كورونا والتفسير التاريخي (رؤية معاصرة).

أ.د.عبد الحميد عبد الجليل شلبي.

أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الأزهر.

الأوبئة والتاريخ:

كثيرة هي الأوبئة والكوارث الطبيعية التي امتلأت بها بطون كتب التاريخ على مر العصور ، وكانت الشدة المستنصرية التي حدثت على عهد الخليفة الفاطمي المستنصر بالله من أشد الكوارث التي اجتاحت مصر واستمرت مايقرب من سبع سنوات (457هـ -1065م) إلى سنة (464=1071م) ، أما أشد الأوبئة التي فتكت بأعداد هائلة من العالم فكان” طاعون ديلي” Daily plague الذي اجتاح أوروبا وأسيا واستمر مايقرب من ثلاث عشرة سنة 1338- 1351م ووصل عدد ضحاياه إلى مائة مليون شخص لذا اطلقوا عليه اسم (الموت الأسود) ، ويليه وباء الأنفلونزا الذي اجتاح العالم في أعقاب الحرب العالمية الأولى في الفترة من 1918 -1920م (أي قبل مائة عام) ووصل عدد ضحاياه حوالي خمس وسبعون مليونا من البشر.

أما عن التفسير التاريخي لما نعيشه الأن في وباء فيروس كورونا فقد ذهب فيه الناس كل مذهب وفقًا لمعتقداتهم ، فهناك من يفسر الوباء دينيًا ، وهذا ما نطلق عليه التفسير الديني للحدث ، وهناك من يخضعه للتفسير المادي ، وهناك من يُخضعه للطبيعة وتعامل الإنسان مع البيئة……إلخ.

التفسير الدينى لجائحة كورونا:

فالذين أخضعوا الحدث للتفسير الديني (يستوي في ذلك المسلمون وغير المسلمين)، فالمسلمون استدعوا الآيات القرآنية الكريمة التي تشير إلى أن ما اصاب الناس هو بسبب ذنوبهم وإفسادهم في الأرض ومن ذلك قوله تعالى : ” ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” (الروم 41) ، وقوله تعالى : ” وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ# وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ”(الشورى 30 -31) ، وفي قوله تعالى : ” وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (النحل 112) وأشاروا إلى دولة معلومة للجميع استبدلت الخبائث والحفلات الماجنة بما كان يأتيهم من رزق حلال طيب … إلخ التفسيرات .

أما على الجانب المسيحي فقد اعتبر القس الأميركي “ريك وايلز” Rick Wiles مؤسس منصة “ترو نيوز Tru     News”  الفيروس “ملك موت” مرسلا من الله و”جائحة لتطهير العالم من الخطيئة مع اقتراب النهاية”.

وعلى الجانب اليهودي نرى الراهب اليهودي يهودا غليك Yehuda Glick ، يوجه تحذيرا للسلطات الصينية قال فيه: إن فيروس كورونا عقاب من الله لحكومة الصين بسبب اضطهاد المؤمنين بالكتاب المقدس وانتهاكات حقوق الإنسان في البلاد.

 وما قاله الحاخام “زامير كوهين” Zamir Cohen إنّ “الفيروس نتيجة طبيعية لأنّ غير اليهود يأكلون أي شيء”، فيما ذهب الحاخام رون تشابا” Ron Chapa بعيداً مُعتبراً الوباء “علامة على ظهور السيد المسيح“.

وفي الهندوسية ذهب رجل الدين الهندوسي ” تشاكراباني ماهاراج” زعيم منظمة “هندو مهاسبها ” القومية المتطرفة، إلى إن فيروس كورونا “تجسيد” للإله فيشنو لمعاقبة من يأكل اللحم.

التفسير المادي لجائحة كورونا:

اما على صعيد التفسير المادي ، فنرى أن الاشتراكية الممثلة في دولة الصين تعتبر أن هذا الفيروس مجرد حربًا بيولوجية اشعلتها القوى الرأسمالية الممثلة في الولايات المتحدة الأمريكية والغرب بهدف ضرب الاقتصاد الصيني المتنامي ولوقف تفوق العملة الصينية واستدلوا على ذلك بأن بداية المرض كان في الصين وهذا يؤكد على فكرة المؤامرة .

 

وعلى جانب القوى الرأسمالية فقد اعتبرت أن هذا الوباء صنيعة صينية لضرب الاستثمارات الغربية في العالم والصين نفسها ، واستدلوا على ذلك بأن الرعب الذي انتشر في العالم وفي الصين بخاصة في بداية الظاهرة أسهم في انهيار أسعار الأسهم في الصين مما جعل المستثمرون الأوروبيون يسارعون في بيع أسهمهم بأبخس الأثمان فقامت الحكومة الصينية بشراء ها جميعًا .

الوباء والظواهر الطبيعية – كورونا نموذجًا:

وهناك من يرجع الوباء إلى ظواهر طبيعية بعيدًا عن نظرية المؤامرة ، والتفسير الديني ، وان هذا الوباء جاء لتصرفات وتعاملات جائرة من الإنسان مع الطبيعة والحيوانات ، فكان من الطبيعي أن يصابوا بمثل هذه الأوبئة، ومن ذلك ما كتبه الصحفى الصينى ووفي يو“Wufei Yu فى صحيفة «نيويورك تايمز»بتاريخ 5 مارس 2020 بعنوان: «هل فيروس الكورونا هو انتقام البنجول؟» Coronavirus: Revenge of the Pangolins? استشهد فيه بمقولات من الكتب الصينية القديمة تحذر من أكل الحيوانات البرية، مثل البنجول والثعابين والخنزير، ويقول الكاتب إنه ثمة احتمالات بأن يكون الوباء قد انتقل من البنجول، ليعتبر فى نهاية المقال أن كورونا قد تكون ثأراً «بنجولياً» من البشر الذين لم يسترشدوا بالكتب الصينية القديمة.

الخلاصة:

أن هذه التفسيرات مجتمعة قد تكون لها وجاهتها ، ولكن الأمر الذي لاجدال فيه أن البشرية تقف عاجزة في مواجهة هذا الفيروس القاتل ، والجميع يعي تمامًا أن الخلاص بيد الله وحده بأن يسخر من البشر من يكتشف لهذا الداء دواء ، ولم أجد أبلغ مما صرح به رئيس وزراء إيطاليا (جوسيبي كونتي Giuseppe Conte الخميس 19 مارس 2020) حيث قال:” لقد فقدنا السيطرة ، الوباء قتلنا نفسيًا بدنيًا وعقليًا، لم نعُد نعي ماذا سنفعل، لقد إنتهت جميع الحُلول على وجه الأرض، الحل متروك للسماء “. .

 

مركز المجدد للبحوث والدراسات.

اترك تعليقاً