كورونا … زحف الدكتاتورية الأنيقة!

د- صلاح عثمان.

أستاذ المنطق وفلسفة العلم، رئيس قسم الفلسفة بكلية الآداب – جامعة المنوفية- مصر.

الصين كما رأيتها …. الديكتاتورية الأنيقة.

زُرت الصين في أوائل ديسمبر الماضي للمشاركة في مؤتمرٍ علمي، وقضيت بضعة أيام في مقاطعة ووهان قبل أقل من شهرٍ تقريبًا من اندلاع أزمة كورونا. حملت معي (كعادتي في كل رحلة خارج الوطن) دفتر يومياتي لأدون ملاحظاتي عن بلدٍ أزوره لأول مرة، مدفوعًا بشغف المقارنة بين بلدين يجمعهما دفء الاقتصاد وتُفرقهما برودة السياسة؛ الأولى هي الصين بكل ما لها من ثقل تجاري وتاريخٍ قمعي، والثانية هي اليابان (التي زرتها منذ بضعة سنوات لإلقاء محاضرة عامة) بكل ما بها من ارتقاءٍ حضاري وتسامحٍ سياسي وديني! وبعد رحلة سفر طويلة ومُرهقة استقر بي المقام في إحدى غُرف فندق يانيان Yannian بوسط مدينة تشانجشا Changsha، وكانت أول عبارة دونتها في دفتري ليلة الوصول: «الصين … الدكتاتورية الأنيقة»!

دولةٌ تُمثل قارةً متفردة في ذاتها من حيث المساحة والمُناخ والتنوع الطبيعي والثقافي، يقترب عدد سُكانها من المليار ونصف المليار نسمة، مزدحمة الشوارع بشكلٍ لم أره في أية دولة زرتها من قبل، ماكينة العمل فيها لا تتوقف، تموج بالحركة في نهارها وليلها. ورغم كثافة عدد سُكانها، وسلوكيات شعبها (على مستوى الشارع) غير المتسقة مع رُقيها الاقتصادي وتقدمها العلمي، سواء من حيث مُعاملة الغُرباء أو التشدد الديني والنظرة شبه العدائية لمُعتنقي الديانات الأخرى، أو طُرق تناول الطعام ونوعياته التي تبث رائحةً كريهة تحملها نسمات الهواء إلى كل مكان، وتستطيع ملاحظتها بمجرد أن تطأ قدماك مطار كوانزو … ورغم كونها دولة منعزلة عن العالم إلكترونيًا، مُكتفية بتطبيقات خاصة بها للإنترنت والهواتف المحمولة، فلا واتس آب، ولا فيسبوك، ولا تويتر، ولا جوجل … إلخ، ورغم أن شعبها لا يتحدث أية لغة بخلاف الصينية حتى في أماكن الخدمات والمناطق السياحية التي تستلزم على الأقل لغةً أخرى كالإنجليزية … رغم ذلك كله إلا أن السمة السائدة، والتي تستطيع رصدها بسهولة، هي النظام، وهو ليس سلوكًا طوعيًا، بل إجباريًا محكومًا بشبكة تكنولوجية هائلة تُشبه أذرع أخطبوط ضخم يُمسك البلاد والعباد بإحكامٍ وقسوة!

الصين في عيون مسافريها:

رغم ذلك كله إلا أن السمة السائدة، والتي تستطيع رصدها بسهولة، هي النظام، وهو ليس سلوكًا طوعيًا، بل إجباريًا محكومًا بشبكة تكنولوجية هائلة تُشبه أذرع أخطبوط ضخم يُمسك البلاد والعباد بإحكامٍ وقسوة!

 

الصين ما بين قبضة التنظيم ووباء كورونا.

قد تقف في طابورٍ ممتد لعشرات الأمتار في المطار أو في محطة السكك الحديدية أو أمام مَعلمٍ سياحي تود زيارته، لكنه يتحرك كالآلة، بانتظام وسرعة تثير التأمل والدهشة، لا يحيد أحدهم، ولا يُنازع، ولا يُراوغ، ولو فعل فأجهزة المراقبة له بالمرصاد! وقد ترغب في شراء شيء من متجر مزدحم، لكنك تُنجز المهمة في سهولة ويُسر من خلال نظام الدفع الإلكتروني باستخدام تطبيقات الهاتف، فلا أوراق نقدية تُثير الشك، ولا انتظار طويل أمام منفذ السداد! ومع ذلك، فالدولة التي تحكم شعبها بالحديد والنار، تُوفر له كل شيء: تعليم جيد، علاج مميز، برامج للتجارة والاستثمار، ترفيه مجاني بالمتاحف والحدائق المنتشرة عبر ربوع الصين!

