الحدث العالمي كورونا – حلاوة الصلاة في العزلة. 

د. عادل الحمد. 

الأمين المساعد لرابطة علماء المسلمين.

تقديم: 

الصلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، ولما منعت الصلاة في المساجد في كثير دول المسلمين بسبب انتشار وباء (كورونا)، تأثر المصلون، وبكوا بسبب حرمانهم من الصلاة في المساجد.

وما ذاك إلا لأن قلوبهم تعلقت بالمساجد، أسأل الله أن يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

إن للصلاة حلاوة يدركها المصلون، على تفاوت بينهم. واليوم قد عزلوا عن الصلاة في المساجد فتأثرت نفوسهم، فكيف يمكن أن نستثمر هذا العزل في التنعم بحلاوة الصلاة؟

وأقصد بالصلاة هنا الفروض الخمسة وما يلحقها من النوافل، أما قيام الليل فأنا على يقين أن من وجد حلاوة الصلاة في الخلوة، لن يبخل على نفسه بالتنعم بقيام الليل.

إن هذه العزلة أشبه ما تكون بالاختبار الذي يظهر لنا حقيقة تعلقنا بالصلاة، وكل إنسان أدرى بنفسه، وبأحواله مع الصلاة في بيته.

إن عوامل استثمار العزلة ظاهرة، فلا عمل، ولا مشاغل خارج المنزل، والوقت فيه متسع للقيام بأعمال كثيرة داخل المنزل، فلدينا الوقت الكافي الذي يمكننا أن نمنحه للصلاة.

ولكي نجد حلاوة الصلاة لابد أن نسير على طريقة نبينا الكريم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في تعامله مع الصلاة.

ولعلنا نتأمل في خمسة أمور من وجدها في نفسه وجد حلاوة الصلاة، ومن شعر بتقصير في بعضها استدرك الأمر فترة بقائه في البيت، قبل العودة إلى المساجد. ونسأل الله أن يعيننا على إصلاح ما قصرنا فيه.

أولًا: قرة عيني في الصلاة:

بلغت منزلة الصلاة عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن عبر عنها بقوله: ((وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ)). (رواه أحمد)

قال ابن حجر رحمه الله: ((وَمَنْ كَانَتْ قُرَّةُ عَيْنِهِ فِي شَيْءٍ فَإِنَّهُ يَوَدُّ أَنْ لَا يُفَارِقَهُ، وَلَا يَخْرُجَ مِنْهُ، لِأَنَّ فِيهِ نَعِيمَهُ، وَبِهِ تَطِيبُ حَيَاتُهُ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ لِلْعَابِدِ بِالْمُصَابَرَةِ عَلَى النَّصَبِ، فَإِنَّ السَّالِكَ غَرَضُ الْآفَاتِ وَالْفُتُورِ)). (فتح الباري 11/ 345)

وهذه المنزلة العظيمة تحتاج إلى مجاهدة النفس، وتحتاج إلى صبر.

وهنا معلومة جميلة ذكرها المروزي رحمه الله، وهي بيان مكانة الصلاة عند الله عز وجل، قال: ((وَلَوْ لَمْ يَسْتَدِلَّ الْمُؤْمِنُ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ إِلَّا بِمَا أَلْزَمَ قَلْبَ حَبِيبِهِ الْمُصْطَفَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حُبِّ الصَّلَاةِ، وَجَعْلِ قُرَّةِ عَيْنِهِ فِيهَا دُونَ سَائِرِ الْأَعْمَالِ كُلِّهَا، وَإِنْ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحِبًّا لِجَمِيعِ الطَّاعَاتِ، وَلَكِنَّهُ خَصَّ الصَّلَاةَ فَأَخْبَرَ أَنَّ قُرَّةَ عَيْنِهِ جُعِلَ فِي الصَّلَاةِ لِرَبِّهِ، لَكَفَاهُ بِذَلِكَ دَلِيلًا)). (تعظيم قدر الصلاة 1/ 331)

فاستشعارنا بأن الصلاة هي أحب الأعمال إلى الله يجعلنا نعتني بها أشد العناية.

 

ثانيا: أرحنا بالصلاة:

قد ينظر البعض إلى الصلاة على أنها شاقة على النفس، وخاصة صلاة الفجر في الليالي الباردة.

ولكن الوضع يختلف عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن سار على نهجه، فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعتبر الصلاة راحة للنفس والجسد، بعد تعب الحياة ومشقتها.

وهذه قصة تبين كيف فهم الصحابة معنى الراحة في الصلاة. فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى صِهْرٍ لَنَا مِنَ الْأَنْصَارِ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَقَالَ: يَا جَارِيَةُ ائْتِنِي بِوَضُوءٍ لَعَلِّي أُصَلِّي، فَأَسْتَرِيحَ، فَرَآنَا أَنْكَرْنَا ذَاكَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((قُمْ يَا بِلالُ، فَأَرِحْنَا بِالصَّلاةِ)). (رواه أحمد)

قال ابن رسلان رحمه الله: ((كان اشتغاله صلى اللَّه عليه وسلم بالصلاة راحة له، فإنه يعد غيرها من الأعمال البدنية تعبًا، ويعدها راحة؛ لما فيها من طيب مناجاة اللَّه تعالى، ولذة خطابه بالتلاوة، ولهذا قال: “وجعلت قرة عيني في الصلاة” فما أقرب الراحة من قرة العين، فمن امتلأ قلبه بالأذان والدخول في الصلاة فرحًا واستبشارًا، وكان مسجونًا بالرغبة إلى المبادرة إليها، فليتحقق أنه يكون كذلك فرحًا مستبشرًا إذا سمع النداء للعرض على رب العالمين، والقيام بين يديه للمحاسبة على أعماله وأقواله، وأنه يكون من الفائزين في ذلك اليوم)). (شرح سنن أبي داود 19/ 125).

