قراءة في الفكر السياسي الإسلامي لعلي عزت بيغوفيتش

الثنائيّة الحديّة للفكر البشريّ ووسطيةُ الإسلام (1)

عبد القدوس سماتي: باحث في الفكر السياسي – الجزائر

 

مقـدّمة وتساؤلات. 

لِمَ تعيش المجتمعات المُسلمة التخلُّف والضعف والهوان؟

ما محلّ الإسلام من عالَم اليوم وما دور المُسلِم فيه؟

هل قِيَمُ الحداثةِ ونُظُمُها السياسيةُ المروَّجةُ اليومَ في العالَم أجمعَ مقبولةٌ في الإسلام ولا ينقص المسلمين إلا القيام لها وبها؟

هل يحتاج المسلمون إلى “فكر إسلاميّ” من أجل يحققوا رؤيتَهم في الحياة؟

ما الذي يجب أن يقومَ به المُسلمون في مجتمعاتِهم؟ وما الذي يجب أن تكون عليه سياستُهم وكيف يصِلون إليه؟

أجوبةُ هذه الأسئلةِ وما وافقَها في المضمون أو قارَبَها كفيلٌ بإخراج المجتمعات الإسلامية اليوم من وحل انعدام الرؤية الذي غاصت فيه إلى الركب، حتّى صار أهلُها -كما قال الإمام عليّ رضي الله عنه يومًا- همجًا رعاعًا أتباعَ كلّ ناعق يميلون مع كلّ ريح.

ولقد تصدّى للجوابِ عن أمثال هذه الأسئلة عددٌ من العقول المسلمة التي آتاها اللهُ باعًا في المعرفة بالإسلام وبواقع الناس اليوم، وقدّمَ كلّ واحدٍ منها ما فتح الله عليه به، وكان منهم الفيلسوف الإسلاميّ رئيس البوسنة والهرسك وقائد مجاهديها، علي عزت بيغوفيتش -رحمه الله-.

فكيف أجابَ علي عزت بيغوفيتش عن هذه الأسئلة؟ وباختصار: فيمَ تمثّل فكرُه السياسي؟

غير أنّا -قبلَ أن نمضيَ في محاولة إجابة هذا السؤال قدُمًا– يجب أن نستحضرَ الحقيقةَ التالية: لقد ترافق الغوصُ الفكري والنضال السياسي في حياة علي عزت بيغوفيتش منذ أوّل شبابِه، فالشاب ذو العقل النفّاذ الذي قرأ تراثَ كبار الفلاسفة الأوربيين (مثل كانط وبرغسون وشبنغلر، بشهادته هو) ولمّا يبلغِ الثامنة عشرة من عُمُره، وأخذَ يقارِن بينَه وبينَ فلسفة الإنسان والتشريع في الإسلام، هو الشاب عينُه الذي دخل السجنَ أوّلَ مرةٍ وهو في الحادية والعشرين بسبب نضاله السياسيّ في جمعية “الشبان المسلمين إبّانَ الحرب العالمية الثانية وبعدَها. ومن يُجِلْ نظَرَه في نضالِ الرجل وفكرِه السياسيَّيْنِ وفي إسهامِه الفلسفيّ يجدْ ذينِكَ قد تأسَّسَا على هذا. من أجل ذلك جاء الجزءُ الأوّل من هذا البحث عَرضًا مقتضَبًا وتلخيصًا شديدًا لفلسفة الرجل التي ضمّنَها كتابَه الفذّ “الإسلام بين الشرق والغرب”، ليُدرَك مِن ذلك عُمقُ فكره السياسي وأسُسُه.

 

الثنائيّة الحديّة للفكر البشريّ ووسطيةُ الإسلام.

حين كان معظم الناس في هذا العالَم مُستقطَبين بين الأيديولوجيتين الكبريين إبّان الحرب الباردة، الليبرالية والاشتراكية، مأخُوذِين إلى هذه أو إلى تلك ينسجون على منوالها في واقعهم وفي أحلامهم، كان قلةٌ من المفكّرين قد نفذوا إلى مستويات أعمقَ من ذلك في فهم الظاهرة البشرية والاجتماعية. نعم، لم يكن كثيرٌ من الناس يُلقون إليهم أسماعَهم لِمَا انشغلوا به من صَخب الصراع الأيديولوجي بين المعسكرين الشرقي والغربي آنذاك، لكنّ انقضاءَ ذلك الصراع أفسح المجالَ لهؤلاء المفكّرين الذين سبقوا عصرَهم -بالنسبة إلى عموم الناس- كي يُرى الواقعُ في أفكارهم وتُطلَب الحقيقة على هدْيِ رُؤاهُم، لولا قبضةٌ من الإسفاف المعرفيّ والحياتيّ والاستتباع المنهجيّ والفلسفيّ سلّم إليها كثيرٌ من مفكّري الشعوب المقهورةِ وغير المقهورة أزِمّةَ عقولهم وخُطُمَها.