لذا لم يكن غريبًا أن تتمكن الصين من التصدي لوباء كورونا بتلك الصورة التي أثارت دهشة العالم، وعجزت عنها أعتى دُول الغرب، بل وباتت هذه الأخيرة تطلب الخبرة الصينية لتجاوزها! لكن مهلاً، فلئن كان تفشى فيروس «كوفيد 19» بمثابة لعنة للاقتصاد الصيني بإمكانه التعافي منها، إلا أنه بات أيضًا بمثابة طلقة إضافية في خزانة سلاح المراقبة المجتمعية المتشددة، ليس فقط في الدولة الصينية ذات التاريخ القمعي الطويل، وإنما على امتداد دول العالم التي أدركت في الأزمة الحالية فضائل حُجة المراقبة الصحية والهيمنة الشمولية … وهل يهدأ للسياسة بال إزاء عقولٍ ينتابها الحُلم أحيانًا بفراديس الحرية الغائبة؟

يقول «فرانسيس لي» Francis Lee:  وهو أستاذ بكلية الصحافة والاتصالات في الجامعة الصينية بهونج كونج Chinese University of Hong Kong لشبكة CNBC: «عندما نتحدث عن أنظمة المراقبة الصينية حاليًا، يجب أن نُدرك هدفيها الرئيسين: مراقبة الصحة العامة من جهة، والحفاظ على الهيمنة السياسية من جهة أخرى. وبمجرد النجاح في السيطرة على تفشي المرض، لن تتخلى الحكومة عما اكتسبته من سلطات الجديدة، بل ستستخدم حُجة كورونا لتعزيز قدراتها على المراقبة الجماعية»!

آراء وتحليلات مفكرين: 

يقول «فرانسيس لي» Francis Lee: 

عندما نتحدث عن أنظمة المراقبة الصينية حاليًا، يجب أن نُدرك هدفيها الرئيسين: مراقبة الصحة العامة من جهة، والحفاظ على الهيمنة السياسية من جهة أخرى. وبمجرد النجاح في السيطرة على تفشي المرض، لن تتخلى الحكومة عما اكتسبته من سلطات الجديدة، بل ستستخدم حُجة كورونا لتعزيز قدراتها على المراقبة الجماعية»!

الصين والقبضة التكنولوجيا في مواجهة كورونا.

لقد بنى الحزب الشيوعي الصيني عبر تاريخه دولة مراقبة صارمة ذات أساليب مختلفة، ومع تقدم تقنيات الذكاء الاصطناعي وعتاد الحاسوب وبرمجياته، استثمرت الصين طرقًا فعالة بشكل متزايد لتتبع وتعقب مواطنيها في أضيق حارات بكين أو شنغهاي أو غيرها، بما في ذلك تقنيات التعرف على الوجه، والمراقبة باستخدام الطائرات المُسيَّرة عن بُعد، ورموز الاستجابة السريعة، وروبوتات المهام الدقيقة.

على سبيل المثال، نشرت صحيفة جلوبال تايمز Global Times الصينية – المدعومة من الدولة – مقطع فيديو على Twitter يُظهر طائرة بدون طيار مزودة بكاميرا لتعقب أولئك الذين لا يلتزمون بارتداء القناع الطبي. كما استعانت الحكومة الصينية أيضًا بعمالقة التكنولوجيا مثل شركة «تينسنت» Tencent، مالكة تطبيق المراسلة الشهير «وي تشات» WeChat (برنامج تواصل اجتماعي صيني للمراسلة الحرة والتجارة وخدمات الدفع، صدر سنة 2011، ويوصف بأنه أقوى التطبيقات في العالم، ويستخدمه أكثر من مليار شخص). ومجموعة «علي بابا» Alibaba (التي تدير منصة «علي باي» Alipay للدفع عن طريق الإنترنت والهاتف المحمول)، بهدف استخدام أرقام الهوية ID numbers ورموز الاستجابة السريعة QR codes لتتبع المستخدمين وإخبارهم بما إذا كانوا في حاجة إلى الحجر الصحي، أو بأن لهم حرية التنقل. كما تم استخدام هذه الرموز لإبلاغ الناس في المباني عن التحركات الأخيرة لأي الشخص يلتقونه في مكاتبهم أو بيوتهم!


من جهة أخرى، وفرت شبكات الهاتف المحمول في الصين ميزات للتتبع عن طريق الهاتف، حيث تطلب شركتا «تشاينا يونيكوم» China Unicom (شركة الصين المتحدة لشبكات الاتصالات المحدودة)، وهي رابع أكبر مزود لخدمات الهاتف المحمول في العالم، و«تشاينا تيليكوم» China Telecom (شركة الصين للاتصالات السلكية واللاسلكية) من كل مستخدم إدخال الأرقام الأخيرة من رقم الهوية أو رقم جواز السفر، ومن خلالها يتم تتبع المكان الذي يحل به أي شخص وإبلاغ المحيطين به بحالته الصحية لتوخي الحذر!

