قراءة في الفكر السياسي الإسلامي لعلي عزت بيغوفيتش

مقدّمات بين يدي النظام الإسلاميّ (2)

عبد القدوس سماتي: باحث في الفكر السياسي – الجزائر

مقدمة:

إن كان علي عزت بيغوفيتش قد وجّه كتابه “الإسلام بين الشرق والغرب” إلى الغرب أو إلى غير المسلمين أساسًا، وإلى المسلمين بدرجةٍ ثانية، فإنّ كتابه “الإعلان الإسلاميّ” موجَّهٌ إلى المسلمين خصوصًا، وإن كان الأوّل يعالج مسألة الحياة البشرية في عُمقها وعُمومها فإنّ الثانيَ يعالج قضية السياسة الإسلامية بالخصوص، وفي ظروف العالَم القائمة حين كتابة الكتاب، أي نهايةَ الستينات ومطلعَ السبعينات.

يندمجُ عزت بيغوفيتش في “الإعلان الإسلاميّ” مع سائر الفكر الإسلاميّ الحديث، منبّهًا إلى بعض الانحرافات التي عرفها الفكر عند المسلمين في العصر الحديث، خصوصًا في المجتمعات العربية الكبرى مثل مصر وسوريا والعراق، ومبيّنًا بعض الاختلالات الواقعيّة التي عانتها النظم السياسية في العالَم الإسلاميّ، والتي يبدو أنّها لا تزالُ تشكو منها إلى اليوم.

أولا: أولويّة الثورة الدينية (التربية)

 

يندفعُ كثيرٌ جدا من الناس اليوم إلى الخطاب السياسيّ كلّما عاقهم في حياتِهم عائق أو ما يُخيَّل إليهم أنّه عائق، حتى لو لم تكن له أدنى علاقةٍ بما يعرّفون به “السياسة” في عقولهم. إنّ هذه الظاهرة المَرَضيّة المتمثّلة في أنّ مفهومًا وهميا للسياسة[1] الْتَهم ويلتهمُ عقول الناس وحَجَرَ على قدراتهم العقلية وحصرَها في الشكوى شبه السياسية الزائفة المؤسسة على سراب الحقوق، هذه الظاهرة مرفوضةٌ في الإسلام تمامًا، وللقارئ الدقيق للعقيدة الإسلامية أن يرى هذا التناقضَ جليًّا إن هو قارَن بين خطاباتنا السياسية الشعبية والنخبوية اليوم من جهة، والخطاب الإسلامي من القرآن والسنة من الجهة الأخرى.

إنّ أوّل خُطوةٍ في إقامة الإسلام (والإسلامُ يشمل جوانب الحياة كلَّها، وبالتالي فإنّ إقامة الإسلام بالنسبة إلى المسلم تساوي إقامة الحياة السويّة الكريمة) هي الثورة الدينية، أي ثورة الناس على ما فيهم وفي أقرانهم من جاهليةٍ وانحرافٍ يُقاس بمقياس الإسلام نفسِه، وذلك من خلال جهادٍ تربويٍّ عقديّ سلوكيّ عميق وواسع. ولا يصحّ قبل هذا أن تنصرف رغبة المسلمين إلى إقامة نظامٍ سياسيّ إسلاميّ، لأنّ الحُكم في ذلك -وفي غيره- للإسلام وحِكمتِه لا لردود أفعال المسلمين على واقعهم الكئيب، ردودِ أفعالٍ وصف محمد رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم أصحابَها يومًا بأنّهم قومٌ يستعجلون.[2]

الإسلام ثورةٌ أخلاقية واجتماعيّة كما أوغل في بيانِه عزت بيغوفيتش في “الإسلام بين الشرق والغرب”، غير أنّ ثورتَه الأخلاقية تسبقُ ثورتَه الاجتماعية، والتغيير السياسيّ بالمعنى السطحيّ للخطابات الشعبيّة اليوم ما هو إلا نتيجةٌ من نتائج التغيير الاجتماعيّ أو جزءٌ من أجزائه التي تأتي آخِرًا، فهو ضروريّ ولكنّه مؤجَّلٌ أيضًا، لا فَرَقًا أو طلبًا للسلامة والراحة، ولكن لأنّ حوامِلَه الواقعيّة تسبقُه عقلًا وواقعًا، وفي مقدّمة حواملِه الواقعيّة المجتمعُ المسلم حقًّا، روحًا وفكرًا وتنظيمًا واجتهادًا وجهادًا.

