أطعموا الطعام

د عادل الحمد 

9 شعبان 1441 هـ

بدأت آثار وباء (كورونا) تظهر في المجتمعات، ولعل من أبرزها تضرر طبقة من الناس في دخلهم المادي بسبب طبيعة عملهم الحر الذي يزاولونه، فكيف نعين هؤلاء؟

هناك عدة طرق لمساعدة هؤلاء المحتاجين نستلهمها من سيرة نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهديه، منها:

1) نشر ثقافة إطعام الطعام:

ثقافة إطعام الطعام من عادات العرب الجميلة التي أكد عليها الإسلام من بداية الدعوة، فجاء التوجيه النبوي للمسلمين بإطعام الطعام في أحاديث عدة، منها:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ». (رواه البخاري)

وأخبر عبدالله بن سلام عن أول ما سمعه من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما قدم المدينة، وهو قوله: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلامٍ». (رواه ابن ماجه)

وبين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن من بر الحج إطعام الطعام، فعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةَ» ، قَالَوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَا بِرُّ الْحَجُّ؟ قَالَ: «إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَإِفْشَاءُ السَّلامِ» (رواه أحمد)

بل أخبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن إطعام الطعام طريق إلى الجنة.

قَالَ: أَبُو شُرَيْحٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ يُوجِبُ لِيَ الْجَنَّةَ قَالَ: ((طِيبُ الكلام وبذل السلام وإطعام الطعام)). (رواه ابن حبان)

ومع إغلاق المطاعم في كثير من المجتمعات، أصبح تطبيق هذا الخلق الرفيع يحتاج إلى النقطة الثانية:

2) تعاهدوا جيرانكم:

تعاهد الجيران، هي وصية النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأبي ذر، حيث قال: «يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً، فَأَكْثِرْ مَاءَهَا، وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ». (رواه مسلم)

والطبخ في البيوت اليوم يحتاج إلى زيادة الكمية في المتيسر من الطعام، ثم مشاركة الجيران ببعضه.

والعجيب أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حث على زيادة الماء في المرقة، والتي عادة تطبخ بشيء من اللحم ونحوه، والسبب في زيادة الماء دون اللحم، أن الماء متيسر للجميع ولا يكلفهم شيئا، ولأن قطعة اللحم الواحدة ولو كانت صغيرة ستترك طعمها في الماء، فتكون الصدقة أو الهدية عبارة عن مرقة بطعم اللحم.

وقديما كان الناس في مجتمعاتنا يرسلون من طعامهم إلى جيرانهم، فتعاهدوا جيرانكم بارك الله فيكم وأحيوا هذا الخلق الجميل.

3)  يا ربة البيت لا تحتقري القليل:

قد تمتنع المرأة من إهداء الجيران بعض طعامها، إما لقلته، وإما لنوعه، فخصها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالتوجيه فقال: «يَا نِسَاءَ المُسْلِمَاتِ، لاَ تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ». (رواه البخاري)

وفرسن الشاة هي ما دون الرسغ من يد الشاة، وهي قليلة اللحم كثيرة العظم.

فلا تتركي الإطعام لاستصغارك لما عندك.

4) الجار ثم الجار ثم الجار:

للجار حق يختلف عن غيره من المسلمين، ومن عظم هذا الحق تكررت وصية جبريل للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالعناية بالجار، حتى قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ». (رواه البخاري)

وفي ظل هذه الظروف تذكر قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَيْسَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَشْبَعُ، وجارُه جَائِعٌ)). (رواه البخاري في الأدب المفرد)

5) المشاركة الجماعية في الزاد:

المشاركة الجماعية في الزاد خلق عظيم، قد أثنى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على قوم أبي موسى الأشعري لتخلقهم بذلك، فعَنْ أَبِي مُوسَى الاشعري رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ». (رواه البخاري)

إن هذا الخلق يولد المحبة بين الأسر والأقارب، ويطهر القلب من الغل والحسد، فتعاهد أهلك وأقاربك، وشاركهم ما أنعم الله به عليك.

وعلى أقل تقدير عندما تشتري من السوق خذ من الطعام على قدر حاجتك، واترك لغيرك نصيبا فهو إنسان مثلك.

6) الحث على الصدقة:

ومن الطرق التي استخدمها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مساعدة الفقراء حث الناس على الصدقة، وهو باب عظيم يجلب الخير للداعي وللممتثل، وهذه قصة عجيبة عظيمة تدل على ذلك:

عَنِ جَرِير رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَدْرِ النَّهَارِ، فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوِ الْعَبَاءِ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ[ [النساء: 1] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَالْآيَةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ: ]اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ[ [الحشر: 18] «تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ – حَتَّى قَالَ – وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ، حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَهَلَّلُ، كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ». (رواه مسلم)

قد لا يكون عندك من المال ما تنفقه على الفقراء، لكنك تستطيع حث الناس على ذلك، وتنال مثل أجر المتصدق.

7) أنتم من خيار الناس:

أخيرا إخواني وأخواتي، حفظكم الله ورعاكم، عد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القائم بمثل هذا العمل من خيار الناس فقال: «خِيَارُكُمْ مَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ» (الطبراني).

وتأمل مدح الله عز وجل لمن أطعم الطعام فقال:

وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا” [الإنسان: 8 – 13]

أسأل الله عز وجل أن يعيننا على إطعام الناس الطعام، وأن يتقبله منا، وأن يعلي درجاتنا في العليين، وأن يغفر لنا أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً