قراءة في كتاب عبد الكبير الخطيبي “النقد المزدوج”

قراءة:  عبد الرزاق العزوزي – باحث في جامعة إسطنبول – تركيا

 

التعريف بالكاتب:

ولد عبد الكبير الخطيبي عام 1938 في مدينة الجديدة بالمغرب، وكان من أبرز المغاربة الذين أتيحت لهم فرص متابعة الدراسة في جامعة السوربون بفرنسا، وفيها حصل على دكتوراه في الدراسات السوسيولوجيا عام 1966، وعمل أستاذًا مساعدًا ثم مديرًا لمعهد السوسيولوجيا في الرباط إلى أن تم إقفاله عام 1970، انضم إلى اتحاد كتاب المغرب عام 1976، وعمل رئيسًا لتحرير “المجلة المغربية للاقتصاد والاجتماع”. ويعتبر الخطيبي من أهم السوسيولوجييين الرائدين في علم الاجتماع، وله الكثير من النصوص اللافتة والنادرة.

 

وقد تميزت مجالات إنتاجه، بالتعدد والتنوع بين الكتابة الخلاّقة (الشعر، الرواية، المسرح)، والدراسة الأدبية، وله أبحاث كثيرة مكتوبة بالفرنسية، كما ترجمت له مجموعة من المؤلفات إلى اللغة العربية مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، منها: “الرواية المغربية”، وكتاب “في الكتابة والتجربة”، إضافة إلى كتاب “ديوان الخط العربي”، وكان مترجم  هذه الأعمال الأستاذ محمد برادة، ثم كتاب “النبي المقنع” الذي ترجمه الأستاذ محمد الكغاط، وكتاب “النقد المزدوج” الذي أشرف على ترجمته مجموعة من الباحثين[1].

 

التعريف بالكتاب:

يعد كتاب النقد المزدوج من أهم الكتب التي ألفها عبد الكبير الخطيبي، وهي في الأصل مجموعة من الدراسات كان قد نشرها في فترات زمنية مختلفة في عدد من المجلات العربية، لكنه عاد إلى جمعها في هذا الكتاب. وسنحاول من خلال قراءة هذا الكتاب، تحليل الخطاب الذي جاء به الخطيبي، معتمدين على تسلسل الأفكار كما جاءت فيه، وتجدر الإشارة إلى أن الكتاب في طبعته الثانية من الحجم المتوسط، ويتكون من 216 صفحة، ويمكن تقسيمه في هذه القراءة إلى ثلاثة محاور كبيرة: المحور الأول يناقش الكيان العربي خاصة المغربي كأفق للفكر ومساءلة للهوية، والمحور الثاني يتناول الصهيونية واليسار الغربي، أما المحور الثالث فهو مخصص لأبحاث في سوسيولوجيا العالم العربي.

 

قراءة مفاهيمية لبعض مفاهيم الكتاب:

لكي نفهم محتوى الكتاب الذي نحن بصدد إجراء قراءة فيه، لابد أولًا من القيام بقراءة تعريفية لبعض المفاهيم المركزية التي يؤسس عليها الخطيبي موضوعاته في الكتاب، وهي كالتالي:

 

أولًا: مفهوم النقد: يقول الخطيبي “كلمة نقد قبل أن نذهب بعيدًا، تتضمن كما نعرف، فكرة غالبًا ما تكون منسية، وهي المتعلقة “بوجود أزمة”. النقد كأزمة بالنسبة لنفسه، وفي الوقت ذاته للموضوع الذي يهتم به، وفي هذا المعنى، يظل النقد مزدوجًا، سواء أكان مرجعًا مرتبط بالنقد بمفهومه الكانطي أو الهيجيلي أو الماركسي، فإن عليه أن يبني ويؤسس ركائزه فيما هو يشغلها”[2].

وانطلاقا من هذا التعريف يمكن تسجيل بعض الملاحظات:

 

الملاحظة الأولى: عندما نتحدث عن النقد، فإننا نتحدث عن وجود فعلي لأزمة معينة، والأزمة غالبًا ما تخلق من الصراع بشتى أصنافه كان سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي، من هنا يمكن القول بأن النقد، لم يكن موجهًا فقط في اتجاه الواقع أو الموضوع، بل متجه أيضا نحو تأزيم نفسه، لأن وجود الأزمة في حد ذاته أزمة نقد.

