تقدير موقف برؤية تاريخية: إدارة الأزمات ما بين الطاعون في عهد دولة الإسلام وكورونا في واقعنا المعاصر:

عبداللطيف مشرف – باحث في التاريخ السياسي جامعة أولوداغ.

مفهوم الأزمة وإدارتها:

مفهوم إدارة الأزمات: تُعرف الأزمة على أنّها أيّ تهديد قد يُلحق الأذى بالأشخاص أو الممتلكات العامة والشخصية، أو يؤدّي إلى تعطيل سير العمل أو جزء من الحياة، حيث إنّ كُل دولة مؤسّسة أو شركة هي عُرضة للأزمات التي قد تؤدّي إلى الإضرار باسمها وسُمعتها، وظهر مُصطلح إدارة الأزمات للاهتمام بدراسة الأخطار المُحتمل حدوثها في المُستقبل والتي تؤثر على سير الحياة العامة، وأيضا للقيام بوضع خُطّة لمُعالجتها بشكل إيجابي.

كيفية إدارة الأزمات:

تحتاج إدارة الأزمات إلى خطة، حيث تُعتبر خطة إدارة الأزمات Management Plan Crisis أداةً مرجعيّةً، وليست برنامج عمل مُفصّل، وهي لا تحتوي على خطوات مُعيّنة ومُحدّدة لكيفيّة حلّ الأزمة، وإنّما تتضمّن قوائم بمعلومات جهات الاتصال الرئيسيّة، ونقاط تذكيريّة لما يجب عمله عند مُواجهتها، ونماذج لتوثيق كيفيّة الاستجابة لكل أزمة، ولنا في التاريخ الإسلامي مثال حي وواقعي يشبه حالنا الآن، حيث انتشار جائحة كورونا في كافة أرجاء العالم، وتعطلت الحياة بسبب هه الجائحة في كثير من البلدان، وأدى هذا المرض لوفاة وإصابة الكثير من الأشخاص، وظهرت الفتاوي والحلول، وعجزت بعض الدول الكبرى في مواجهة هذا الفيروس، بل وعجزت معامل العالم الحديث والرأسمالية المتفشية بكل أموالها ومؤسساتها، في أن تجد مصل ولقاح للفيروس ووضع حد لانتشاره السريع، بل واجهته بعزل شعوبها، وأخذ إجراءات احترازية تكاد تكون منحصرة في الوقاية من هذه الجائحة دون وجود للعلاج.

كورونا ما بين هلع الغرب ووجوب ثقة المسلم:

إن مثل هذه الأوبئة كان لها حضور في التاريخ والحضارة الإسلامية، بل كانت أشد مما عليه اليوم، حيث لا يوجد معامل ولا تكنولوجيا ولا أداة إعلامية توجه وتدعو الناس لتجنب أخطارها، لكن العامل الديني القائم على الثقة في الله عند الناس وما يترك ذلك من تأثير في تهدئة النفوس واطمئنان الأرواح، كان يعود بالإيجاب على إدارة الأزمة وعلى تجاوزها، فالعامل الديني والروحي يمكن اعتباره نموذجا حيًا ومثاليًا للتعامل مع أزمات مثل أزمة الأوبئة والأمراض، غير أن هذه العوامل تبدوا أكثر قوة وتأثير حقيقي في الدين الإسلامي أكثر بكثير من أي ديانة أخرى، خاصة أن الدين الإسلامي دين قائم على التوحيد ويجمع بين دفتيه القرآن الكريم والسنة النبوية كل الأشكال الروحية التي من شأنها أن تجعل الإنسان قادرا على مواجهة الرهبة والخوف الذي قد تتسبب فيه أزمة الأوبئة والأمراض، وإذا كان الغرب على سبيل المثال يعيش حالة من الهلع بين سكانه بسبب انتشار فيروس كرونا الحالي فهذا راجع إلى غياب وعاء ديني حقيقي يحتضن عواطف الناس ويزكي أنفسهم وأرواحهم، أما الدين الإسلامي الذي يحمل جوهر الإنسان ومنهاجه في الحياة، ويبين له أسباب وجوده على هذه الأرض في نص قرآني وآخر نبوي، ففيه ما يكفي من الدلائل والمحتويات القادرة دون شك على طمأنة النفوس واحتضانها كما يجب وبما يجب، إذ يقول تعالى في آيات محكمات: ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ سورة التوبة الآية 51 حيث شرح الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي: ﴿ قُلْ لن يصيبنا ﴾ خيرٌ ولا شرٌّ ﴿ إلاَّ ﴾ وهو مقدَّرٌ مكتوبٌ علينا ﴿ هو مولانا ﴾ ناصرنا ﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ وإليه فليفوِّض المؤمنون أمورهم على الرِّضا بتدبيره، تفسير البغوي “معالم التنزيل”: ﴿ قُلْ ﴾ لِهَمْ يَا مُحَمَّدُ ﴿ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنا ﴾، أَيْ: عَلَيْنَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، ﴿ هُوَ مَوْلانا ﴾، نَاصِرُنَا وَحَافِظُنَا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ أَوْلَى بِنَا مِنْ أَنْفُسِنَا فِي الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.