كان علي عزت بيغوفيتش (1925-2003مالمواطن اليوغسلافيّ على عهد جوزيف بروس تيتو، ورئيس جمهورية البوسنة والهرسك وقائد جهادِها بعد ذلك، أحدَ تلك العقول التي لم يستطع سراب الأيديولوجيتين المدعومتين بقوّة الأفكار والرجال والسلاح والمال أن يخدَعها. بل لقد جمع أطرافَ الصراعِ الإنسانيّ العميق الذي عاشَه في الغرب وانغمس في البحث عن جُذُوره في الماضي الإنسانيّ البعيد، فانتهى من ذلك إلى مُعضلةٍ كبرى لم يجِد لها حلًّا إلا في منظومةٍ تتجاوزُ -على مستوى الحياة كاملةً لا الفلسفة وحدَها- كلَّ ما عرفَه الغربُ في الفكر وتطبيقاته، ولم يكن هذا الحلّ شيئًا غيرَ الإسلام.

كتابُ علي عزت بيغوفيتش “الإسلام بين الشرق والغرب” هو دعوةٌ للغرب، على مستويَي الفِكر والممارسة، إلى فضاءٍ أرحبَ وَسَطٍ بين تناقضاتِه التي ما انفكّ يُطحَن بينها ويَطحنُ معه فيها سائر شعوب العالَم في هذا العصر، إنّها دعوةٌ إلى الانعتاق من مثاليّاتِه المنحطّة إلى واقعيّة الإسلام المتعالية، ومِن أحاديّته اللاإنسانية إلى ثنائية الإسلام التي لا اعتراف بحقيقة الإنسان إلا بها.

أوّلًا: قراءتان للكون متقابلتان (الماديّة والدين)

يتمثّل محور فكر عزت بيغوفيتش في كتابه الأهمّ “الإسلام بين الشرق والغرب” في المقارنة بين الاتجاهين الجوهريين اللذين لا ثالث لهما للفكر البشريّ منذ القديم، ويرتكز استدلاله وتحليله على الفكر الغربيّ عمومًا لأنّه المخاطَب الأوّل بكتاب عزت بيغوفيتش، كما يصرّح هو نفسُه.

يرجع مجمل الفكر البشريّ من حيث الأصل إلى اتجاهين رئيسين أو مصفوفتين كُبرَيَيْن، بإمكاننا أن نسمّي إحداهما “الماديّة” والأخرى “الدين”. فما هي المادية في فكره؟ 

فالماديّة لا تقع عينُها من الوجود إلا على ما هو ماديّ، ثمّ تحاول أن تفسّر الإنسان وترسُم له الحياة المُثلى بالاحتكام إلى هذا الأصل الماديّ وحدَه. وتقع تحت هذه المصفوفة أفكار كثيرة منها التقدّم أو التطوُّر والحضارة والطوبيا (Utopia) والاشتراكية والموضوعيّة والكمّ والقوّة وغيرُها.

بالمقابل، يتجاوز الدين المجرَّد كلّ ما هو ماديّ ليستقرّ في الخلود والمتجاوِز والفرديّة المطلقة والإله، وتعبّر عنه الثقافة والذاتيّة والكيف والواجب…الخ.

إضاءات فكرية: الإنسان والتغلب على التناقض:

 

((هل يستطيع الإنسانُ التغلُّبَ على هذا التناقض: إمّا هذا وإمّا ذاك، إمّا السماء وإمّا الأرض، أم أنّ الإنسان محكوم عليه أن يظلّ مشدودا إلى الأبد بين الاثنين؟ هل هناك وسيلة ما يمكن بواسطتها للعلم أن يخدم الدين والصحة والتقوى والتقدُّم والإنسانية؟ هل يمكن لطوبيا مملكة الأرض أن يسكنَها أناسٌ بدلًا من أفراد مجهولي الهويّة بلا وجوه، وأن تتمتع بملامح “مملكة الله” على الأرض؟))[1]


هاتان المصفوفتان أو الفكرتان الأوّليّتان لا يمكن أن يُجمَع بينهما جمعًا مَرْضِيًّا على المستوى الفلسفي النظري، وهذا ما دفع الغرب إلى محاولات مستمرة لنفي أحد الجانبين، وهو ما نتجت عنه الإخفاقات البشريّة المتتالية في رأي عزت بيغوفيتش؛ ذلك أنّ الفلسفة لا تحكم على الحياة في الحقيقة، فالإنسان قادر على مستوى الحياة الإنسانية أن يجمع النقيضين (الدين والمادّة) بعد أن يعيَهما وعيا جيدا، وليسَ مِن منظومة معروفة للناس اليوم تستطيع أن تتغلّب على هذه الازدواجية وتحقق تمامَ الوجود الإنسانيّ بجانبيه في انسيابيّة واتساق بارعين إلا الإسلام، ولهذا يدعوه عزت بيغوفيتش “الوحدة ثنائية القطب”، ويراه الحلّ الأمثل لمأزق البشريّة المستمرِّ التضخُّم في عصرنا هذا وفي كلّ عصر.

هذه الخاصيّة الفريدة للإسلام توضّح لنا سبب الهجوم عليه من الطرفين، الدين بمعناه المجرّد كما هو مستعمل عند الشعوب الأوربية وفي خطاب المعرفة الغربية[2] (الذي ينتقل إلى سائر شعوب العالَم باستمرار)، والماديّة التي لا تعترف بشيء سوى المادّة، حتى في الإنسان.[3]

يقضي عزت بيغوفيتش أكثر من نصف كتابه في تتبُّع هذه الازدواجية في الحياة البشرية وتناقضها في الفلسفة البشرية، فينطلق من المقابلة بين فكرتي “الخَلْق” (الإلهيّ) و”التطوُّر” (ازدواجية العالَم الحيّ)، ساردًا دلائل عجز العلوم الطبيعية الحديثة عن تفسير لغز الإنسان، واعترافَ أربابِه بأنّ العلمَ من حيثُ طبيعتُه لا يستطيع اكتناه هذا اللغز لاختلاف ماهيّته عن ماهيّة موضوعات العلم. وطبيعة الدلائل العلميّة الطبيعية والمحاجّات الدائرة حولها في الفصل الأوّل من الكتاب، والذي عَنْوَنَه “الخَلْق والتطوُّر”، تُعفينا من أكثر ممّا أوردناه في هذه الفقرة.[4]

الثقافة والحضارة. 