 

الملاحظة الثانية: “يبدأ النقد انطلاقًا من ركائزه، بيد أن هذه الركائز لا يتم عليها فقط في إطار المعرفة التي سبقته، بل في إطار الحقيقة الواقعية التي هي (…) حقيقة مستعصية على البحث”[3]، أي البحث في المسافة بين المعرفة الماضية، والمعرفة الحاضرة حيث مكان النقد.

 

الملاحظة الثالثة: إن النقد يعيش على بساط متناقض، فهو يشكل من ناحية مركز الفكر وعنصره الأساسي، لكنه في نفس الوقت خروج عن المألوف، أي أنه يضع هذا الفكر في أزمة، ويحيط به من خلال تساؤلاته المتعددة[4].

 

وإن أهم ميزة يتميز بها النقد في كل هذه الملاحظات، أنه يملك قدرة التنقل بين وقائع المجتمع كيف ما كانت، ويتحرك في مواضيع مختلفة حيث يمارس عمله الأول، وهو وضع معظم تلك المواضيع في أزمة.

 

ثانيا: مفهوم التفكيك: يعد هذا المفهوم أهم حركة ظهرت في اتجاه ما بعد البنيوية، ويقوم هذا المفهوم على آليات الهدم من أجل إعادة البناء من خلال القراءة، وهو يستخدم للدلالة على نمط قراءة النصوص، بهدف نفي ادعائها لامتلاك أساس كاف في النظام اللغوي، الذي تستعمله كي تثبت بنيتها ووحدتها ومعانيها المحددة، ويعتبر ” جاك دريدا” أحد أهم رواد هذا المفهوم، حيث استخدمه لإعادة النظر في المفاهيم التي تأسس عليها الخطاب الغربي الذي لا يعدو أن يكون خطابًا ميتافيزيقيا. في هذا السياق، جاء مفهوم التفكيك للعمل على هدم الميتافيزيقا وتفكيكها من خلال قراءة النصوص فلسفية كانت أم غير فلسفية[5].

ويقصد بالميتافيزيقا التي يستهدفها مفهوم التفكيك في هدمه “كل فكرة ثابتة وساكنة مجتثه من أصولها الموضوعية وشروطها التاريخية”[6]، والتي تخلق ما يسمى بالثنائيات (خارج\داخل-غرب\شرق-خير\شر…) وتستغلها في الممارسة العملية، لذلك كان أسمى هدف لمفهوم التفكيك هو كسر هذه الثنائيات وفضح الميتافيزيقا.

 

ثالثًا: مفهوم الاختلاف: هو مفهوم يرمي إلى خلق تعدد على مستوى التفسيرات، وذلك انطلاقا من وصف المعنى بالاستفاضة، وعدم الخضوع لحالة مستقرة ثابتة في نص ما، ويتجه هذا المفهوم بقارئ النص نحو التزويد بالكثير من الآراء والاحتمالات، مما يجعله يعيش دائما داخل النص[7].

 

رابعًا: مفهوم الوعي الشقي: هو مفهوم مركزي يستخدمه الخطيبي حين يعالج مسألة اليهود، وسنبيّن معناه من خلال القراءة التي سنقدمها في الكتاب، وهذا المفهوم يرجع في الأصل إلى هيجل في كتابه فيمينولوجيا الروح، ويعني هذا المفهوم الاغتراب أو الاستلاب، والاستلاب يستخدمه هيجل كمفهوم ذو طابع مزدوج، يشير من جهة إلى سلب المعرفة، ومن جهة أخرى إلى سلب الحرية، وقد تحدث عنه في سياق كلامه عن الوعي الشقي “يكبح الوعي الذاتي ملاذه أو لا يبالي بها حينما يكشف عن الحرية البسيطة لذّات”، “فالروح المستلب هو الذي يجعل طبيعة وعي الإنسان ذو طبيعة منقسمة ومجزأة ومجرد كائن متضاد”[8].