 

فعلى المؤمن في هذه المواقف أن يكون على ثقة وإيمان تام بالله وبقضائه وقدره، ومن ثم عليه الأخذ بالأسباب والسعي والحيطة والحذر، وباتباع وسائل السلامة والإرشادات الواردة عند أهل التخصص، والقائمين على شؤون الحياة الاجتماعية والإنسانية من أطباء وعلماء وخبراء، وتجاوز الاستهتار القاتل والمبني على اعتبار تلك الأوبئة هي من صنع الإنسان، فالإنسان لا يملك ولا يستطيع فعل شيء إلا بقدر الله، فإن كتب له البقاء سيبقي، وإن كتب له الفناء حتى دون أوبئة سيفنى، يقول الله تعالى:”  وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ” سورة الأعراف الآية 34، إذا كان هذا منهجنا في الدين الإسلامي المتكامل الذي لم يترك لنا شيئا في شؤون دنيانا إلا وتحدث عنها، بل تحدث عن مستقبلنا وعن ما لا نستطيع معرفته.

 

في هذا الصدد إذا كنا نجتر وراء الغرب في قضايا الحداثة والتقدم فكورونا درس لنا على أن نفهم أن كل شيء بمشيئة الله، فلا نكون أكثر سوء مما نحن عليه في اتباع الغرب حتى في أوجاعنا وأمراضنا، إذا لم نستطع صنع الدواء فلنتمسك برب الدواء، ولنا في الغرب عبرة، ذلك أن الغرب معذور، لأنه ليس لديه ما يشفي خوفه ويطمئن قلبه في السراء والضراء، غير أننا نحن المسلمون نملك ما لا يملكه غيرنا، ولا يجب أن نغتر وننساق وراء الدعايات الدولية على أن مشكل الوباء هو مشكل اقتصادي أو سياسي، ونجعل للإنسان اليد العليا في وضعه أو في نزعه، ولو كان كذلك فاعتقادنا وإيماننا بالله وكتابه وسنة نبيه ومناهجنا في الدين يقدم لنا أرقى الحلول، إذ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف “ستصيب أمتى بالوهن فقيل ما الوهن يا رسول الله، قال حب الدنيا وكره الموت” وهذا فيما معناه والله ورسوله أعلم، وإذا كان كذلك فلما الخوف والهلع أليس الخوف من الله أحق وأجدر من ذلك، وهو القائل يأتيكم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة، فما يهمنا هو ثقتنا بالله وأن نمارس حياتنا كما يأمر ربنا وكما شرع لنا ولا نسوق أنفسنا وراء الخطابة الكاذبة والداعية إلى الاهتمام بأشياء لا توجد في ديننا، فالدين كله فيه جوهرنا، ألا ننظر إلى تاريخنا الإسلامي كم مر عليه من الزمن وكم عاش المسلمون من فترات الأوبئة والمجاعات، فلما الهلع إذا كان الموت مكتوبا عند الله، ولنا في التاريخ الإسلامي عبرة نذكر منها:

تقدير موقف برؤية تاريخية: الطاعون في بلاد الإسلام ورؤية القائد:

الحادثة: انتشار الطاعون.