يقابل الرئيس المجاهد أيضا بين الحضارة التي انطلقت منذ صَنَعَ الإنسان الأداة الأولى، والثقافة التي انبعثت مع أوّل عبادةٍ (أو تأمُّلٍ بالمعنى الدينيّ) مارسَها الإنسان على هذه الأرض.

مقابلة فكرية: 

إنّ الحضارة باعتبارها تراكُمًا مُنظَّمًا للأدوات هي استمرارٌ للتطوُّر البيولوجيّ، وما اللغة والذكاء إلا بعضُ عناصرها، وهي ذات طبيعة حيوانية بذلك، أمّا الثقافة فتمثّل المعنى المتجاوِز لما يُدركه الإنسان حوله على هذه الأرض.

وإن كانت الحضارة يُفسّرها التاريخ فإنّ الثقافةَ لا يفسّر التاريخ منها إلا أشكالها الخارجيّة، ذلك أنّها في جوهرها مرجِعُها إلى أنّ الإنسان هبَطَ من عالَم مختلِف، {قلنا اهبطوا منها جميعا} (سورة البقرة: 38).

“الدين والعقائد والدراما والشعر والألعاب والفنون الشعبية والقصص الشعبية والأساطير والأخلاق والجمال، وعناصر الحياة السياسية والقانونية التي تؤكّد على قِيَم الشخصية والحرية والتسامح ، والفلسفةُ والمسرَح والمعارضُ والمتاحف والمكتبات – يمثّل هذا كلّه الخطَ المتصلَ للثقافة الإنسانية، الذي بدأ مشهدُه الأوّل في السماء بين الله والإنسان”.

 

 مفاهيم فكرية:

الحضارة في فكر المفكر على عزت

الحضارةُ: هي استمرارٌ للتقدُّم التقنيّ لا الروحيّ، والتطوّرُ “الداروينيّ” استمرارٌ للتقدُّم البيولوجيّ لا للتقدُّم الإنسانيّ. تمثّل الحضارة تطوُّرَ القوى الكامنة التي وُجِدت في آبائنا الأوائل الذين كانوا أقلّ درجةً في مراحل التطوُّر. إنّها استمرار للعناصر الآلية –أي العناصر غير الواعية التي لا معنى لها في وجودنا.. ولذا، فإنّ الحضارة ليست في ذاتِها خيرًا ولا شرًّا، وعلى الإنسان أن يبنيَ الحضارة تمامًا كما عليه أن يتنفّس ويأكل، إنّها تعبيرٌ عن الضرورة والنقص في حريّتنا. أمّا الثقافة فعلى العكس من ذلك: هي الشعور الأبديُّ بالاختيار والتعبيرُ عن حريّة الإنسان)).[5]

بناءً على هذا فالثقافة هي التعبير عن حرية الإنسان الحقيقية، أمّا الحضارة فلم تكن قطّ كذلك ولا يمكنها أن تكون بطبعها، ذلك أنّها التعبير عن تحرُّك الإنسان داخل مجال الطبيعة المادية المليء بالقيود (قوانين الطبيعة).

ويستدلّ عزت بيغوفيتش على تناقض الثقافة والحضارة بأكثرَ من دليل، منها عصر النهضة الأوربيّة الذي صاحَبَ تناميَ البعد الفنّيّ والجماليّ والإنسانيّ فيه (الثقافة) تراجُعُ التطوّر الماديّ والانضباط الاجتماعيّ (الحضارة)، والعكس بالعكس. وفي هذا السياق ينتقد المفكّر البوسنيّ المُسلِم عددًا من الأفكار غير الصحيحة التي مكّنت لها الحضارة وخطابُها في أفئدة الناس، وعلى رأس ذلك مُسلَّمة كَوْنِ المدرسة الحديثة مؤسسةً للتثقيف. فهو يرى أنّ المدرسة إنّما تعلّم الحضارة لا الثقافة، لأنّها تقوم على التعليم التلقينيّ وتتركز موضوعاتها في ما ينظّمه التماثُل والقوانين الطبيعية أو الاجتماعية، أمّا التأمُّل والفرديّة والتوجُّه إلى الغيب وإلى الذات الإنسانية في أدقّ معانيها فليس من شأن المدرسة في شيء، بل إنّ من شأنها أن تصرفَ النشء عنه لا إليه.

إنّ همّ المدرسة الحديثة الأكبر هو تخريج مواطنين متماثلين من ناحية القيم الاجتماعية، وفعّالين من ناحية تطويع الطبيعة وتنظيم المجتمع في جانبه الماديّ، وحتى تطرُّقها للموضوعات الدينية إنّما هو وسيلة لتحقيق هذه الغايات يُقضى فيه على روح الدين وأساسِه.