 

في مقدمة الكتاب:

قبل أن ندخل في محتوى الكتاب، لابد أيضًا أن نقوم بقراءة في مقدمته، نظرًا لكونها تعد الإطار العام الذي يضع عليه الخطيبي نقده المزدوج، حيث ينطلق من خلالها بعرض مجموعة من الأفكار حول الهوية العربية، التي يرى أنها لم تعد قادرة على التكيف مع واقع العصر، لكونها تعرضت لعدد من الأزمات والتناقضات التي جعلتها عاجزة عن مسايرة العقلية العصرية. في هذا السياق، يدعو الخطيبي إلى إعادة النظر في مسألة الهوية، لكن ذلك لن يتأتى في نظره إلّا من خلال اللجوء إلى تفكيك كل المفاهيم التي أحاطت بهذه الهوية، عن طريق ممارسة نقد مزدوج، يحيط من جهة بالخطابات العربية السائدة، ومن جهة ثانية بإيديولوجية الغرب التي جعلت من السيطرة والخضوع أحد أهم مرتكزاتها.

 

وفي هذه الدراسة النقدية التي يدعوا إليها عبد الكبير الخطيبي، يعلن ضمنيًا بأنه قد انفصل عن كل أشكال التوجهات العربية السائدة، سواء التي دعت بالعودة إلى التراث لبناء واقع العصر، أو التي ارتأت إلى تحريك السلفية بهدف الربط بين الدين والعلم السائد، أو التي اتجهت نحو العقلانية الممجدة لهذا العلم مهملة باقي الأصناف، أو تلك التي أعلنت عن العودة إلى التاريخ بهدف إعادة الانطلاق، ويرى الخطيبي أن كل هذه التوجهات، يجب أن تخضع لعملية نقد تراعى فيه جميع الاختلافات وعلى كافة المستويات، بين الكيان العربي ونظيره الغربي.

 

المحور الأول: المغرب أفقا للفكر:

لقد جاء المحور الأول لكتاب الخطيبي بعنوان “المغرب أفقًا للفكر” ليضع ثلاثة تحولات من خلالها يرتسم المغرب كمجال خاضع لثلاث سمات أساسية، وهي: النزعة التراثية المرتبطة بالتقليد الميتافيزيقي المتعلق باللاهوت، ونعني باللاهوت: التفكير في الواحد وفي الموجود، من حيث هو موجود وجود أوّل وكعلّة أولى، والنزعة السلفية التي تسعى إلى ربط الدين والعلم برباط وثيق، وجعله كخلق سياسي واجتماعي، والنزعة العقلانية التي تحولت إلى تقنية تقود العالم بشعار القوة المستمدة من التطور العلمي.

 

هذه التحولات الثلاث، قاربها الخطيبي بالتاريخ وبعلم الاجتماع، ووصل إلى نتيجة جذرية، وهي أنه لابد من تفكيك كل المفاهيم المتعلقة بالتراث، الذي طغى عليه فكر لاهوتي مذهبي، أسست له الميتافيزيقا، وترجم ذلك على أرض الواقع بتراجع العرب التاريخي وانحدارهم نحو الغرب، ومما زاد من هذه التبعية، طغيان الفكر الإيديولوجي في السياسة، خاصة في أوساط القيادة السياسية العربية.

 

من ناحية أخرى، دعا الخطيبي إلى مساءلة الفلسفة الإسلامية التي ضلت تقبع تحت الأوهام اللاهوتية، وانتقد الكيان العربي الفاقد للهوية، والمنغمس في عبودية الغرب الذي أنساه تراثه، مستخدمًا قوة أخلاقية ولاهوتية ضاربة، ظلت تخضع ذلك الكيان إلى تكريس التبعية.

 

والملاحظ في هذا المحور من كتاب الخطيبي، أنه قدم نقدًا مزدوجًا لكل أنواع الميتافيزيقا التي مست أفق الفكر المغربي بشكل خاص، والعربي بشكل عام. فبالنسبة لموضوع التاريخ مثلا، يرى الخطيبي أن ما وصل إليه عبد الله العروي في إلحاحه على الاستمرارية التاريخية، التي تعد فترة الاستعمار أحد مراحلها، وتأكيده على إثبات ماضي العرب عن طريق تشتيت البحث الذي نشأ في هذه الفترة، ما هو إلّا اتجاه نظري، صحيح أنه مفيد، لكنه لا يحرك تراجع العرب، ولا هو يغير التاريخ إلا في شكله النظري الذي ظل مرتبطًا بالميتافيزيقا، ورغم التحولات الإيديولوجية سواء الماركسية أو الليبرالية، إلا أن الأصل الميتافيزيقي بقي على حاله.