((فماذا نعني بالصحوة الدينية كمتطلّبٍ أساسيّ للنظام الإسلاميّ؟

إنّ الصحوة الدينية هي وعيٌ واضحٌ بالغاية الحقيقية للحياة: لمَ نحيا؟ ولأجل أي هدفٍ نحيا؟ وهذا الهدفُ أَهدفٌ شخصيّ هو أم هدفٌ مُشترك؟  أَيتعلّق الهدف بعظمة العُنصر “الذي أنتمي إليه” أم بمجدِ الأمّة أم بتأكيد شخصيّتي الفردية، أم هو هيمنة شريعة الله على الأرض؟ بالنسبة لحالتنا، تعني الصحوة الدينية من الناحية العمليّة “أسْلَمَة” الناس الذين يدّعُون أنّهم مُسلمون، أو أولئك الذين يدعوهم الآخَرون بهذا الاسم، فنقطة الانطلاق في هذه “الأسلمة” هي الإيمان الراسخ بالله من جانب المُسلمين، والالتزام الدقيق الأصيل بقِيَم الإسلام الدينية والأخلاقيّة.

أمّا العُنصر الثاني للصحوة الدينية فيتمثّل في الاستعداد للقيام بالواجبات التي يفرضها الوعي بالهدف.

فالصحوة الدينية -لذلك- هي نوعٌ من الالتزام الأخلاقيّ والحماسة، حالةٌ من القوة الروحية على المادّة، حالة من المثالية الحيّة العملية يُصبح فيها الأشخاصُ العاديون قادرين على أعمال بطوليةٍ تتسم بالشجاعة والتضحية. ومِن ثَمَّ فالصحوة الدينية خاصيةٌ جديدةٌ تتسم بالإيمان والإرادة، وتتلاشى فيها قيمة المعايير اليوميّة المألوفة للممكن، ويرتفع فيها الفردُ والجماعة معًا إلى درجة أعلى من درجات التضحية في سبيل تحقيق مَثَلِهم الأعلى.

وبدون تحقيق هذه الحالة الجديدة يستحيل تحقيق أي تغييرٍ حقيقي في عالَم المسلمين الحاليّ)) [3]

بعد أن تقطع الصحوة الدينية أشواطًا على أرض الواقع يصير أخفَّ على النفوسِ الالتحاقُ بجماعتِها والسيرُ في ركابِها، أمّا البدايات فشاقةٌ وخانقة، ولا يثبتُ لها إلا {رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه} (سورة الأحزاب: 23)، {رجالٌ لا تُلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذِكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة} (سورة النور: 37)، رجالٌ مؤمنون ونساءٌ مؤمناتٌ إيمانًا صادقًا أحيا فيهم العزم وأعانَهم على الصبر وزيّنهم بالجَلَد، في زمنٍ يفرّ فيه الضعفاء وينكسر الأقوياء ويحذَرُ الصناديد، {لا يستوي منكم مَنَ انفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتل أولئك أعظمُ درجةً من الذين أنفقوا من بعدُ وقاتلوا} (سورة الحديد: 10).

يقرّر عزت بيغوفيتش بكلّ وضوحٍ أنّ الفرق الرئيس بين الحركة الإسلاميّة والحزب السياسيّ هو أنّ الحركة الإسلاميّة تبدأ من الذات، في حين ينصرف الحزب السياسيّ إلى السلطةِ والمؤسسات والآخَرِ الخصم. تُحارب الحركة الإسلاميّة أولًا طغيان النفسَ وأهواءَها وأنانيّتَها وفوضاها، لتجعل منها نفسًا مؤمنةً قويةً عادلةً تقوم على أمثالِها الدول العادلة القويّة.

وقد امتلأ القرآن العظيم وسنة النبيّ الكريم صلى الله عليه وسلّم بالدلائل والحجج على هذا، ومن ذلك قول الله تعالى {إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفُسهم} (سورة الرعد: 11)، وقوله سبحانه {ألم ترَ إلى الذين قِيل لهم كُفُّوا أيديَكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلمّا كُتب عليهم القتال إذا فريقٌ منهم يخشَون الناس كخشية الله أو أشدّ خشية وقالوا ربَّنا لِمَ كتبتَ علينا القتال لولا أخرتَنا إلى أجل قريب قُل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تُظلمون فتيلا} (سورة النساء: 77)، أمّا مِن سنّة النبي صلى الله عليه وسلّم فإنّ سيرتَه النبويّةَ كلّها جاءت نموذجًا للتدرُّج من الدعوة الدينية المحضة إلى النظام الإسلاميّ الكامل على مدى قريبٍ من ربع قرنٍ من الزمان.

