رسالة من قارون موسى إلى قارون العصر (أحسن كما أحسن الله إليك).

أ.د. عبدالحميد عبدالمجيد شلبي

أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الأزهر

قارون موسى: 

كان قارون كما أخبرنا الله تعالى من قوم سيدنا موسى عليه السلام، وكان من المقربين إليه، وقد أفاء الله عليه من فضله، وفي سورة القصص تفصيل لنعم الله على قارون حتى إن مفاتيح خزائنه كانت تنوء من حملها العصبة أولي القوة، وحينما كان يقول له قوم (أحسن كما أحسن الله إليك) (يقال من معاني الإحسان هنا أن يشكر نعمة الله عليه ويتصدق منها على المساكين) تكبر وتجبر وقال: (إنما أوتيته على علم عندي)، فكانت النتيجة أن خسف الله به وبداره الأرض.

قارون العصر

أما مناسبة ذلك فهو ما نعيشه في هذه الأيام المؤلمة من كابوس يهدد البشرية جمعاء، وبما له من آثار سلبية على اقتصاد العالم وليس بلادنا وحدها، وإن كانت الأثار السلبية أقوى على دول العالم الثالث التي نحن منها، فقد تضررت فئات كثيرة من أصحاب المهن الدنيا وعمال التراحيل الذين يكتسبون رزقهم يومًا بيوم، وأصحاب الحرف الذين تعطلت أعمالهم وغيرهم من كافة الفئات الدنيا (بل والمتوسطة) في المجتمع، وحسنًا فعلت الدولة حينما أعلنت أنها بصدد صرف مبالغ (مع قلتها) لتعينهم على نوائب الدهر.

وأتخيل هنا قارون موسى وهو يوجه رسالته إلى كل قارون في مصر فيقول: “يا كل قارون في مصر ، أعلم أنك كنت لا شيء فأصبحت في بلادك كل شيء ، كنت لا تملك من حطام الدنيا إلا ما يسد رمقك ورمق أولادك ، فأنعم الله عليك من فضله ، تربحت من هذه البلدة الطيبة ، جمعت المال من حلال أو حرام ، فأصبحت تمتلك المليارات والسيارات والقصور الفارهة والمنتجعات، أصبحت مسموع الكلمة بعدما كنت لا شيء ، يشار إليك بالبنان كما كنتُ في قومي ، أصبح الناس يتمنون ما أنت عليه كما تمنى قومي ، تخرج كل يوم على القوم في زينتك كما فعلتُ من قبلك ، ولكن جرمك أشد ، فكنت أخرج لا يراني إلا من يجتمعون حولي ، وأنت تخرج على الملايين فيما يسمونه وسائل التواصل ، أي أنك أكثر مني غرورًا وتكبرًا ، تتمتع بما لم أتمتع به أنا من قبل فتركب الطائرات ، وتجوب البحار والأنهار وتستمتع بكل ما توفر في عصرك من مغريات وملذات” .

إضاءة وعبرة: يا قارون العصر حينما قال لي الناس (وابتغ فيما آتاك الله الدار الأخرة) كنت أستهزأ بهم كما تفعل اليوم، وحينما قيل لي “أحسن كما أحسن الله إليك” قلت: “إنما أوتيته على علم عندي”، وأنت تقول اليوم أوتيته بذكائي و”شطارتي”.

الخلاصة: 

اعلم أنني لو عاد بي الزمن لفعلت ما أمرني الله به من زكاه وصدقات ، أحدّثك وأنا بين يدي ربي ، وأنت في صحة وعافية ، وأقول لك “أحسن” فقد علمت عاقبة النكران والتجبر والغرور ، “أحسن” وسيحسن الله إليك ، فهذا الوطن الذي تتغنى به ليل نهار لا يطلب منك الغناء والأقوال، ولكن يطلب يد العون للفقراء والمحتاجين ، أكفل اليتامى ، أعل المحتاجين ، أعن على نوائب الدهر ، أبحث عن المتعففين ، لا تخرج على الفقراء في زينتك ، الخلاصة يا من لا تتعظ  بما حل بي “أحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض “، واعلم أنه لا ملجأ من الله إلا إليه.

اترك تعليقاً