وفي نهاية المطاف يصرّح عزت بيغوفيتش بأنّه لا يدعو إلى رفض الحضارة بكلّ تأكيد، إنّما يدعو إلى تحطيم أسطورتها التي تزعُم أنّ فيها حريّة الإنسان وكرامتَه وخيرَه.[6]

ظاهرة الفنّ.

بنفْس المنهج يقابل عزت بيغوفيتش بين عالَم الآلة وعالَم الموسيقى، وعمومًا بين الفنّ والعلم، أو الفنّ والأكاديميا، معتبرًا هذه الأخيرة نفاقًا خالصًا حين تحاول التحكُم في الإبداع الفنيّ، ذلك أنّ الفنّ لا يعبّر عن حقيقة موضوعية ما فتئ أنصار العلوم الحديثة يزعمونها، بل هو يعبّر عن روح الفنّان بصفةٍ مطلقة، وكذا عن روح المتلقّي، أمّا المعايير الوسيطة التي يجب أن يراعيَها الأوّل ويحاكِم إليها الثاني فلا عمل لها إلا القضاءُ على الفنّ، وهذا ما يفسّر موت الفنّ تحت الدول الشمولية التي تضطهد الفنانين كما اضطهد الاتحاد السوفياتيّ الأدباء والشعراء الروس ومنع أعمالَهم، وكما فعلت بعده جمهورية الصين الشعبيّة على عهد ماو تسي تونغ. هذه الفردانيّة المطلقة التي لا قيام للفنّ إلا على أساسٍ منها تفسّر إلى حد بعيد إخفاق ما يُدعى “النقد الفنيّ”، في الرسم أو الموسيقى أو الشعر أو الرواية أو غيرها. إنّ الفنّ هو ابن الدين كما يقول هنري برغسون، وما كان للعلم ودعوى الموضوعيّة والمعايير اللاإنسانية أن تحكُم على الدين ولا على أحدٍ من أبنائه، إنّهما -كما أسلفنا- مصفوفتان متوازيتان لا يمكن أن تحكُم إحداهما على الأخرى إلا بأن تقضيَ عليها لتنفرد هي بساحة الإنسان، وهيهات ذلك![7]

 

الأخلاق

في هذا النقاش الفلسفيّ الجريء، لم يُغفل فيلسوف الإسلام البوسنيّ موضوع الأخلاق وما كان له ذلك، وقد بيّن بوضوحٍ وصرامةٍ كبيرين أنّ الأخلاق عمودُها الواجب، وأنّها ليست وظيفية ولا عقلانية، ورفضَ تسمية قواعد التعايش الاجتماعيّ أخلاقًا بالمعنى الفلسفيّ، وبذلك رفضَ أن يكون منبع الأخلاق هو المجتمع أو عقلانية المجتمع ووظيفيّته كما يدّعي دوركايم ومن سار على نهجه، فالعقل (والعلم تبعًا) لا يستطيع أن يُصدِر حكمًا قيميًّا أخلاقيا بطبعه، وهذا ما فهِمَه نيتشه حين جعل الطبيعة مضادةً للأخلاق، فانتصر للأولى ونال من الأخيرة.

مفاهيم فكرية:

الأخلاق في فكر المفكر على عزت

إنّ الأخلاق -كما يصرّح عزت بيغوفيتش- ليست هي الحياة في انسجام مع الطبيعة كما يزعم الرواقيون، بل هي الحياة ضدّ الطبيعة بمعناها الدنيويّ، ومن هنا كان الدين هو أصلَ الأخلاق الضروريَّ كما يُلاحَظ عند أفلاطون، رائدِ الأخلاق ذات الأساس الدينيّ في الفكر الغربيّ.

هذا من ناحية المبدأ، أمّا من ناحية السلوك الأخلاقيّ، أي من الناحية الشكلية، فيمكن الإقرار بغياب البُعد الدينيّ، غير أنّ السلوك لا بقاءَ له من دون مبدأ مغذٍّ؛ إنّ الأخلاق العمليّة (كما عند كانط) ممكنة بغير دين مع التسليم بأنّها وُلدت أوّل الأمر من رحِمه، لكنّها بالغة الوهن حين تنفصل عنه بِحُكم القصور الذاتي، وهذا ما يُصدّقه واقع الحضارة الغربية الحديثة وتُحاول عبثًا أن تنفيَه أفكارها.

الواجب أصل الأخلاق إذًا، وتقابله المصلحة التي هي أصل السياسة، وهو يتجاوزها دائمًا، وقد حاول أرسطو أن يردّ الواجب إلى المصلحة فأتى بالعجائب ولم يخرُج من محاولته إلا بالتناقض. وعلى هذا، فإنّ العقلانية الحديثة حين حاولت إلغاء ازدواجية الواجب/المصلحة كانت النتيجة الحقيقية أنّها ألغت الأخلاق ولم تُبقِ إلا على المنفعة واللذة، فاعتبرت الأخلاق هي اللذة والألم الجماعيَّيْن.

من هنا يفرّق عزت بيغوفيتش بين التنشئة التي هي دينية في أصلها ضرورةً، والتدريبِ العلمانيّ الذي تتبنّاه المؤسسات الحديثة منهجًا لها.

