صلوا في بيوتكم

د: عبد الوهاب الطريري.

أستاذ جامعي، والمشرف العام في مؤسسة الإسلام اليوم، وعضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقا.

بسم الله الرحمن الرحيم

يتداول بعض الإخوة مقاطع مؤثرة لمؤذنين تتقطع أصواتهم بالبكاء وهم ينادون: صلوا في بيوتكم، ومقاطع تصف الحسرة واللوعة بالانقطاع عن المساجد وفقد الجمع والجماعات، وثمة ملاحظ حول ذلك:

أولاً: أن هذا التفاعل الوجداني من المبشرات لنا بالخير العظيم في نفوس المسلمين، وأن إقامة الصلاة حاضرة في وجدانهم ومشاعرهم، وأن شأن الصلاة في ذروة اهتماماتهم، وهذا من بشائر الخير وعلامات عمق الإيمان في النفوس.

ثانياً: يجب أن نداوى هذه الأحزان بالبشرى والتذكير بعظيم فضل الله على عباده، وأن يعلم كل محافظ على الجماعة أن أجره تام ومتتابع كأنما كان قائماً على حاله التي كان عليها، قال صلى الله عليه وسلم: «إذا مرض العبد، أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا»[1]، وقال صلى الله عليه وسلم وهو عائد من غزوة تبوك: «إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا، إلا كانوا معكم، حبسهم المرض»[2].

فبشرى لكل محافظ على الجماعة أن انقطاعك هذه الأيام لم ينقطع به أجرك، فربك قد عذَرك وأتم أجرك، وأنك تعامل الكريم الأكرم.

ثالثاً: هناك مقاطع قليلة تتداول من بعض الحريصين يثيرون تساؤلاً، أن الأوبئة والطواعين قد حصلت في تاريخ المسلمين المتطاول ولم تعطل المساجد ولا الجمع والجماعات، وينبغي أن يعلم أنه إذا كان ذلك كذلك فليس لأنه حكم الشرع، ولكن لأن الوعي الصحي في تلك الأزمنة ليس كالوعي والمعرفة في هذا الوقت، فتشخيص الأمراض وأسبابها وعلاجها والوقاية منها في ذلك الزمن ليس كما هو في زماننا.

وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم المنادى أن ينادى ليلة المطر: ألا صلوا في رحالكم[3].

فأين بلل المطر من خطر المرض المخوف؟

ونتذكر بذلك فتوى بعض العلماء في غرب أفريقيا في القرن الماضي بتحريم التلقيح ضد الكوليرا ففتك الوباء بالمسلمين هناك.

ولذا ينبغي أن يسند الأمر إلى أهله، وهي وزارات الصحة والجهات الرسمية في الاحتراز والتوقي، وعدم نشر هذه المقاطع المربكة.

 

أتم الله على المسلمين النعمة، وأدام العافية، ورفع البلاء وأحسن العاقبة.

[1]  أخرجه البخاري (2996).

[2]  أخرجه مسلم (1911).

[3]  أخرجه البخاري (697).

اترك تعليقاً