حين تتمكّن الصحوة الدينية من نفوس الناس تنتج عنها أسس صلبةٌ يقوم عليها النظام الإسلاميّ الكامل لاحقًا، ويركّزها علي عزت بيغوفيتش في أساسين اثنين، أحدُهما العزمُ على تطبيق أحكام القرآن من دون أدنى كراهية، مهما انزعج منها مَن انزعج، فالحياةُ حينئذٍ تصير كلُّها في نفس المؤمن عبادةً لله حقًّا لا ملعبًا يعبث فيه الإنسان كما يريد. والأساس الآخَرُ هو الاستعدادُ الذي يتّصفُ به المسلمون ليقدّموا ما يجب من هائل التضحيات في سبيل إعلاء كلمة الله، والثقة والتعاوُن المُخلِصان اللذان يشدّان رِباط الجماعة المسلمة، واللذان هما روحُ المجتمع المُسلِم وقيمتُه الاجتماعيّة المُثلى وحاميه من شرور الداخل وشرور الخارج.[4]

فوقَ هذا، يرى علي عزت بيغوفيتش أنّ المجتمع الإسلاميّ يجب أن يضُمّ التربيةَ والتصنيعَ الحثيث أحدَهما إلى الآخَر، فالتخلّف الماديّ المُذهِل الذي تعيشه مجتمعاتُنا لا يُخرجنا منه إلى تصنيعٌ جادٌّ سريع الوتيرة، غير أنّ هذا التصنيعَ يؤدّي لا مَحالةَ إلى كوارثَ اجتماعيةٍ ونفسية ما لم تقلّمه التربية وتلطّفه وتحُطْ أهلَه بالعناية لئلا يقع لهم ما وقع في المجتمعات الصناعية من استبدادٍ وفسادٍ وتحطيمٍ للأسرة ونهب للثروات وانتهازيةٍ وانعدامٍ للضمير وانتشارٍ للكحول والمخدّرات والدعارة:

((ولا يُوجَد سدٌّ يحولُ دون الفيضان الكاسح لهذا الخَبَث المضادّ للثقافة والأخلاق إلا ذلك السدّ الذي يُبنى على أساسٍ من الإيمان القويّ الخالص بالله، والالتزام بتعاليم الدين مِن قِبَل جميع فئات الشعب، فالدين وحدَه هو الذي يضمنُ ألا تُقوِّض الحضارة أركان الثقافة، أمّا التقدُّم الماديّ والتقنيّ المجرّد كما رأينا بوضوحٍ في كثيرٍ من الحالات فإنّه قد يتحوّل إلى بربرية))[5].

ثانيا: السلطة السياسية

 

واضحٌ ممّا قيل آنفًا أنّ السلطة السياسيّة (أو الحُكم بالمصطلح الإسلاميّ) موضوعٌ لاحقٌ بالنسبة إلى النهضة الإسلاميّة، لكنّ ذلك لا يعني أنّه ليس ضروريًّا بَلْهَ أن يكون غيرَ مشروعٍ كما يحلو لبعض دعاة الحداثة أن يدَّعُوا ليخلوَ لهم “المجال العامّ” يشرّعون فيه ما يريدون. إنّما هي مسألة تسلسلٍ زمنيّ منطقيّ بحُكم سنة الله التي قد خلت في عباده في ما يخصّ التغيير الاجتماعيّ (قوانين التغيير الاجتماعيّ).

يرجعُ الأمرُ إذًا إلى اجتهاد النخب الإسلاميّة في تقدير لحظةِ الشروع في العمل السياسيّ (السعي إلى السلطة)، وهم في ذلك محكومون بالواقع وبالحكمةِ المُكتسبَة من روح الإسلام والتفكُّر في سنن الله في التغيير الاجتماعيّ، غير أنّ ثمّة قاعدةً إسلامية عامّة تجعل هذه النقطةَ غير ممكنةٍ قبل أن تشعر النخب بقدرة المجتمع المُسلِم على تغيير النظام القائم وبناء نظام إسلاميّ.