فروقات فكرية للمفكر على عزت إنّ التنشئة فاعلية غيرُ مباشرةٍ تدخُل إلى القلب عن طريق الحب والقدوة والتسامُح والعقاب، بقصد إحداث نشاطٍ جوّانيّ في نفْس الإنسان. أمّا التدريب، باعتباره حيوانيًّا في جوهره، فهو نظامٌ من الإجراءات والأعمال تُتَّخَذُ لفرضِ سلوكٍ معيَّنٍ على الكائن البشريّ، يزعمون أنّه السلوك الصحيح. التنشئة تنتمي إلى الإنسان، أمّا التدريب فإنّه مصمَّمٌ من أجل الحيوانات. بواسطة التعليم يمكن تشكيل المواطنين الذين يطيعون القانون ليس بوازعٍ من الاحترام، بل بدافعٍ من الخوف أو العادة، وقد يكون ضميرُهم ميتا ومشاعرُهم ذابلة، ولكنّهم لا يخرقون القانون لمجرّد أنهم تدرّبوا على ذلك. ونرى في الأدب شخصياتٍ يزعمون أنها لمواطنين طاهري الذيل وهُم في الحقيقة مفرَّغون من الأخلاق، وشخصياتٍ لخاطئين هم في أعماقهم أخيارٌ ونُبَلاء))[8].

لم يشهد التاريخُ الذي نعرفُه قطُّ مجتمعًا إلحاديًّا أو ثقافة مجتمعيةً إلحاديّة بالمعنى التامّ للكلمة، أي غيابًا مُطلقًا لكلّ أثرٍ دينيّ من سلوك المجتمع وأفكاره، ولو قُدِّر لمجتمعٍ كهذا أن يُوجَد لكان شيئًا شديد الغرابةِ لم نعهد مثلَه. وحتى الحداثةُ الغربيّة التي تبدو في ظاهرها إلحاديةً تمامًا هي في جانبها الواقعيّ مبنيةٌ على أصلٍ دينيّ ما كان لها أن تقوم من دونِه كما يُلاحظ عزت بيغوفيتش ومالك بن نبي حين يجعل المسيحيّة أصلَ الحضارة الغربيّة[9]. بل لقد ذهب عددٌ من المفكّرين الغربيين إلى أنّ النماذج الغربيّة الحداثيّة الأساسيّةَ هي نفسُها نسجٌ على منوال الأفكار والمؤسسات الدينية، كما يلاحظ كارل شميت[10] في ظاهرة الدولة الحديثة.[11]

الثقافة والتاريخ

طال ما ادّعى علماء الأنثروبولوجيا أن ثقافة الشعوب القديمة كانت بدائية وأنّ الزمن كان كفيلا بتطوُّرها تبعًا لتطوّر حضارات الشعوب، وانطلاقًا من هذه المقدّمة يلزم أنّ قمّة الثقافة البشريّة تُلتمَس اليوم في الغرب، في المجتمعات السابقة في مضمار الحداثة، غير أنّ عزت بيغوفيتش يرفض ذلك استنادًا إلى المعطيات الواقعية التي توصّل إليها الأنثروبولوجيون أنفسُهم، وبتصريح عددٍ من المنصفين منهم.

إنّ الثقافة لا تاريخ لها، لقد وُلدت كاملةً لأنّ الإنسان هبط إلى هذه الأرض كاملًا من الناحية الدينية، والمقصود بالكمال هنا الكمالُ بالقوّة بعبارة المناطقة، أي احتمال الكمال والقدرة عليه.

ورغم جميع الدلائل التي خلّفتها الشعوب الموغلة في القدم ظلّت دعاوى علم الأناسة (الأنثروبولوجيا) ترفع عقائرَها بخلاف ذلك (خِداع العلم).

لقد أسفرت الأبحاث الجادّة على آثار الشعوب القديمة أو على الشعوب التي ظلّت إلى عهد قريب تعيش ما نسمّيه “حياة بدائية”، أثبتت تلك الأبحاث حقيقة التلازُم بين القيم الخُلُقية والإنسانية من جهة، والبساطة من الجهة الأخرى، وبيّنت أنّ الأخلاق والفنّ والثقافة والدين في جانب، والعلم والحضارة وإرضاخَ الطبيعة في جانب آخَر. وإنّ اطلاعًا على حركة المنتجات الثقافية البشريّة تبيّن أنّها تسير عكس اتجاه سير المنتجات الحضارية، أي من المناطق المتخلّفة في العالم إلى المتقدّمة.[12]

 

الدراما والطوبيا. 

يعقد المفكّر البوسنيّ مقارنةً أخيرة بين الدراما والطوبيا، فالأولى قائمة على الحريّة، والثانية على النظام والتماثل، تعبّر عن الأولى النصوصُ المقدّسة والروايات الأدبية العالميّة البارعة، في حين تعبّر عن الثانية النظريات الاجتماعية التي تبتغي وضعَ مبادئَ صارمةٍ وبناءٍ واضحِ المعالم لحياة الإنسان في المجتمع، ومثال عزت بيغوفيتش المفضَّل لها هو الشيوعية التي كان يعاني ويلاتِها في يوغسلافيا سابقًا.

ترى الدراما أنّ الشرّ والخير داخليان في الإنسان، فأبطالها مؤمنون بمعنى من المعاني، أمّا الطوبيا فلا تراهما إلا ظاهرتين خارجيتين لا تتحددان بِنِيَّةِ الإنسان وصراعه الداخلي وإنّما بأثر أفعاله في النظام الاجتماعيّ المفترَض، ومن هنا لا يمكن أن توجَد في الطوبيا أخلاق، ومن هنا أيضا عجزُها عن التعبير عن الإنسان وتحقيق طموحاته التي هي في أصلها أخلاقية، ذلك أنّ الإنسان كائن لا اجتماعي ويتطلّع إلى عالم لا وظيفيّ.[13]

ثانيًا: الإسلام- الوحدة ثنائية القطب.