 

ويدعو الخطيبي أيضًا إلى تجاوز كل المواضيع الجاهزة لدى الغرب، ووضع استراتيجية معرفية بعيدة عن الخطابات اللاهوتية، وأن نقوم بنقد المعرفة السائدة من مصدرها، ونؤمن بفكر الاختلاف، ووجود الهوية، وألا نعيد ما فعله الغرب أو حتى العرب، لأن ذلك لا يحرك ساكنًا، ولا يتجاوز البعد النظري.

 

ومن بين القضايا التي أثارها الخطيبي في هذا المحور، ضرورة التمييز بين عدد من المفاهيم، كالانحطاط والتخلف والاستشراق، وحدد علاقتها بالفكر. بناء على ذلك، رأى أن المجتمع العربي انحرف عن المنظومة الفكرية، ومنظومة القيم المتأصلة، ومال إلى التصوف في فترة انحطاطه، وعلى هذا الأساس لم ينظر الخطيبي إلى مفهوم الانحطاط نظرة سلبية، بل اتجه إلى ما هو إيجابي في هذا المفهوم، على اعتبار أن ضعف المجتمع العربي يكمن في قوته الصوفية واللاهوتية.

 

أما الاستشراق الذي أسس له الغرب، فإن الخطيبي وضعه في أزمة، مستشهدًا بتمركز الفكر الأوروبي حول الذات، وعدم اعترافه بالتواجد العربي، والحقيقة أن قضية الاستشراق يجب تجاوزها، والتفكير في قضية عدم التواجد العربي في حد ذاتها، لأنها أساس الانطلاق، خاصة أن الاستشراق ما هو إلا مد لخيوط الميتافيزيقا والفكر الهامشي، الذي وضع العرب في طريق التراجع والتخلف.

 

وأثار الخطيبي أيضًا علاقة العرب بالتقنية، أو ما يسميه منطق العقلانية، ويرى أن الكيان العربي لم يتخلص من الفكر اللاهوتي في دخوله عصر التقنية، فإذا كان الغرب عاجز عن الخروج من طابع السيطرة والاستعباد الذي تفرضه التقنية، فإن العرب الخاضعين لهذه السيطرة، لن يتغلبوا على التأخر ما دام الفكر اللاهوتي يسيطر على الأذهان، لذلك يتجه نقد الخطيبي نحو ضرورة فك اللاهوت وجرده عن التقنية.

 

من بين النقاط المهمة في هذا المحور كذلك، حديث الخطيبي عن الماركسية والأوهام التي يتبعها الوطني العربي في القول: إنه يتبنى الماركسية كتقنية وليس كإيديولوجية. في هذا السياق، فالماركسية التي نريد بها الإصلاح، تتحول بفعل استراتيجيتها اللاهوتية، إلى ثقل آخر يزيد من تبعيتنا كعرب للغرب، ولن يحقق الكيان العربي أي خطوة راقية، ما دام لم يؤمن بفكر الاختلاف.

 

وفي ناحية أخرى، يرى الخطيبي أن نقد التراث وقطع الصلة معه، لن يتم إلا بمعرفة هذا التراث، وهي معرفة تتطلب تكوين هوية تعددية للكيان العربي، وتكون غير لاهوتية، لكونها بهذه الطريقة، تؤكد على مفهوم الاختلاف. ومن ذلك امتد نقد الخطيبي إلى الثقافة الشعبية النابعة من النظام القبلي، والتي أخذت طريقها نحو الاختناق، وهذا راجع إلى المنطق الشمولي الذي تفرضه التقنية، ذلك أن الثقافة الشعبية يمكن أن نتحسس بها في اختلافها مع النظام المديني الأرستقراطي، وهو ما يجعلنا قادرين على خلق ثقافتين مختلفتين، وذلك عن طريق التفكيك بين شعبية القبيلة وارستقراطية المدينة من الانصهار الذي أحاط به نظام التقنية أو ما يسمى منطق العقلانية.

