الحدث العالمي كورونا – أنت بين المتاع والزينة.

د عادل الحمد – الأمين المساعد لرابطة علماء المسلمين.

 

من فوائد وباء (كورونا) جلوس الرجل في بيته، واقترابه من زوجه وولده، وهذه نعمة من الله تحتاج إلى شكر واستثمار.

فالرجل بجلوسه في البيت، يتقلب بين نعمتين، المتاع والزينة، فكيف يستمتع بهما؟

لعل هذه الكلمات تعينك أيها الرجل في الاستمتاع بهاتين النعمتين.

أولا: المتاع: 

وصف ربنا الحياة الدنيا بأنها متاع، ثم بين لنا بما يتمتع الإنسان في الحياة، فقال سبحانه: “زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ” [آل عمران: 14]

قال ابن كثير رحمه الله: ((يُخْبِرُ تَعَالَى عَمَّا زُيِّن لِلنَّاسِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمَلَاذِ)). (تفسير ابن كثير 2/ 19)، فبدأ ربنا بذكر أهم ما زين للناس؛ المرأة، والبنون. فهذه من متع الحياة الدنيا.

وبين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أفضل متاع يتمتع به الرجل في الدنيا فقال: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ». (رواه مسلم)

فأفضل ما ينتفع به الإنسان في دنياه، ويتمتع به، الزوجة الصالحة.

فمن رزق زوجة صالحة تقية، تحفظ له غيبته، فهو منعم في الدنيا، إذا عرف كيف يستمتع بها.

فكيف تستمتع بزوجتك في الدنيا؟

هذه بعض الأمور التي يمكن من خلالها الاستمتاع بالزوجة في الدنيا:

1) اغمرها بحبك:

الحياة الزوجية مبناها على المودة والرحمة، والحب بالنسبة للمرأة شيء عظيم جدا، فهي تولي هذا الموضوع اهتماما كبيرا، وتحب أن يظهر هذا الحب من زوجها لها بأي صور من الصور.

وقد كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصرح بحبه لعائشة إذا سئل، وقد كان يبلغها ذلك، فعَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ أَنَّهُ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْكَ؟ قَالَ: ((عَائِشَةُ)). (رواه الترمذي)

وإذا أردنا أن نعرف ماذا يفعل الحب بالمرأة، فلنتأمل هذه القصة:

عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: دَخَلَ الْحَبَشَةُ الْمَسْجِدَ يَلْعَبُونَ فَقَالَ لِي: ((يَا حُمَيْرَاءُ أَتُحِبِّينَ أَنْ تَنْظُرِي إِلَيْهِمْ)). فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَامَ بِالْبَابِ وَجِئْتُهُ فَوَضَعْتُ ذَقَنِي عَلَى عَاتِقَهُ، فَأَسْنَدْتُ وَجْهِي إِلَى خَدِّهِ، قَالَتْ: وَمِنْ قَوْلِهِمْ يَوْمَئِذٍ: أَبَا الْقَاسِمِ طَيِّبًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((حَسْبُكِ))، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ لاَ تَعْجَلْ، فَقَامَ لِي، ثُمَّ قَالَ: ((حَسْبُكِ))، فَقُلْتُ: لاَ تَعْجَلْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَتْ: وَمَا لِي حُبُّ النَّظَرِ إِلَيْهِمْ، وَلَكِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ يَبْلُغَ النِّسَاءَ مَقَامُهُ لِي، وَمَكَانِي مِنْهُ. (رواه النسائي في السنن الكبرى).

فن المعاملة الزوجية في جملة الاستماع فن إذا طبقه الرجل كسب قلب المرأة.

وحسن الاستماع أن تصغي إلى ما تستمع إليه من غير أن تشغل قلبك، أو شيئا من جوارحك بغير ما تستمع إليه وتقبل عليه، إلى ما يعينك على فهم ذلك من الإقبال بعينك على من يحدث بذلك، أو تنظر في كتاب يشتمل على ذلك

2) استمع لها:

المرأة تحب من زوجها أن يستمع لها إذا تكلمت، ولعل من أجمل صور استماع الزوج لزوجته، ما وقع من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من استماعه لقصة أم زرع الطويلة، من زوجه عائشة رضي الله عنها. وقد أرفقته في رسالة أخرى مع المقال لطوله.

والاستماع فن إذا طبقه الرجل كسب قلب المرأة.

قَالَ عَطَاءُ بْن أَبِي رَبَاحٍ: إنَّ الشَّابَّ لَيُحَدِّثُنِي بِحَدِيثٍ فَأَسْتَمِعُ لَهُ كَأَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ، وَلَقَدْ سَمِعْته قَبْلَ أَنْ يُولَدَ.