الأديان السماوية الثلاثة.

إنّ تلك الازدواجية الحتمية التي عانت ولا تزال تعاني منها الفلسفة الغربية وما نتج عنها من اختلال وضلال في حياة الإنسان الغربي نقلهما إلى العالم بأسره بقوّة الحديد والنار والأفكار، تلك الازدواجية يمكن أن تُلتَمس أيضًا بدرجةٍ ما في الأديان السماوية الثلاثة الكبرى، اليهودية والمسيحية والإسلام.

تطفح النصوص التوراتية (على ما وصلتنا عليه) وشروحها التلمودية وغير التلمودية بنفَسٍ دنيويّ يرفض الخلود ويقدّم الطبيعة على الألوهية في الممارسة الحياتية، ويطمح إلى إقامة مملكة الربّ على الأرض لا في مكان آخَر خلافًا للمسيحية، ولقد انتقلت هذه الفكرة اليهودية إلى بعض الأوساط المسيحية في بعض الأزمنة حتى حرَفتها عن التوجّه المسيحيّ العامّ، ومثال ذلك فكر القديس أوغسطين الذي لا يعدم الباحث فيه أن يلمس تقاربا بينه وبين نموذج ماركس الذي هو نموذج يهودي بامتياز من هذه الناحية.

لقد لعبت رحلات اليهود إلى أوربا وفيها في القرون العشر الأخيرة دورًا بالغ الأهمية في اتسام الحضارة الغربية ببعض أهمّ خصائصها، وعلى رأسها الماديّة والوضعية والتنظيمات الماسونية والتقدُّم الخارجيّ (مقابل التقدّم الجوّاني المسيحيّ).

في الطرف المقابل، تعارض المسيحيّة هذا كلَّه، حتى إنّها تَعتبِر تغيير العالَم الخارجي أو محاولة ذلك خطيئةً يجب الفرار منها، وهي تشكّل نقطةَ تحوُّل في التاريخ البشريّ، ففي حياة المسيح يتجسّد الوعي الكامل بالقيمة الإنسانية في أعلى رقيّها على الطبيعة، ومن هنا ضلال المسيحيّة اللاحق في النقاش حول طبيعة المسيح بين البشرية والإلهية (الإنسان-الإله)، وتصريحُ القرآن الكريم بأنّ المسيح عيسى بن مريم {رسولُ الله وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ ورُوحٌ منه} (سورة النساء: 171). ومن هنا اضطرّ الفكر المسيحيّ -كما في البوذيّة- أن يجعل للناس طريقين، أحدهما شاقٌّ ليس إلا للخُلَّص من المتديّنين، تجب فيه الرهبنة ويُمنع فيه الزواج والاختلاط بالمجتمع وكثيرٌ من ممارسات الحياة العاديّة، وطريق آخَرُ أيسر هو للعامّة، يحِلُّ فيه كثيرٌ مما حُرِّم على الرهبان ويلزم فيه حد أدنى من العبادة والتقوى.

لقد بُعث موسى عليه الصلاة والسلام في بني إسرائيل وقد اشتدّ بهم الهوان تحت بطش فراعنة مصر، {وإنّ فرعون لعالٍ في الأرض وإنّه لمن المسرفين} (سورة يونس: 83)، فنُصروا بالمعجزات الماديّة الممتلئة بالقوّة والواعدة بالتمكين، ثمّ إنّهم كانوا أهلَ ولهٍ بالدنيا وعبادةٍ لها، فلا غروَ أن تنتهيَ الحالُ باليهوديّة إلى ما وصفناه. أمّا عيسى عليه الصلاة والسلام فقد بُعث فيهم وقد ركنوا إلى الدنيا واطمأنّوا بها وأخلدوا إلى الأرض واتبعوا أهواءهم، فكانت رسالتُه متمحورةً حول التطهُر من هذه الحياة الدنيا ونعيمها العاجِل الزائف، والارتقاء ما أمكن في درجات الزهد وإخلاص الروح والبدن لله سبحانه.

ثمّ جاء الإسلام جامعًا ما تفرّق في غيره، ونزل كتابه ومعجزته الخالدةُ القرآنُ قراءة لبعض الجوانب من الفكر السياسي الإسلامي لعلي عزت بيغوفيتش الثنائيّة الحديّة للفكر البشريّ ووسطية {مصدِّقًا لما بين يديه من الكتاب ومهمينا عليه}(سورة المائدة: 48)، وأُرسِل نبيُّه خاتم الأنبياء والمُرسَلين {رحمةً للعالمين} (سورة الأنبياء: 107)، فكان بذلك دينًا وسطًا بين الطرفين {وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شُهداءَ على الناس ويكونَ الرسول عليكم شهيدًا} (سورة البقرة: 143). {ونزّلنا عليك الكتابَ تِبيانًا لكلّ شيءٍ وهُدًى ورحمةً وبُشرى للمُسلمين} (سورة النحل: 89).