إنّ التسرُّع في هذا الأمر والتراخيَ كلاهما خَطِر، فالطاقة الاجتماعيّة للمجتمع المُسلم إسلامًا حقًّا لا تكفّ عن النموّ تحت ظلّ الصحوة الدينية الحقيقية، وحين تصِل إلى أقصى ما تستطيعُ عملَه داخل الإطار الاجتماعيّ المتاح في ظلّ حُكمٍ غير إسلاميّ يكون واجبًا حينئذ أن يُفتَح لها مجالٌ أوسع للحركة والبناء، وذلك يُوجِبُ الإمساك بزمام السلطة أوّلًا، فإن تراخت النخب عن توجيه الجماعة الإسلاميّةِ هذه الوجهةَ في الوقت المناسب حصل الضغطُ داخلَها ونتج عنه الاضطرابُ والصراع الداخليّ أو الارتداد عن الإسلام الحقِّ الشاملِ لمجالات الحياة كلِّها، فيكون الناتج هو العنفَ الداخليّ أو الانشطارَ بين الإسلام والركون إلى الحياة الدنيا بما يتيحه النظام غير الإسلاميّ، وأحلاهما مُرّ. والنتيجتان هما هما في حال التسرُّع، فانعدامُ القدرة الاجتماعيّة على التغيير السياسيّ بسبب نقص التهيُّؤ النفسي الاجتماعيّ، رغم مواتاة الظروف السياسيّة شكليًّا، يؤدّي بالجماعة الإسلامية إلى اللجوء إلى العنف من خلال انقلابٍ لا ثورةٍ إسلامية

((والانقلاب إنّما هو استمراريةٌ للسياسة غير الإسلاميّة مما تقوم به المجموعات الأخرى، أو باسم مبادئَ أخرى غير المبادئ الإسلاميّة))[6]،

أو هو يؤدّي إلى الارتداد عن مشروع النظام الإسلاميّ، وذلك كلُّه تخلٍّ عن الإسلام الكامل وظلمٌ للنفس وخسرانٌ مُبين.[7]

يطبّق عزت بيغوفيتش أفكارَه هذه على التجربة الباكستانية تطبيقًا مختصَرًا، فيلاحظُ أنّ جمهورية باكستان الإسلامية، التي كانت إذ ذاك النموذجَ الوحيد الذي أعلن أنّه جمهورية إسلامية (قبل الثورة الإيرانية عام 1979م)، عانت من سلبيّتين كبيرتين، إحداهما الافتقار إلى الوحدة في بنية القوى التي وضعت فكرة “إقبال” عن “الباكستان” موضع التنفيذ، فالمجتمع الباكستانيّ تَركَّب كيفما اتفق لدواعٍ سياسية طارئة، ولم يتحوّل إلى جماعةٍ إسلاميةٍ عن طريق صحوةٍ إسلامية حقيقيّة. والسلبية الأخرى هي المنحى الشكليّ الجامد في تطبيق المعايير الإسلاميّة على الواقع الباكستانيّ، أي غياب الاجتهاد الإسلاميّ القادِر على إبداعِ تصوُّرات عملية للتعامُل مع الواقع في ظلّ الرؤية الإسلاميّة، من أجل ألا يتجاوزنا الواقع فيصيرَ هو المتحكّمَ الذي يخضع له المسلمون لا العكس.[8]

ثالثا: الوحدة الإسلامية وزيف القوميّة

 

لا يمكن أن يُخطئَ أحدٌ يقرأ القرآن بعين الإنصاف حقيقةَ أنّ المسلمين وحدةٌ واحدة أو يجب أن يكونوا كذلك، ليس لأنّ ذلك منصوصٌ عليه في آيةٍ أو بضع آيات، بل لأنّ روح خطاب القرآن يحمل هذا المبدأ الذي يتخلّله في ما لا يُحصى من المواضع.

لقد كانت الخلافة الإسلامية، حتى في مراحل شيوع الانحرافات في حكّامها، تعبيرًا عن هذه الحقيقةِ، كانت وحدة المسلمين تبدو لهم على مرّ الزمن شيئًا عاديًّا وطبيعيًّا جدا، إنّما المستنكَر انقسامُهم بين دويلاتٍ لا يجمعها جامع. وحتى مع الانقسام الذي غطّى مساحةً كبيرةً نسبيا من الحُكم الإسلاميّ زمانيا ومكانيًّا كان الانتساب الاسميّ للخلافة والانضواء الرمزيّ تحت لوائها مبدأً لا يسهُل رفضُه، بل إنّ من كانوا يثورون على مراكز الخلافة كانوا أنفسُهم يدعون إلى إقامةٍ جديدة للخلافة أقْوَمَ سبيلا برأيهم.

وحتى بعد سقوط آخر معاقل الخلافة الإسلامية، الحُكم الإسلاميّ العثمانيّ، ظلّت نفوس المسلمين متمسّكةً بفكرة وحدتِها، عبّرت عن ذلك الصدمة التي أصابتهم على أثر ذلك السقوط، وردودُ الأفعال والحركاتُ التي قامت تحاول إعادة الخلافة وسار على خُطاها خلقٌ كثير.