وحسن الاستماع أن تصغي إلى ما تستمع إليه من غير أن تشغل قلبك، أو شيئا من جوارحك بغير ما تستمع إليه وتقبل عليه، إلى ما يعينك على فهم ذلك من الإقبال بعينك على من يحدث بذلك، أو تنظر في كتاب يشتمل على ذلك. (مقاصد الرعاية لحقوق الله عز وجل ص: 11)

وهذا يعني أن يترك الرجل الانشغال بالهاتف أثناء الحديث مع زوجته، ولا ينشغل كذلك بالنظر إلى القنوات الفضائية، أو غيرها.

3) قل لها كلمة طيبة:

حث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الكلمة الطيبة، وجعلها من أنواع الصدقة، فقال: «وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ)). (رواه مسلم).

والزوجة من أولى الناس بالكلمة الطيبة، وتأثر قلبها ونفسيتها بها كبير جدا.

قال ابن الملقن رحمه الله:”الكلام الطيب مندوب إليه، وهو من جليل أفعال البر؛ لأنه عليه السلام جعله كالصدقة بالمال، فوجه تشبيهه الكلمة الطيبة بالصدقة بالمال، هو أن الصدقة بالمال تحيا بها نفس المتصدق عليه ويفرح بها. والْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ يفرح بها المؤمن ويحسن موقعها من قلبه فأشبهتها من هذِه الجهة. ألا ترى أنها تذهب الشحناء وتجلي السخيمة، كما قال تعالى:”ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ” [فصلت:34]، وقد يكون هذا الدفع بالقول كما يكون بالفعل. (التوضيح لشرح الجامع الصحيح 28/ 333).

4) أدخل السرور على قلبها:

إدخال السرور على الزوجة من أحب الأعمال إلى الله، لأن الزوجة أقرب إليك من أي مسلم خارج دائرة الأسرة، وقد دل على هذا العمل العظيم قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهرا، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظا ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رضا يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام، وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل». (رواه الطبراني وابن أبي الدنيا). 

وقد اشتمل هذا الحديث على مجموعة أعمال صالحة، لو طبقها الرجل على زوجته لتغيرت حياته معها، وهي:

        • نفع الزوجة.
        • إدخال السرور عليها.
        • كشف كربتها.
        • قضاء دينها.
        • سد جوعتها.
        • المشي معها لقضاء حوائجها.
        • لا يغضب عليها.
        • يكف غضبه ولا يؤذيها.
        • مصاحبتها لإنجاز أعمالها حتى تنتهي.
        • حسن الخلق معها.

إذا كانت هذه الأعمال تقربك من الله إذا طبقتها مع عموم المسلمين، فكيف سيكون أجرها إذا طبقتها مع زوجتك.

فقد فضل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزوجة في الإحسان على غيرها من الناس، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَصَدَّقُوا» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي دِينَارٌ، قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ» قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتِكَ» قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ» قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ» قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: «أَنْتَ أَبْصَرُ».(رواه النسائي). 

فانظر كيف جعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزوجة بعد النفس في الإحسان، والعناية.

5) دع رعاية البيت لها. 

المرأة هي سيدة البيت، وهي المسؤولة عن رعايته، فلا تشغل نفسك بإدارتها له، وركز على دورك القيادي العام لإدارة الأسرة. فلكل واحد منكما مسؤوليته الخاصة.

فعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». (رواه البخاري).

فالوصية لك أيها الرجل الكريم: دع رعاية البيت للزوجة، واستمتع بالحياة معها.

 استثمار الحدث – دروس أسرية هامة  وجودك في البيت، هو فرصة للتمتع بالحياة مع أولادك، باللعب معهم، وتفقد أحوالهم، واستمطار عقولهم، والتعاون معهم على فعل الخيرات.

 

ثانيا: الزينة. 

قال تعالى: “الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا” [الكهف: 46]، فالآية تشير إلى أن الحياة الدنيا يزينها البنون، فمن رزق منهم شيئا فليزين بهم دنياه.

ووجودك في البيت، هو فرصة للتمتع بالحياة مع أولادك، باللعب معهم، وتفقد أحوالهم، واستمطار عقولهم، والتعاون معهم على فعل الخيرات.

أسأل الله أن يصلح لنا أزواجنا وذرياتنا، وأن يسكننا الفردوس الأعلى، ويلحق بنا ذرياتنا، والحمد لله رب العالمين.

د عادل الحمد – 10 شعبان 1441هـ. 

مركز المجدد للبحوث والدراسات. 

اترك تعليقاً