ولقد جاءت الرسالة المحمّدية تكمل معنى وحدانية الله، فالإله في المسيحيّة يبدو كأنّه ربّ عالَم الأفراد، أمّا العالم الماديّ خارج الروح البشريّة فالشيطان يملك زمامَه ويسوق خطامَه، ثمّ جاء الإسلام معلنًا أمّ الحقائق: لا إله إلا الله والله أكبر، وأوصدَ كلّ طريقٍ إلى الانحراف في الألوهيّة لِمَا امتلأ به القرآن من بيان توحيد الله، وأنّ محمدا ليس إلا رسولا عبدًا لله ومِثلُه عيسى وسائر الأنبياء، وأنّ الملائكة لا يستنكفون عن عبادة الله ولا يستكبرون، بل {يسبّحون الليلَ والنهار لا يفترون} (سورة الأنبياء: 20).

وقد جعل الإسلام العصمة في الإجماع ((إنّ أمتي لا تجتمع على ضلالة))[14] ، لا في إنسانٍ مهما بلغ من التقوى والعلم والمكانة مثل ما هو في النصرانية المحرّفة التي تجعل العصمة للبابا،

ولهذا ضمِن الإسلام الديمقراطية على مستوى الأسس وسدّ السبيل على من يحاول اغتيالَها هناك.

ولقد حاول كثير من فلاسفة الصوفية والمذاهب الباطنية عبثًا نصرنة الإسلام في هذه المسألة، وفتح ذلك السبيل لبعضهم ليبرر ضرورة تجاوز الإسلام إلى فلسفات ونظريات مادية قادرةٍ على تسيير الحياة وبناء الحضارة وتحقيق الكرامة البشرية في هذا العالَم، ولم يرجع أحدٌ منهم إلا بخُفي حُنَين، فماديّة الإسلام تحفظُه من الماديات المتطرّفة ومن الصوفيات المنحرفة.[15]

الإسلام والدين

هذه الوسطيّة الخاصّة بالإسلام نابعة من ثنائيّته الفريدة التي يُمكن أن يراها الفاحص في مبادئه وتشريعاته كافّة، وفي النصّ القرآني والسنّة النبويّة بكلّ وضوح. ويأخذنا عزت بيغوفيتش في فصلٍ له بعنوان “الإسلام والدين” في رحلةٍ قصيرةٍ عبر أركان الإسلام الخمسة ليُريَنا مناظر هذه الثنائيّة البديعة، مخصصا القسطَ الأكبر لعمود الإسلام، الصلاة. إنّ في اشتراط الوضوء للصلاة لدليلًا كافيًا على اختلافه عن الدين المجرَّد، فالروح العسكريّة التي في الوضوء، خصوصًا إن كان فجرًا وبماء بارد، وفي تلاحُم صفوف الصلاة، ليست المسيحية منها في شيء.

إنّ حياة المسلم اليوميّة لا مكان فيها للخمول، ومواقيت الصلاة تمنع المسلم من الاطّراد في الخمول كما تمنعه من الإخلاد إلى الأرض (الماديّة). بل إنّ الوضوء نفسَه يتّسم بالثنائية البديعة هذه، فهو في الوقت نفسِه نظافة بدنٍ وطهارة روح.

الصلاة إذًا دليلٌ ساطع على إمكانيّة توحيد العالَمَين (المادي والروحي) التي يتميّز بها الإسلام، إنّها “الوحدة ثنائية القطب” التي تجعل الإسلام وحدَه، من دون كافّة الأديان والفلسفات البشرية، الطريقةَ الكاملة للحياة.

وبهذه البصيرة يذهب عزت بيغوفيتش أبعد من هذا في سبر أغوار الكمال الإسلاميّ، فليطلبه ناشدُ معرفته في كتابه الأهمّ “الإسلام بين الشرق والغرب”.[16]

مثاليّة الأفكار وقيد الواقع

لقد أبدى الواقع الإنسانيّ على مرّ التاريخ أنّ الحياة البشريّة لا يمكن أن تكون تمثيلًا للدين المجرّد وحدَه أو للطوبيا وحدَها، وأنّ الثنائية طبيعةٌ للإنسان لا يمكن تجاهُلُها.

رضخت المسيحيّة للمأسسة فتغوّلت فيها الكنيسة حتى فسد بها الدين، واستسلمت لقبول الزواج، وأعلى الإصلاح الدينيّ من قيمة العمل في عمارة هذه الدنيا، وارتفعت الأصوات مناديةً بحقّ المِلكية الفردية لمتاع هذا العالَم حتى صار العكسُ غيرَ وارد في أذهان الغرب المسيحيّ، وصارت القوّة هدفًا تسعى إليه المجتمعات المسيحية وتحارب به وله، وتمكّن التعليم السكولائيّ حتى خنق على التعاليم المسيحية أنفاسَها، وتطوّر الاهتمام بالمعرفة بالطبيعة حتى طَمَّ على وادي المعرفة الدينية ودفعها إلى الهامش. والأهمّ من هذا كلِّه هو أنّ هذا التشوّه للمسيحية كان حتميًّا، فهو نتيجةٌ للانتقام الطبيعيّ للشقّ الماديّ من الطبيعة البشريّة الذي حاولت المسيحية كبتَه بأقصى درجةٍ لا أقول ممكنة، بل مستحيلة على مستوى عموم البشر.