نعم، إنّ للتجربة التاريخية الطويلة التي عاشتها الشعوب المسلمة أثرًا في هذا الشعور القويّ، لكنّ ذلك ليس كلّ شيء كما يدّعي القوميّون الحداثيّون، وليس الزمن كفيلًا بالقضاء على هذا الشعور؛ ذلك أنّ الوحدة الإسلامية مقتبَسةٌ من روح القرآن كما أسلفنا، ولا غرابةَ في أن يعيَها ويُقِرَّ بها ويتحمّس لها من لم يعرف الإسلام عبر العيش في المجتمعات الإسلامية وتشرُّب مشاعرها وقناعاتها، بل عرفه من البحث والتقصّي مِمّن اهتدوا إلى الإسلام من أصولٍ غربية. ومن أمثلة ذلك ما قالَه المفكّر الفرنسيّ رجاء غارودي (روجيه غارودي قبل إسلامه):

((لقد أنشأ النبيّ صلى الله عليه وسلّم بالمدينة جماعةً ذات نمطٍ جديدٍ تمامًا، ليست مبنيةً على الدم والعِرق، ولا على مِلكية إقليم ما، ولا على علاقاتٍ معيّنة للسوق، ولا حتى على ثقافةٍ مشتركة أو تاريخ، وبعبارة واحدة: لم تُبنَ تلك الجماعة على شيءٍ من إرثٍ ذي علاقةٍ بالماضي، إنّما كانت جماعةً مبنية على الإيمان ولا شيء غيره، على تلك الاستجابة غير المشروطة لأمر الله، استجابةٍ مثّل إبراهيم عليه الصلاة والسلام نموذجَها الخالد.

هذه الجماعة مُشرَعةٌ أبوابُها للجميع، من دون أدنى اهتمامٍ بالأصل الذي ينحدرون منه. وليس أشدّ مناقضةً لروح هذه الأمّة المسلمة من فكرة القوميّة (الوطنيّة -Nationalisme) التي أحدثَها الغرب، أي فكرة سوقٍ تحميها دولة، وتبرِّرُها ميثولوجيا عِرقيّة أو تاريخية أو ثقافية، تميلُ إلى أن تجعل الأمّة القوميّة (la nation) نهايةً لذاتِها، في تناقضٍ مع الوحدة الإنسانية (والتي هي حالةٌ خاصّة بالتوحيد، حجرِ الزاوية للرؤية الإسلاميّة للعالَم))).[9]

توحيد المجتمعات الإسلاميّة هو إذًا وظيفة طبيعيةٌ للنظام الإسلاميّ، ويتّخذ هذا التوحيدُ أشكالًا مختلِفةً متنوعةً بحسب الواقع والاجتهاد[10]. غير أنّ((الإفصاح عن هذه الرؤية يُعكِّر صَفوَ نوعٍ من الناس في أوساطِنا، يدّعون أو يعتبرون أنفُسَهم “واقعيين”))[11]،وما واقعيّة هؤلاء إلا واقعيّة الجبناء الذين لا يرونَ أنفُسَهم في هذا العالَم إلا موضوعًا لفعل غيرِهم، ((منطق هذه الواقعية يقول: ينبغي للسادة أن يظلّوا أسيادًا وأن يبقى العبيد عبيدًا))[12].

لا يقرأ الواقعيّون الجبناء التاريخ، ولو فعلوا لعلِموا أنّه قصّة تحقيق مستمرّ لِمَا كان يبدو مستحيلًا، ولا يؤمنون بقيمة العمل، ولو آمنوا بها لما بقي لخضوعهم مكانٌ في نفوسهم. أمّا المؤمنون العاملون فيعتقدون أنّه ((لا يوجَد ما هو أقربُ إلى طبيعة الأمور وإلى الواقعيّة من مَطلَب اتحاد المسلمين بشتّى أشكال الوحدة ليكونوا أقدرَ على معالجة مشكلاتهم المشتركة، وأن يتّجهوا بصورةٍ تدريجية نحو بناء مؤسسات اقتصادية وثقافية وسياسية تتجاوز القوميّات، لكي يحققوا التنسيق والعمل المشترك في هذه المجالات المهمّة))[13] في عصر التكتّلات والتجمُّعات والعولمة.