 

وقد طال نقد الخطيبي أيضًا الدين الإسلامي والدين المسيحي في تعامل الكيان العربي معهما، فالأول تحول من العقيدة والممارسة الدينية إلى إيديولوجية تغطي جانبًا من العلمانية الذاتية، في هذا السياق نجد الحكام يستعملون الدين في الحكم على الشعب لكنهم علمانيون. أما الثاني يكمن في ابتعاد المسلم عن المسيحية باعتبارها دين الذنب، وهذا يعني أن المسلم بهذه الطريقة لا يمكنه أن يعرف شيئًا عن هذه الديانة أو ما بداخل لهوتها، فكيف له أن يحدد الاختلاف بينها وبين الدين الإسلامي.

 

لم يقف الخطيبي عند هذا الحد، بل مد خيوط نقده إلى موضوع التحليل النفسي، فالعرب ينددون بهذا التحليل لأنه علم يهودي، والغرب يدعي أن التحليل النفسي لا يصلح إلا لمن ينتمي لمنظومته الاجتماعية.

 

إذن فالخطيبي يدعو إلى الاهتمام بموضوع الاختلاف، فغيابه أدى إلى طمس الهويات وسط الفكر الشمولي الغربي، وفكر الاختلاف وحده القادر على اقتحام المعرفة الغربية في أوجهها المتعددة، وعن طريقه في نفس الوقت يستطيع الفكر العربي الخروج من التلف في ميدان العلوم الإنسانية.

 

ومن خلال قراءة هذا المحور يمكن الخروج باستنتاجين رئيسيين:

الاستنتاج الأولى: إن هذه النصوص الذي تحدث فيها الخطيبي عن المغرب كأفق للفكر، لا وجود فيها للحدود فاصلة بين المغرب والمغرب الكبير أو المغرب العربي، فهما وجهتان لعملة واحدة، وكلاهما يعيشان في صلب الهواجس والتوترات، ويمثلان موضوعًا مهمشا يغيب عنه التفكير، “إن المغرب الكبير الجدري يظل لا مفكرًا فيه، وكلمة جدري، لها معنى مزدوج: جدورًا وقطائعًا”[9]، فالمغرب موضوع لم يدرس بشكل تحليلي مدقق، ولم ننغمس داخل جدوره، وكل قضاياه شهدت إقصاء ممنهج “هذا المغرب البديع، يوجد في طور التدمير، إذ تلف اللامبالاة ذاكرته وبمعنى ما فإننا نستمر في هذا التدمير الذي أدخله الاستعمار والأنثولوجيا” [10]. وفي هذا السياق، يوجه الخطيبي كلامه إلى المثقفين المغاربة بالقول: “ليس هناك شيئًا كبيرًا في الثقافة المغربية حول الطبقات الاجتماعية والدولة وحول تحولات المجتمع المغربي (…). إن ما لم يأخذه المثقفون على عاتقهم، هو العلاقة بين المجتمع والسياسة والدين، وهو شيء مهم”[11]، وهو كلام يصلح أن يطال كل المثقفين العرب.

 

الاستنتاج الثاني: إن الخطيبي يرى أن “المغرب لم يستفد بالمعنى الحقيقي من فكر فلسفي (عظيم) علمي أو أدبي”[12]، فيقول: “إن ابن خلدون ليس للمغاربة وحدهم: فقد كانت رسالته عربية”[13]، وبهذا المعنى فالمغرب لم يشارك في الثقافة المكتوبة إلا بطريقة هامشية، فكل عناصره الثقافية والاجتماعية والتاريخية واللغوية شهدت إهمالًا واضحًا: “إن المسألة البعيدة ما تزال محجوبة المغرب القديم الذي لا أبجدية له، يدخل في جسم الشعب، في جوف الطغيان التاريخي”[14]، وهذه هي أبرز الصور التي وضع عليها الخطيبي المغرب كأفق للفكر، وحاول من خلالها فحص المغرب بشكل عميق بعيدًا عن كل ما هو نظري متكرر، وهذا ما يسميه بنوع من “الكتابة القلبية”[15] أي التي “تخرج على المنطق فيما هي بداخله”[16].

هكذا عمل الخطيبي على إيجاد مسلك ومسار جديد لإعادة النظر في موضوع المغرب كأفق للفكر، وهذا المسار يستلزم تفكيك كل ما يرتبط بهذا الموضوع، ووضعه في إطار النقد والمسائلة، وتجاوز كل الأفكار السائدة المتكررة، لأنها لا تفيد في شيء، فهي تظل معطيات نظرية ولا تحرك ساكنًا.