كذلك طرح عمالقة الذكاء الاصطناعي في الصين بعض أخطر أجهزة المراقبة المستحدثة، ففي فبراير الماضي أعلنت شركة «ميجفي» Megvii (وهي شركة تكنولوجيا صينية تُطور برامج التعرف على الوجه والتعلم العميق) أنها طوَّرت أداة (سُوار بيولوجي للمعصم) للتحقق من درجة حرارة الشخص في أي مكان، إذ بإمكانها الكشف عن درجة حرارة الجسم غير الطبيعية وقياس درجة الحرارة ومعدل نبضات القلب وضغط الدم، وتنبيه السلطات التي يمكنها بعد ذلك إخضاع هذا الشخص للفحص، وعلى الخُطى ذاتها تسير شركة «سنس تايم» Sensetime (وهي شركة صينية أخرى تعمل بالذكاء الاصطناعي)!

رؤية فلسفية من واقع حكم الدول:

فلئن كنت تراقبني حين أتصفح موقعًا بعينه فسوف تعرف شيئًا عن ميولي السياسية، لكن إن كنت تراقب حرارة جسمي ومعدل ضربات قلبي أثناء مشاهدة فيديو مثلاً، فسوف تعرف ما الذي يجعلني أضحك أو أبكي أو أغضب!

تخيل مثلاً دولة شمولية استبدادية ككوريا الشمالية سنة 2030، عندما يُضطر كل مواطن إلى ارتداء السوار البيولوجي على مدار اليوم، والتقط السوار علامة الغضب وقت استماع أحدهم لخطاب الزعيم!

 

الخلاصة والرؤية والعبرة.

كل ذلك يدفعنا إلى الزعم بأن شعوب المستقبل القريب قد تُواجه حكومات تُلزم كل مواطن بارتداء سُوار بيولوجي يُراقب درجة حرارة الجسم ومعدل ضربات القلب على مدار اليوم، ومن ثم تجميع البيانات وتحليليها بواسطة الخوارزميات الحاسوبية، لتغدو الحكومة على دراية بأنك مريض حتى قبل أن تعرف أنت، وتعرف بالضرورة مكانك ومن قابلت بحُجة قطع سلاسل العدوى. قد يكون هذا جانبًا إيجابيًا بالنسبة للنظم الطبية، لكن جانبه السلبي يتمثل في منح الشرعية لنظام مراقبة جديد مُرعب؛

فلئن كنت تراقبني حين أتصفح موقعًا بعينه فسوف تعرف شيئًا عن ميولي السياسية، لكن إن كنت تراقب حرارة جسمي ومعدل ضربات قلبي أثناء مشاهدة فيديو مثلاً، فسوف تعرف ما الذي يجعلني أضحك أو أبكي أو أغضب!

تخيل مثلاً دولة شمولية استبدادية ككوريا الشمالية سنة 2030، عندما يُضطر كل مواطن إلى ارتداء السوار البيولوجي على مدار اليوم، والتقط السوار علامة الغضب وقت استماع أحدهم لخطاب الزعيم!

تشير «مايا وانغ» Maya Wang (وهي باحثة في هيومن رايتس ووتش HRW في الصين) في حديثها لشبكة CNBC إلى أن أولمبياد بكين Beijing Olympics سنة 2008 قد منح الحكومة الصينية فرصة كُبرى لتطوير نظام المراقبة الجماعية بحُجة «الحفاظ على الاستقرار»، وهو تعبير مُلطف للسيطرة السياسية، وكرَّس الحزب الشيوعي الصيني موارد هائلة للوكالات الأمنية لمراقبة المنشقين، والقضاء على الاحتجاجات، وفرض الرقابة على الإنترنت. ولا شك أن شيئًا مشابهًا قد يحدث بعد انتهاء جائحة فيروس كورونا.

تُضيف «وانغ» أنه بمجرد نجاح هذه الأنظمة خلال الأزمة، فسوف يعمل المشاركون في تطويرها -خاصة الشركات الكبرى – على توسيع نطاق استخدامها محليًا ودوليًا، وهي ظاهرة تعرف باسم «زحف المهمة» Mission Creep (بمعنى التوسع التدريجي للعمل أو المشروع بما يتجاوز نطاقه أو أهدافه الأصلية، وهو تأثير ناتج عن نجاحه).

الكابوس يتضخم، والنهر يزداد اتساعًا، وكرة الثلج تنمو بسرعة، وقد نجد أنفسنا يومًا – إن نجونا – أمام عالمٍ جديد تغشانا فيه قيود قد برع العقل العلمي في تطويرها، في أشد لحظات تجليه وإبداعه … وخضوعه لولاة الأمر!

مصطلحات معرفية:زحف المهمة» Mission Creep:

التوسع التدريجي للعمل أو المشروع بما يتجاوز نطاقه أو أهدافه الأصلية، وهو تأثير ناتج عن نجاح. 

مركز المجدد للبحوث والدراسات. 

اترك تعليقاً