المجتمع والجريمة زمن الأوبئة والكوارث.

أ.د. عبدالحميد عبدالمجيد شلبي

أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الأزهر. 

حال الجريمة في ظل الأوبئة والأزمات: 

تذكر العديد من الإحصائيات أن الجريمة في مصر قد تقلصت بنسبة كبيرة أثناء حرب أكتوبر عام 1973م ، وهذا يعني أن المواطنين قد استشعروا المسؤولية في ضرورة مساندة الدولة في مواجهة العدو الإسرائيلي.

وفي أزمة كورونا التي تجتاح العالم، نشرت بعض الصحف والمواقع الإلكترونية، أن المافيا في إيطاليا، قد تبرعت بمبلغ سبعة مليارات دولار، لمساعدة الدولة في مواجهة وباء الكورونا، وسواء صحّت هذه الرواية أم لم تصح، فنحن بلا شك، أمام ظاهرة تستحق الدراسة .

كما نشرت الصحف آيضًا، أن المافيا في البرازيل، أطلقت تحذيرات للمواطنيين بعدم خرق حظر التجول، وأنها ستراقب هذا الأمر حتى لا يعم الوباء كل المدن البرازيلية ( راجع موقع اليوم السابع بتاريخ الأربعاء 25 مارس 2020) .

وفي مصر، أتابع كل يوم أخبار الحوادث والجرائم، من خلال مواقع الصحف المصرية، فلاحظتُ تدني نسبة الجريمة، بل تكاد تكون قد اختفت، وهذا الأمر يتطلب دراسة مستفيضة من علماء الاجتماع، مع الوضع في الاعتبار العوامل التي تؤدي لتقلص تلك الجرائم من حالة إلى أخرى .

 

أسباب تقلص الجريمة في ظل الأزمات المختلفة: 

ففي زمن الحروب، أرى ( من وجهة نظري) أن من بين أسباب تقلص الجريمة (بجانب الوازع الوطني عند البعض) فرض الأحكام العرفية من قِبل الدولة، مع ما يؤدي ذلك إلى عقوبات قاسية ونهائية تصل إلى حد الإعدام لكل من يهدد أمن الدولة الداخلي، وشدة قبضة الدولة ومراقبتها للأمن الداخلي بكل صرامة ، فضلاً عن تكاتف المواطنين في مواجهة كل من تسول له نفسه الإضرار بالأمن العام.

أما في زمن الأوبئة والكوارث، فقد تختلف الأسباب (من وجهة نظري آيضًا)، فقد ترجع هذه الأسباب (بجانب الوازع الوطني والتكاتف المجتمعي آيضًا عند البعض) إلى الوازع الديني ( عند جميع الأديان) الذي يسيطر على الجميع بأن نهاية الكون قد اقتربت، وأن هذه الجائحة قد تطوله فيركن إلى التوبة والندم على مافات ، وقد تكون توبته نصوحًا، وقد تكون توبة مؤقتة لحين انتهاء الجائحة، المهم أنها – أي التوبة – (سواء كانت دائمة أم مؤقتة)، تؤدي إلى توقف النشاط الإجرامي فتقل بذلك الجريمة.

وهناك سبب آخر، وهو أن الجائحة قد فرضت على المجتمع ما يُعرف بحظر التجول، مما يعني بقاء الجميع في منازلهم، مما يقلل من احتكاك البشر بعضهم ببعض، فتقل معها جرائم مجتمعية كثيرة، مثل المشاجرات التي قد تؤدي إلى جرائم القتل، والنشل، والتحرش، والاغتصاب، فضلاً عن سرقة المنازل لبقاء السكان في منازلهم طيلة الوقت.

 إضاءة ورؤية: أن نوازع الخير قد تعتمل في نفوس البعض، فيرى لزامًا عليه التكاتف والتعاضد، فتبرز بذلك الجوانب الإيجابية في المجتمع بشكل عام .

الخلاصة والرؤية:

 أن نوازع الخير قد تعتمل في نفوس البعض، فيرى لزامًا عليه التكاتف والتعاضد، فتبرز بذلك الجوانب الإيجابية في المجتمع بشكل عام .

أعتقد أن فكرة الجريمة في المجتمع زمن الأوبئة والكوارث والحروب تحتاج إلى دراسة تاريخية، واجتماعية، للوقوف على آثارها المجتمعية، والإجابة على سؤال مهم وهو: هل تتغير المجتمعات في عالم ما بعد الكارثة أم لا؟ حفظ الله البلاد والعباد والبشرية جمعاء من كل سوء.

اترك تعليقاً

Enable Notifications    OK No thanks