التدين الظاهري بين الماضي والحاضر …!!

رانيا عدلي نورالدين

باحثة دكتوراه في التاريخ الإسلامي – جامعة الأزهر – مصر

 

الحكام والمحكومين وقضية التدين:

إن قواعد أهل الأندلس في تدينهم كانت تختلف بحسب الأوقات، وشخصيات الحكام، إلا أنه كان الغالب عليهم هو الإسراع إلى إقامة الحدود متى وجبت، وإنكارهم على الحكام إذا ما تهاونوا فيها، وسعوا إلى تعطيلها، بل والقيام عليهم إذا ما فكروا في إيقافها؛ فذُكر عنهم أنهم إذا ما اتجه السلطان إلى التهاون أو التعطيل أو الإيقاف لهذه الحدود: “يدخلون عليه قصره المشيد ولا يعبأون بخيله ورَجْله حتى يخرجوه من بلدهم، وهذا كثير في أخبارهم”؛ ثم أضاف المؤرخون أن: “الرجم بالحجارة للقضاة والولاة للأعمال إذا لم يَعْدِلوا فكلَّ يوم”.

وما يوضح هذه الطبيعة لدى أهل الأندلس ممثلة في جنوحهم للتدين، أنهم كانوا ذوي اعتناء واهتمام بكافة العلوم والآداب والفنون، فيما عدا الفلسفة والتنجيم، فإذا ما علموا أن فلان يقرأ الفلسفة أو يشتغل بالتنجيم، أطلقوا عليه اسم “زنديق”، وقيدوا عليه أنفاسه، فإن زلَّ أمامهم بفعل أي شيء يُؤكد لهم أن هذا الشخص يقرأ الفلسفة قاموا برجمه بالحجارة أو قاموا بحرقه قبل أن يصل أمره للحاكم، وقد يحدث أن يقتله الحاكم تقرباً لقلوب العامة، وكثيراً ما كان يأمر حكام الأندلس بحرق كتب من اشتهر بتدارس هذا العلم، وبذلك تقرب المنصور ابن أبي عامر لقلوبهم أول أيام حكمه للأندلس، وإن كان هو ذاته ذا عناية واهتمام بهذا العلم ولكن عنايته واهتمامه كان في الخفاء خوفاً من ثورة الناس عليه.

كان المنصور ابن أبي عامر من أشَدَّ الناس في التغير على من عَلِمَ عنده شيئاً من الفَلسَفة والجَدَل في الاعتقاد، والتكلُّم في شيء من قضايا النجوم وأدِلتها، والاستخفاف بشيء من أمور الشريعة، وأحرق ما كان في خزائن الحَكم من كتب الدَّهرية والفلاسفة، بمحضر كبار العلماء.

وممَّن أوقع به المنصور في مِثل هذه المعاني المُنكرة: محمَّد بن أبي جمعة، وذلك عندما بلغه عنه قوله في انقراض دولته، فقطع لسانه، ثمَّ قتله وصَلبه، فخرست ألسن جميعهم لذلك؛ وكذلك أيضاً عبد العزيز بن الخطيب الشاعر، وكان من أرفع أهل هذه الطبقة منزلة، وكان متقدماً في أصحاب المنصور، حتَّى فسد ضميره عنده، وبقي مدَّة يلتمس غِرَّة منه، حتى قال في بعض أبيات من شِعره أفرط فيها:

مَا شِئْتَ لا ما شاءت الأقدار
فاحكُم فأنْت الواحِدُ القَهَّارُ
فكأنَّما أنتَ النَّبي مُحمد
وكَأنما أنصارك الانصار

فأمر المنصور بضربه خمسمائة سوط، ونُدِي عليه باستخفافه، ثم حبسه، ونفاه بعيداً عن الأندلس.

ظاهرة التدين وواقعنا المعاصر:

يغلب على زماننا هذا ما يعرف بــ “التدين الظاهري”، هذا النوع من التدين التي تكمن خطورته في عدم حصول الشخص على سلامه النفسي، بل إنه يصبح رغمًا عنه يعيش بازدواجية، فهو مطالب بالظهور أمام الناس بصفته الدينية التي تعطيه هالة من الوقار يلاحظها في نظرات من حوله، فتشبع غروره وتشعره بالزهو؛ ومن جهة أخرى، إذا ما واتته الفرصة وخلى بنفسه لا تجده إلا ويهرول إلى انتهاك محارم الله جل وعلا ممثلًا في تصفح المواقع الالكترونية غير اللائقة أو التحدث مع هذه الفتاة والعكس، أو غيرها من المحرمات.

نصيحة وعبرة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم:

يحضرني حديث للرسول (صلى الله عليه وسلم) لا اقرأه إلا وأشعر بغصة تخترق فؤادي وإن قرأته في اليوم مائة مرة، بل لا أخفيكم سرًا أنني في البعض من الأحيان إذا ما مررت عليه لا أجرأ على قراءته حياءًا من الله جل وعلا وهو قوله (صلى الله عليه وسلم): ( لأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا ) قَالَ ثَوْبَانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا ، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لاَ نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لاَ نَعْلَمُ ، قَالَ : ( أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا).

توقف أخي القارئ وأعد قراءة الحديث بقلبك بل بكل كيانك، ولا تأتي على الفقرة التالية من الموضوع إلا وقد قمت بقياس هذا الحديث على نفسك وحالك مع الله جل وعلا إذا ما خلوت بنفسك.

 الخلاصة في جملة عالم ومفكر:

نجد العلامة الكبير والجليل الشيخ محمد الغزالي يختصر لنا كل ما سبق في جملة واحدة فيقول: أعطني تدينًا صحيحًا أعطك مجتمعًا صالحًا”، وذلك لأن التدين الشكلي لا يؤدى إلا إلى الغفلة والسلبية، لأنه لو كان تدينًا حقيقيًا نابعًا من القلب، متأصلًا فيه، لانطبع ذلك على الجوارح والسلوك والأفعال التي تصدر عن الإنسان…!!

اترك تعليقاً

Enable Notifications    OK No thanks