وبما أنّ المرحلة الأولى من النظام الإسلامي السابقةَ على تولّي السُلطة هي مرحلة الثورة الدينية والتربية فالواجب الآنيّ في هذه المسألة هو تطوير مشاعر الوحدة التي عند المسلمين إلى وعيٍ حقيقيّ، بربطِه أوَّلًا بالعقيدة الإسلاميّة ربطًا مفصّلًا واضحًا، ثمّ ببيان زيف الشبهات التاريخية التي يستحدثها أنصار القوميّات الحديثة، والردّ على دعاوى الواقعية السياسيّة التي يتشبّث بها السياسيّون وأشباه السياسيين في العالَم الإسلاميّ.

لقد نخرت القوميّة في أصل وحدة العالَم الإسلاميّ وفعّاليّته ولا تزال، بل لقد صارت اليومَ أقرب إلى أن تكون الأمر الواقع الذي لا يستطيع تجاوُزَه على مستوى الفكر إلا من اهتدت بصيرتُه بهدي الإسلام الحقّ. وفي حين تتراجع القوميّة في معاقلها الغربيّة منذ عقودٍ من الزمن، يحاول القوميّون عندنا أن يجعلوا أيديولوجيّاتِهم القوميّة الإطار الوحيدة للرؤية الذي ليس وراءه إطارٌ في عالم السياسة والاجتماع، يُناقضون بذلك الروح الإسلاميّ لشعوبهم والواقع العالميّ المُعَولَم. بل إنّ القوميّة كانت ولا تزال، حتى من الناحية العملية المحضة، شرًّا على العالَم الإسلاميّ، لأنّ النسيج الوجدانيّ الكفيل ببناء المجتمع الفعّال ذي التعايُش ليس في مجتمعاتنا الإسلاميّة شيئًا غير القيم الإسلاميّة، ولا يمكنه أن يكون إلّا إيّاها، وقد أثبتت ذلك تجارب الحرب على الإسلام والكيدِ له منذ أوّل عهد الاستعمار إلى يوم الناس هذا.

إنّ عقودًا مريرةً من تاريخنا المعاصر أثبتت -لمن كان له عقل- أنّ القوميّة بضاعةٌ مستورَدة غير مُرحَّبٍ بها وترفٌ باهظ التكاليف، وأنّ الوحدة الإسلاميّة حقيقةٌ شعبية لا ينبغي طمسُها ولا يمكن. ولا تزال المحنُ تثبت -يومًا بعد يوم- أنّه لا حلّ حقيقيًّا للشعوب الاسلاميّة مع انقسامِها، وأنّ الوحدةَ الإسلامية التي يُرعب التفكير فيها أرباب السلطة في الغرب وأذنابَهم في العالَم الإسلاميّ شرطٌ لا مفرَّ منه للقوّة والتطوُّر.

رابعا: نقد الديمقراطية النيابية والاشتراكية

((في أيّ صورة بنيوية وفي أي قالبٍ سياسي ينبغي للنهضة الإسلامية اليوم أن تتشكّل؟ وهل تُوجَد صورةٌ معيّنةٌ من صُوَر المؤسسات والمجتمعات في الحضارة الغربية كالديمقراطية النيابية أو الرأسمالية أو الاشتراكية تصلح للمجتمع الإسلامي؟ وهل سيكون لزامًا على مجتمعنا أن يُتابع في مسيرته هذه الصُّوَر وأشباهَها؟))[14]

أجابَ كثيرٌ من المفكّرين العرب على هذا السؤال -نهايةَ القرن التاسع العشر ومطلع القرن العشرين- بحتميّة الديمقراطيّة النيابية، وقامت قائمةُ جماعاتٍ في بعض المجتمعات الإسلامية ولم تقعُد سعيًا وراء إقامة مجالس نوّاب يكون لها نصيبُها من الحُكم، ورأت أنّ ذلك هو الحلّ لما تعانيه المجتمعات الإسلاميّة من تأخُّر، لأنّها أخذت عن أساتذتها الغربيين دعوى أنّ الاستبداد هو أصل كلّ شرّ وجذر كلّ بلاء، وبالفعل أُنشئت مجالس للنوّاب في بعض البلاد العربية الكبرى، ولكنّ النهضة المأمولة لم تر النور، واتّضحَ لمن كان ذا بصيرةٍ أنّ المشكلة ليست سياسة بالمعنى الدستوري المؤسسي، وظلّ كثيرٌ من الناس غافلًا عن هذه الحقيقة، حتّى إنّ جموع الشعوب الإسلاميّة عادت إلى رفع عقائرها بهذه الدعوى في أيّامنا هذه.

على وقع خيبة أمل المُسلمين في الحلّ الدستوريّ قام فيهم منادُون يدّعون أنّهم اهتدوا إلى حلّ المشكلة، وأنّ التغيير الدستوريّ الشكليّ لم يكن إلا وهمًا، وإنّما تتمثّل الحقيقةُ التاريخية في صراع الطبقات وضرورة إقامة الدولة الاشتراكيّة واعتماد التخطيط والتوجيه، وأنّ الرأسمالية والإمبريالية هي أصل المشكلة، وليس لها من حلٍّ إلا الاشتراكيّة.

والحقيقةُ أنّ الاشتراكيين والشيوعيين العرب عمومًا كانوا أشبه بالتلاميذ الذين يُلقَّنون الأفكارَ من دون أدنى قدرةٍ على النقد، ليس فقط لأنّ التاريخ أثبت زيف النبوءة الماركسية، ولكن لأنّ ماركس نفسَه استثنى المجتمعات الشرقيّة من تحليله للرأسمالية واعتبرها أنظمةً إقطاعيّةً ذات نمط خاصّ (نمط الإنتاج الآسيويّ)، وكان فشلُه في تعميم نظرياته الاقتصادية على العالَم أجمع بيِّنًا منذ البداية.

إنّ حلّ المشاكل الاقتصادية والاجتماعية لا يتوقّف على طبيعة النظام الاجتماعي والاقتصاديّ بقدرِ ما يتوقّف على العمل، وليس النظام الحاكِم إلا منظِّمًا ومنشِّطا، إنّها قضيّة “قدرةٍ حضاريّة” بالأساس لا قضيّة شكلٍ يتخذه النظام الاقتصاديّ أو نمطٍ تُبنى عليه المشاريع الصناعية أو غيرُها، ولعلّ من المفيد هنا أن نُورد كلامًا لمالك بن نبي يقول فيه:

((إن التغيرات التي نشاهد نتائجها بعد مدة طويلة في عالم الاقتصاد، أحياناً، هي في جوهرها تغيرات حضارية تعتري القيم والأذواق والأخلاق في منعطفات التاريخ، فتتغير معالم الحياة بتحول الإنسان نفسه في إرادته واتجاهه عندما يدرك معنى جديدًا لوجوده في الكون.

وهذا التحول لا يؤثر في عالم الأشياء، ولا في المعقولات التي يتضمنها عالم الأفكار بوصفه أنماطاً تطبيقية (modalités opératoires)، أي لا يؤثر في عالم الاقتصاد بنوعيه -الشيء المصنوع والفكرة الدالة على طريقة صنعه- ما لم يؤثر في محتوى النفوس ذاتها، طبقاً للآية الكريمة: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (الرعد: 11).

ولو تدبر أهل الاختصاص في الاقتصاد من المسلمين هذه الآية، أدركوا أنها تضع هذه القضية وغيرها مما يخص أوضاع المجتمعات أولاً في مستوى تغيُّر مسوّغات الوجود في المجال النفسي، وفي كلمة واحدة وبصورة أوضح في المستوى الحضاري.

ولو تدبّروا أيضاً بعض الدراسات المتعمقة في البحث عن جذور الاقتصاد، لوصلوا إلى النتيجة النظرية نفسها، أي أن الاقتصاد ليس قضية إنشاء بنك وتشييد مصانع فحسب، بل هو قبل ذلك تشييد الإنسان وإنشاء سلوكه الجديد أمام كل المشكلات))[15]

هذه الرؤية التي يتشاركها بن نبي وعزت بيغوفيتش ومفكرون إسلاميون آخَرون نابعةٌ من وسطيّة الإسلام التي تحفظُ المُسلم الحقيقي من هَوَس الحتمية التاريخية أو الاقتصادية كما تمنعه من لامبالاة الرأسمالية وفرديّتها السلبيَّيْن، فالإسلام ينفتح على الاستفادة من التجارب الواقعيّة للنظم الاجتماعية المختلفة دون تعصُّبات، خصوصا ما أثبت منها نجاحَه في مسائل معيّنة، غير أنّه لا يتخذُها أنظمة أيديولوجية كاملةً ينغلق عليها، ولا تُغفِله نجاحاتُها عن عيوبِها، ولا تجاربُها عن خصوصيّة عقيدته الشاملة الكاملة ووضعه الحضاريّ التاريخيّ. إنّ ممّا يجب على المُسلمين في ما يخصّ مسألة النظام الاقتصاديّ هذه -في رأي عزت بيغوفيتش- الاجتهادَ في تطوير نظامٍ للعلاقات بين الملكيّة والإنتاج، وقد قدّم المفكّر الإسلاميّ محمد باقر الصدر في هذا المجال إسهامًا مُهمًّا لا يحسُن إغفالُه[16].