فهل بلغنا أن نصلي لنرتاح بها، أو أننا نصلي لنرتاح منها؟

يمكننا أن نعرف الإجابة من خلال طريقة أدائنا للصلاة.

فالسرعة في الصلاة، والقيام المباشر بعد السلام، وترك الأذكار بعد الصلاة، وإهمال النوافل، كل هذه التصرفات لا تدل على أن الصلاة راحة لنا.

إضاءة للقلوب  إن الآفة التي تفقدنا بعض حلاوة الصلاة هي قيامنا بأعمالنا الخاصة والحياتية وخدمة الأهل بعد أن ينادينا المنادي للصلاة، فنأتي إلى الصلاة وقلوبنا منشغلة بما كنا فيه من العمل، فلا يصفوا القلب للصلاة.

ثالثا: إذا سمع الأذان قام للصلاة:

الأمر الثالث الذي يجعلنا نستشعر حلاوة الصلاة، هو مدى مسارعتنا للصلاة عند سماع الأذان.

أما النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد بينت عائشة رضي الله عنها كيف كان يتصرف إذا سمع الأذان، وهو منشغل بخدمة اهل بيته، فقالت: ((كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ – تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ – فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ)). (رواه البخاري)

قال ابن علان رحمه الله: ((أي مبادراً لأدائها تحريضاً على فعلها أول وقتها الذي جاء في الصحيح أنه أفضل الأعمال)). (دليل الفالحين 5/57)

هذه المسارعة إلى الصلاة تبين لنا منزلة الصلاة في قلوبنا.

إن الذين يسارعون إلى الصلاة هم الذين يدركون الصف الأول، وتكبيرة الإحرام مع الإمام، وهذه المسارعة هي نوع من الاختبار على مستوى الإيمان عند المصلي، فقد قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ صَلَّى لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا في جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ)). (رواه الترمذي)

 إن الآفة التي تفقدنا بعض حلاوة الصلاة هي قيامنا بأعمالنا الخاصة والحياتية وخدمة الأهل بعد أن ينادينا المنادي للصلاة، فنأتي إلى الصلاة وقلوبنا منشغلة بما كنا فيه من العمل، فلا يصفوا القلب للصلاة.

رابعا: لذة مناجاة الله في السجود:

من الأمور العظيمة التي تجعل الإنسان يجد حلاوة الصلاة، مناجاة الله في السجود، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ)). (رواه مسلم)

قال النووي رحمه الله: ((وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ]وَاسْجُدْ واقترب[، وَلِأَنَّ السُّجُودَ غَايَةُ التَّوَاضُعِ وَالْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَفِيهِ تَمْكِينُ أَعَزِّ أَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ وَأَعْلَاهَا؛ وَهُوَ وَجْهُهُ، مِنَ التُّرَابِ الَّذِي يُدَاسُ وَيُمْتَهَنُ)). (شرح النووي على مسلم 4/ 206)

وقال ابن حجر رحمه الله: ((وَالْأَمْرُ بِإِكْثَارِ الدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ يَشْمَلُ الْحَثَّ عَلَى تَكْثِيرِ الطَّلَبَ لِكُلِّ حَاجَةٍ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: ((لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا حَتَّى شِسْعَ نَعْلِهِ))، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَيَشْمَلُ التَّكْرَارَ لِلسُّؤَالِ الْوَاحِدِ، وَالِاسْتِجَابَةُ تَشْمَلُ اسْتِجَابَةَ الدَّاعِي بِإِعْطَاءِ سُؤْلِهِ، وَاسْتِجَابَةَ الْمُثْنِي بِتَعْظِيمِ ثَوَابِهِ)). (فتح الباري 2/ 300)

فما هو حالك مع السجود؟

الصلاة وخشوع القلوب أما قراءة قصار السور بشكل آلي حتى أن المصلي لا يذكر ماذا قرأ، فإن هذا ينافي الخشوع في الصلاة، ويشعرك أن القلب في واد والصلاة في واد آخر.

خامسا: إطالة القيام في الصلاة:

الأمر الخامس الدال على محبتنا للصلاة، وارتياحنا فيها، هو طول القراءة في الصلاة.

وهذه الإطالة تجعل المصلي يراجع حفظه في الصلاة، وينوع في القراءة.

أما قراءة قصار السور بشكل آلي حتى أن المصلي لا يذكر ماذا قرأ، فإن هذا ينافي الخشوع في الصلاة، ويشعرك أن القلب في واد والصلاة في واد آخر.

وقد بين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تأثير طول القراءة في الصلاة بقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْضَلُ الصَّلاةِ طُولُ الْقُنُوتِ». (رواه مسلم)

قال ابن الملقن رحمه الله: ((الأفضل من الصلوات ما أطلت فيه القراءة، ولا يكون ذَلِكَ إلا بالجمع بين السور الكثيرة في ركعة، وقد فعل ذَلِكَ الصحابة والتابعون)). (التوضيح لشرح الجامع الصحيح 7/ 109).

فهذه خمسة أمور يمكن للمصلي أن يقيس مستوى الصلاة في نفسه من خلالها.

أسأل الله أن يجعل قرة أعيننا في الصلاة، وأن يتقبلها منا، وأن يرفع بها درجاتنا في جنات النعيم. والحمد لله رب العالمين.

د. عادل الحمد. 7 شعبان 1441هـ.

 

مركز المجدد للبحوث والدراسات. 

One Comment

اترك تعليقاً