من الجهة الأخرى، رضخت الماركسية -باعتبارها نموذجًا للماديّة- أيّامَ حُكمِها لقبول فكرة حقوق الإنسان، وتسالمت مع الحرية الشخصية وحرية الرأي ولو جزئيًّا وبالتدريج، ولجأت إلى استعمال الحوافز المعنويّة التي تُناقض فلسفتَها، وكفّت عن إنكار الدور الفعّال للسياسيين بل بالغت في الاعتراف به حتى انتشرت في أوساطها ظاهرة عبادة الزعماء، ناهيكَ عن قبولِها الزواج والأسرة والمِلكية -ولو محدَّدةً- التي كانت تنفيها بشدّة في البداية، واعترفت بالدولة وقالت بالذنب في القانون الجنائيّ…إلخ. هذا التشوُّه في الطرف المقابل كان أيضًا حتميا، وانتقامًا لطبيعة الحياة البشرية.

هذا التشوّهان النموذجيان يدلّان -قبل كلّ شيء- على صحّة الإسلام من حيث كونُه منظومةً صالحةً للإنسان مُصلحةً له في كلّ زمانٍ ومكان كما يقول الفقهاء، فلا هو يقبل خرافةَ تفسير العلم للحياة الجوّانية للإنسان كما تزعم الماديّات، ولا هو يرضى محاولة الدين المجرّد أن يشرح لنا الظواهر الطبيعية كما كانت الكنيسة تزعم منذ بضعة قرون.

هذا الكمالُ النابع من الوحدة ثنائيّة القُطب هو ما أرادَ أن يُبرزَه علي عزت بيغوفيتش في كتابه “الإسلام بين الشرق والغرب” ويبيّنَ أنّه المخرجُ من انقسامات البشريّة اليوم بين تيّاراتٍ متضاربة لا يستطيع أحدٌ منها أن يعطيَ الإنسان حقَّه كاملًا في هذه الحياة لأنّه منذ البداية ينفي أحدَ جانبيها، وقد فعلَ ذلك بكثيرٍ من البراعة والتمحيص وسَعَة الاطّلاع ودقّة الفهم وحُسن العَرض والشرح.[17]

خاتمة : الخلاصة والرؤية والعبرة. 

ملخَّصُ القول: أنّ الظاهرةَ الإنسانيّة لا يمكن تفسيرُها تفسيرًا أحاديًّا، فالإنسانُ ليس روحًا خالصا، ليس فردًا فردانيةً كاملة، ليس حرًّا حرية مطلَقة من كل قيد اجتماعي، وهو كذلك ليس مادةً بحتة، ليس قطعةً ميتةً في آلة اجتماعية ضخمة، ليس مجرّدَ ناتجٍ لعوامل موضوعيةٍ لا تدعُ معنى للحريّة والإرادة فيه.

ولئن كانَ إدراكُ هذه الحقيقةِ غيرَ عسيرٍ على عموم الناس من خلال ملاحظاتهم اليومية في أنفُسِهم وفي من حولَهم، فإنّ الفلسفةَ البشريّة ظلّت ترفضُه وتكابِرُه، وترجو أن تفسّر الإنسانَ بأحد شِقَّيهِ دون الآخَر، فهو إمّا روح وإمّا مادّة.

وإن تكُن الحكمةُ الشعبيةُ ظلّت في الغالب وسطيةً ثنائيةً، وكذلك كثيرٌ من الفكر الذي لم يرتقِ إلى أن يؤسِّسَ نفسَه تأسيسًا فلسفيا قويا، فإنّ الإسلام قد تفرّدَ بأن أسس هذه الوسطية الثنائيةَ تأسيسًا فلسفيا مُحكَمًا، وبنى عليه تشريعًا للحياة البشرية كاملًا ودائما، وذلك ما يجعلُه الحلّ الوحيدَ للمشكلات البشرية والمخرجَ الحقيقي من ثنائيَتِها الحديّة.

 

قائمة المراجع

[1] علي عزت بيغوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب (ترجمة: محمد يوسف عدس) (القاهرة: دار الشروق، 2010 (1994))، ص.61.

[2] أحمد داود أوغلو، النموذج البديل: أثر تباين الرؤى المعرفية الإسلامية والغربية في النظرية السياسية (ترجمة: طلعت فاروق محمد) (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2019)، ص ص.19-20.

[3] علي عزت بيغوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، ص ص.49-62.

[4]  المرجع السابق، ص ص. 66-104.

[5]  عزت بيغوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، ص.108.

[6] عزت بيغوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب ، ص ص. 106-140.

[7] المرجع السابق، ص ص.142-174.

[8] عزت بيغوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، ص.183.

[9]  مالك بن نبي، شروط النهضة (ترجمة: عبد الصبور شاهين) (دمشق: دار الفكر، 1986 (1949))، ص ص. 60-64.

[10] Carl Schmitt, Political Theology: Four Chapters on the Concept of Sovereignty (Tr & ed: George Schwab) (Chicago: University of Chicago Press, 2006).

[11] عزت بيغوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، ص ص. 176-211.

[12] عزت بيغوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، ص ص. 214-229.

[13] المرجع السابق، ص ص. 232-256.

[14]  مِن حديث نبويّ رواه ابن ماجه برقم: 3950، وصحّح الألبانيّ هذه العبارةَ منه.

[15] عزت بيغوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، ص ص. 260-276.

[16] عزت بيغوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، ص ص. 278-309.

[17] عزت بيغوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، ص ص. 330-347.

مركز المجدد للبحوث والدراسات. 

اترك تعليقاً