خاتمة

منهجُ الإسلام في إقامة الحكم الإسلامي مختلِفٌ إذًا عن منهج “الحزب السياسي”، الذي يجعلُ هدفَه الأكبر الوصول إلى السلطة ليرسُم السياساتِ العامةَ ويسيّر شؤون العامةِ كما يرى قادتُه. منهجُ الإسلام قائمٌ على الحركة الاجتماعية والتغيير الاجتماعي والثورة الدينية الاجتماعية، ويأتي التحكّم بالسلطة السياسية خطوةً لاحقةً ضروريةً في هذا المسار الاجتماعي، لها وقتُها المناسب ونضالُها الخاصّ.

وليس الإسلام أيضًا دعوةً قومية ولا هو يقبلُ الدعواتِ القوميّة، بل هو يؤسس فلسفةً سياسيةً تناقِضُ في العُمقِ فلسفةَ التيارات والأفكارِ القومية (الوطنية) الحديثة، ليبنيَ وحدةً سياسية وهوياتية تتجاوزُ حُدودَ العِرق واللغة والتاريخ والطبقة، كم يتجاوزُ عمقُ فلسفة السياسة في الإسلام الأفكارَ الليبرالية والاشتراكية لتنظيم الحياة السياسية.

[1] يعبّر عنه بن نبي بكلمة “بوليتيك” (Boulitique) الدارجة في المجتمع الجزائري منذ أواخِر عهد الاستعمار الفرنسيّ، وفي ذلك يقول:

((فعندما يرتفع الصخب في السوق، وتكثر حركات اليد واللسان، وعندما لا يسمع الشعب غير الحديث عن “الحقوق” دون أن يذكر بواجباته، وعندما يشرع بالطرق السهلة الناعمة، فتلك هي (البوليتيك).

لقد واجه ماركس في عهده صخبا كهذا في خصومة مع من سماهم “صانعي كيمياء المطالَبة”، ومن هنا يتضح لنا أن الصراع بين السياسة و”البوليتيك” قديم جدا، وإذا أردنا أن نحددهما من الوجهة النفسية قلنا إن الأولى استبطان القِيَم في حين الثانية قذف مجردٌ للكلمات.

والأولى محاولة تأمل في الصورة المثلى لخدمة الشعب، والثانية مجرد صرخات وحركات لمغالطة الشعب واستخدامه.

ومن الناحية الفنية فـ (البوليتيك) ليست مفهوما محددا، ولو لم يضع الشعب الجزائري هذه الكلمة، ما وجدنا كلمة لنعبر بها عنها)).

مالك بن نبي، بين الرشاد والتيه (دمشق: دار الفكر، 2002 (1978))، ص.98.

[2]  جاء في صحيح البخاري برقم 6943: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ، عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ، قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ فَقُلْنَا: أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلاَ تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: ((قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ، يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ، مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُون)).

[3]  علي عزت بيغوفيتش، الإعلان الإسلامي (ترجمة: محمد يوسف عدس) (القاهرة: مكتبة الإمام البخاري، 1430 /2009)، ص ص. 122-123.

[4] عزت بيغوفيتش، الإعلان الإسلامي، ص ص. 121-126.

[5] المرجع السابق، ص.126.

[6] عزت بيغوفيتش، الإعلان الإسلامي، ص.127.

[7] المرجع السابق، ص ص. 127-128.

[8] عزت بيغوفيتش، الإعلان الإسلامي، ص ص. 128-130.

[9] Roger Garaudy, Le message de l’Islam: Transcendance et Communauté (Alger: El Borhane, 2014 (1992)), p.11.

[10] انظر مثلًا لذلك اجتهاد مالك بن نبي -نهايةَ الخمسينات- في كتابه “فكرة كمنويلث إسلامي”:

مالك بن نبي، فكرة كمنويلث إسلامي (ترجمة: الطيّب الشريف) (دمشق: دار الفكر، ط2، 2000 (1960)).

[11] عزت بيغوفيتش، الإعلان الإسلاميّ، ص.130.

[12] المرجع السابق، ص.131.

[13] المكان نفسُه.

[14] عزت بيغوفيتش، الإعلان الإسلامي، ص.143.

[15] مالك بن نبي، المسلم في عالم الاقتصاد (دمشق: دار الفكر، ط3، 1987)، ص.59.

[16] محمد باقر الصدر، اقتصادُنا (خراسان: مكتب الإعلام الإسلامي، ط2، د ت.

اترك تعليقاً