 

المحور الثاني: الصهيونية واليسار الغربي:

تحت عنوان “الصهيونية واليسار الغربي”، يفتتح الخطيبي مرحلة أخرى من المراحل التي طالها نقده المزدوج، وهي مرحلة المحور الثاني من الكتاب، ويهدف الخطيبي في عرضه لمعطيات هذا المحور إلى تقديم نقد لما يسمى بالصهيونية وعلاقتها باليسار الغربي، وخاصة اليسار الفرنسي، وعلاقة ذلك أيضًا مع ما يجري في فلسطين والاحتلال الاسرائيلي لها، والخطيبي له مسعى واحد في هذا المحور، هو البحث عن خبايا الأخلاق السياسية التي تخص هذه القضية[17].

 

يرى الخطيبي أن “الدولة الإسرائيلية” التي تتبنى الصهيونية كإيديولوجية تتجاوز التاريخ، وتعتمد على أسس سياسية من قبيل التمييز العنصري والديني، والتركيز على اللاهوت بخلق فكرة الشعب المختار، وغيره من الاستراتيجيات الإيديولوجية في صراعها مع الشعب الفلسطيني والعربي بشكل عام، يخفي من ورائه استراتيجية غربية في جوانب متعددة، يقودها ما يسميه بالوعي الشقي، وأول هذه الخطط والاستراتيجيات، خلق ممثل غربي تتزعمه إسرائيل في منطقة الشرق العربية، واستفادت الغرب من الحروب العربية الإسرائيلية، خاصة أمريكا وروسيا من الكشف عن فعالية الأسلحة الدقيقة، وإن الغرب يسعى دائمًا إلى تكريس هذه الحرب ومد خيوطها في المنطقة، لأنه يعلم بأن استمرار الحرب هناك يعني ضمان أمن وسلام في مناطقه، والباحث يشير هنا بشكل ضمني إلى ما تسبب به اليهود في الحربين العالميتين، والخطيبي يسعى للكشف عن خفايا الاستراتيجية الغربية وفضحها، ويقوم في نفس الوقت بنقدها عن طريق وضع إسرائيل فيما أسماه “الوعي الشقي”[18]، الذي يتجه نحو فصل الوعي اليهودي عن أصله، لأن الصهيونية ليست عودة إلى ذات أصلية، بل هي مذهب لاهوتي لا يعترف بالآخر، وهي بذلك تقبع في منبع الاستراتيجية الغربية، “إنني أرمي إذًا إلى انتقاد عام للصهيونية من حيث إنها وعي شقي”[19].

 

وفي عرضه لهذه الأفكار، قدم الخطيبي مفهوم الصهيونية وأبعادها الانقسامية، وتناقضاتها الازدواجية، في رغبة منه إلى نقد هذه المرتكزات التي تؤسس عليها شرعيتها في قيام “دولة إسرائيلية” في الشرق الأوسط، وينطلق الخطيبي في تفكيك الازدواجية فيما أسماه بالوعي الشقي، الذي وضعته الصهيونية كأرضية لتبرير السطو على الأرض وخلق الأصل والمكان المركزي، والباحث يضع هذا الوعي الشقي في أزمة لكي يكشف عن خيوطه الميتافيزيقية. فبيّن كيف أن هذا الوعي الشقي يجعل الصهيونية تخلق لنفسها ولليهود نضالًا، يدفعها لذلك شعورها بالذنب الذي أسقطته على العرب باعتبار اليهود قد تعرضوا لإبادة النازيين، والذنب هو أنهم هاجروا مواطنهم الأصلية في اتجاه أوروبا، لذلك حاولوا شرعنة بنائهم “لدولة إسرائيلية” عن طريق الشعور بالذنب الذي سيزول في نظرهم باستقرارهم في الأراضي الفلسطينية، فهذه الأيديولوجية هي التي تغطي المشروع اليهودي، وفي نفس الوقت تتيح فرصة أمام الغرب في دعم هذا المشروع، وقد عرض الخطيبي مجموعة من المقالات ذات النزعة الصهيونية، رغبة منه في كشف الحجاب عنها وتعريتها من ناحيتها الإيديولوجية[20].

