرم، ورمضان وهو شهر القرآن والصيام.

إن حرص المسلمين على تعظيم حرمات الله في شهر رجب، وحفظ النفس من الوقوع في المحرمات في الشهر الحرام، مع حرصهم على بلوغ رمضان واستعداهم له، جعلهم يغفلون عن العمل الصالح في شهر شعبان.

مع أن شهر شعبان له شأن عظيم، ففيه ترفع الأعمال إلى الله عز وجل.

وهو الأمر الثاني الذي علل به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سر اهتمامه بشهر شعبان.

عندما غفل الناس عن شهر شعبان، أظهر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شدة اهتمامه به بكثرة الصيام، حتى ظن الصحابة أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صامه كله من غير انقطاع.

فحري بالمسلم في حال انشغال الناس عن الأوقات الفاضلة، أن ينشغل باغتنامها بما شرع لنا فيها من الأعمال الصالحة.

إذا كانت غفلة الناس عن شعبان نابعة من انشغالهم بشهرين عظيمين، فإن الناس اليوم يدخلون شهر شعبان وهم في شدة انشغالهم بالحدث العالمي الكبير؛ وباء (كورونا).

فهذه فرصة للمسلم الحصيف أن ينشغل بالعبادة والصيام وكثرة قراءة القرآن، خاصة وأن المساجد قد أغلقت، والجمع والجماعات قد عطلت، وأمر الناس بالبقاء في البيوت.

إن انشغال الناس بالصيام في هذا الشهر لهي فرصة للقُرب من الله والتضرع إليه برفع البلاء.

 وللصائم دعوة لا ترد، فليغتنمها في الدعاء لهذه الأمة برفع البلاء عنها.

إن انشغال الناس بمتابعة أخبار وباء (كورونا)، قد يضيع عليهم كثيرًا من الطاعات، بل قد يضيع الواجبات.

ومن الأمور التي قد ينشغلون عنها، قضاء ما عليهم من دَين رمضان الفائت، وخاصة النساء، فهذه هي الفرصة الأخيرة في هذا العام لقضاء الدين، فليُذكر الرجل أهل بيته بصيام ما عليهن من دَين رمضان.

وقد كانت عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْهَا تقضي دَينها في شعبان.

 فعن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قالت: كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلا فِي شَعْبَانَ. (رواه مسلم)

 فتنبهي أختي الكريمة لهذا الشهر، وبادري بقضاء دَينك قبل أن يدخل رمضان.

أسأل الله أن يوفقنا لاغتنام شهر شعبان، بالصيام والقيام وقراءة القرآن والذكر.

والحمد لله رب العالمين.

 

اترك تعليقاً