المكان: بلاد الشام.

الزمان: 18 هجري.

الضحايا: توفي أكثر من 25000 مسلم ومنهم عدد من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم.

قائد الأزمة: داهية العرب الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه.

إدارة الأزمة: أصدر تعليماته للناس بأن يعتزلوا الأماكن المزدحمة والتجمعات.

النتيجة: انتهاء المرض بعد عدة أيام من تطبيق التعليمات.

الخلاصة والحل:

الحقيقة في حياتنا هو الصبر أمام ابتلاء الله، حتى نجني الأجر في الدنيا والآخرة، ثبات الإنسان أمام تجربة وامتحان الحياة بثبات وقوة، والحل يمكن رؤيته في الظروف الحالية كالآتي:

 

  • عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله ما النجاة؟ قال صلى الله عليه وسلم “أمسـك عليكَ لسانكَ
  • وليَســعْـكَ بَـيـتـُـك وابـكِ على خطــيـئـتـكَ” رواه أبو عيسى الترمذي في سننه، وقال هذا حديث حسن.
  • الأخذ بحديث النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل: ما النجاة؟ قال:
  • “أمسك عليك لسانك (لا للإشاعات).
  • وليسعك بيتك (البقاء في المنزل).
  • وابـكِ على خطيئتك (الاستغفار والدعاء)”.

 

  • على بلاد المسلمين نشر الطمأنينة بين الناس، وذلك وفق منهجنا الإسلامي، الذي دومًا يبث فينا الطمأنينة والثبات عن الشدائد قبل الفرح، ويملأ داخلنا بالإيمان بالقضاء والقدر في الضراء قبل السراء، وذلك بعد أخذ الحيطة والحذر واتباع قواعد السلامة، فمن هذا المنهج تأتي خصوصيتنا وثباتنا عن الغرب، فلا يجب أن نخاف مثل الغرب ونهلع مثلهم، فإذا فعلنا فهو ضعف فينا، وعدم إيمان تام بمنهج يبث فينا القوة والثبات عند الشدائد، لا الهروب والخوف وعدم القدرة على مواجهته، فكل ما يصيب المسلم خير يعلمه الله، فلا تهلع ولا تخاف وتمسك بدينك أكثر، وعلّم العالم في هذه الظروف مدى قوة وثبات المنهج، ومدى حيويته ووظائفه عند الشدائد، لنعلمهم الفرق بيننا وبينهم، لا الاستسلام مثلهم.

 

  • وضع لجنة إدارية للأزمات والكوارث وتفعيلها في كل وطن من أوطان ديار الأمة، تكون مختصة بإدارة الأزمة كاملة من دعاية وإعلان وإصدار بيانات، ومتابعة المسؤولين والوزارة المختصة عن الأزمة، والوقوف على حل الأزمة وتوضيحها للجمهور، وتكون هي الجهة الوحيدة والمعنية بكافة الأمور، حتى توقف الاشاعات وتضارب القرارات للمسؤولين، وتكون هي الجهة المسؤولة أمام الشعوب، وأن يكون لديها مراكزها البحثية الخاصة بتوقعات الأزمة وما هي الحلول.

 

  • تتعاون الأمة فيما بينها في إنشاء مراكز بحثية واستراتيجية في كافة المجالات العلمية الاجتماعية والإنسانية، وخصوصًا العلمية منها، وتكون لها ميزانية خاصة بها تشارك فيها كافة الدول الإسلامية، وتوفر لها كافة السبل والأدوات حتى تكون قادرة على إنجاز أبحاث حقيقية داخل المعامل، وإنتاج أدوية وغيرها من الأمور، حتى لا ننتظر الغرب بأن يحل لنا الأزمة ويعطينا العلاج، ونقف موقف المتفرج والضعيف، فنحن نمتلك العقول والأموال، فلماذا ننتظرهم، فلماذا لا نستغل عقولنا ومواردنا وأموالنا في هذه الأمور، لنكن عونًا للعالم بدلًا أن نكون عبًأ عليهم، فلم يحدث في حضارتنا الإسلامية أننا انتظرنا من يحل لنا مشاكلنا ويعطينا الدواء والغذاء والسلاح ويسلب منا فكرنا وقرارنا، فإذا بقينا على هذا الحال، فلن نكون أمة قوية، بل سنظل أضحوكة العالم رغم ما نمتلكه من موارد بشرية وطبيعية.

 

 

  • إنشاء مرصد إسلامي يجمع كافة علماء الأمة في الشريعة والفتوي، ويقدم فتوي موحدة وملزمة وموافقة لكل شعوب الأمة، في المسائل المشتركة والقضايا الخلافية بين دول الأمة، وكذلك تقديم رأى وفتوي موحدة في مثل هذه النوازل، فبهذا تكون فتوي من أهل الاختصاص ونقطع الطريق على كل صاحب هوا يفتى بدون علم في أمور الدين، فإذا لم نتوحد في أمور ديننا فكيف نتوحد في باقي الأمور، حيث لدينا قرآن واحد وسنة واحدة، فهذا مجرد رأي ونتمنى تفعيله.

 

  • عدم التهويل في الأمور عند الأزمات، وعرض الحقائق، وتولية أصحاب العقول والكفاءات من المخلصين من أبناء الأمة الذين لديهم قضية وعقيدة، وليس أصحاب الثقة وذوي الرواتب وتجار الأفكار.
  • وضع هيئة خاصة تكون قادرة على متابعة الأسواق وتوفير السلع الرئيسية للناس عند وقوع الأزمات، وتكون مخولة في محاربة الاحتكار وأصحابه، بعقوبات شديدة وبدون تهاون.

 

  • وضع لجنة خاصة ولتكون تابعة لمنظمة رسمية مهتمة بشأن الإسلامي، لتحلل موقف الغرب وأبعاده السياسية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية تجاه المسلمين، ولماذا يهول ويستخدم “البروبجندا” في صناعة الحدث، فتضع رؤية علمية لأصحاب القرار في دول العالم الإسلامي، لمعرفة التعامل مع الغرب ومواقفه في مثل هذه الظروف، والوقوف على ما يريده الغرب من تلك الدعايات والمسائل الكبرى.

 

 

  • البحث في التراث والمنهج الإسلامي والتعلم منه، حيث أنه مليء بتلك الحوادث، وفيه الحلول بدل اللجوء إلى أراء الغرب،  لنجد عندهم الحلول، ندرس ونأخذ ما يفيد فقط واقعنا، فلا يصح أن نلبس عباءته كاملة وننسي هويتنا ومنهجنا،  فتراثنا بحاجة إلى إعادة صياغة برؤية عصرية، وفيه الكثير والكثير من الحلول لواقعنا، وفي المثال الذي ضربناه سابقًا خير مثال في مرض الطاعون، حيث كانت فكرة العزلة والابتعاد عن الازدحام لمثل هذه الأوبئة، فكان هذا حل إسلامي أصيل على يد القائد عمرو بن العاص، وخذ على ذلك أمثلة كثيرة من هذه المواقف في تاريخنا وتراثنا الإسلامي، لكن للأسف نبحث عن حلول لمشاكلنا ليس في منهجنا بل في مناهج الغرب وعلى أبوابه.

 

  • في النهاية:  الأوبئة تكون ثم تهون، وكم من أوبئةٍ حلَّت ثم اضمحلت، وجَلَّت ثم جَلَتْ، وتوالت ثم تولّت. عن أنس بن مالك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “ويعجبني الفأل”، قالوا: وما الفأل؟ قال: “كلمة طيبة”. فانشروا الفأل والطمأنينة ولا يكن أحدكم مذيعًا لكل شر. “منقول”.

 

 

 

اترك تعليقاً