 

وقد شكل سارتر بالنسبة للخطيبي في اتجاهه النقدي، العنصر الذي ينبغي التعامل معه بحذر، وبيّن كيف يتنكر سارتر لهذا النزاع بحياد مكذوب ينطوي على موقف مزدوج. ففي مطلع النص، قدم الخطيبي عرضًا يتحدث فيه عن الإعجاب الذي كان يجده فكر سارتر بعيدًا عن القضية الفلسطينية والإسرائيلية، واصفًا إياه بالمندد للصور الاستعمارية وكل أصناف العنصرية، غير أن سارتر نفسه تحول في مواقفه عندما أصبح مهتمًا بالقضية الفلسطينية والإسرائيلية إلى جسد ممزق يعيش على ازدواجية تنطوي في نهاية الأمر على موقف متناقض ذائب في الفكر الإيديولوجي الصهيوني، وإن سارتر الذي أصبح يعيش على هذه التناقضات الساخرة، برز فكره بدموع الوعي الشقي والإحساس بالذنب، بخلفية الإبادة التي تعرض لها اليهود من طرف النازية، وكشف الخطيبي عن ادعاءات سارتر حول تاريخية الوجود الإسرائيلي الذي قابله وجود “اللاجئين الفلسطينيين”، متبنيًا إيديولوجية صهيونية يحاول من خلالها إخفاء انحيازه للدولة الإسرائيلية والشعب اليهودي، فهو يطالب بإقامة “دولة إسرائيلية”، لكنه في الوقت نفسه اتخذ موقفًا مساندًا لإقامة دولة فلسطينية مسالمة، وعمد في هذه الازدواجية إلى عملية من التضليل، كونه يتحدث عن السلم الذي يعد في حقيقة الأمر سلمًا لصالح الصهاينة، وهذا شكل من أشكال ازدواجية سارتر المتعددة لدعم الحركة الصهيونية بأخلاق سياسية يتزعمها مبدأ الوعي الشقي[21].

 

وبعبارة “هل كان ماركس مناهض لليهود؟ أو كيف يقضي (مسراهي) على الجدل؟[22]يبني الخطيبي نقده لادعاءات روبير مسراهي حول كون ماركس ضد اليهودية، هذا الادعاء الذي جاء به مسراهي طرح أسسه من خلال كتاب ماركس “حول المسألة اليهودية”، واعتبره خائنًا لليهود وللصهيونية، وإن هذا السياق الإيديولوجي الصهيوني، حاول من خلاله عبد الكبير الخطيبي أن يكشف خيوط التضليل التي استخدمها مسراهي، في محاولته جعل ماركس مناهض لليهودية، ورغبته في التخلص من الوعي الشقي، وهذه المسألة أشار إليها إسحاق دويتشر في كتابه “اليهودي اللايهودي”، والذي من خلاله قدم لائحة من الشخصيات التي اعتبرها الصهاينة من اليهود الهراطقة، من أمثال ماركس، روزا لوكسمبرج، تروتسكي، اسبينوزا هاين، وغيرهم[23]. وقد بين الخطيبي الصورة المشوهة التي أضفاها مسراهي على فكر ماركس، وانطلق في إثبات التنكر والخداع المسراهي من معالجة ما جاء به كارل ماركس في كتابه “المسألة اليهودية”، الذي حلل فيه وضعية اليهود من خلال المنظور الطبقي، حيث عرض الباحث تحليلًا نظريًا أبان فيه عن شعور ماركس بوعيه اليهودي المتمزق.

 

وفي هذا التحليل وضح الخطيبي أن ماركس الذي انتقد الدين ودعا إلى التحرر منه، لم يكن يتوجه إلى الدين اليهودي كما يتخيل مسراهي، ولم يكن في نيته القضاء على اليهود، وإن ماركس في نقده للدين لم يعر امتيازًا لليهودية التي تعتبر نفسها شعب الله المختار، ولذلك اعتبره اليهود مجرمًا في حقهم، كما أن نقد ماركس للرأس المال يحمل في مضامينه إغفال الأقلية اليهودية التي كانت تعيش كطبقة بروليتارية على الاضطهاد، ويقر الخطيبي بأن هذه التفسيرات التي يقدمها مسراهي حول ماركس، وراءها أيديولوجية صهيونية يرمي من خلالها إلى فضح معادات اليهود، وتسليط الضوء على هذه المعادات أينما وجدت، وبالتالي مناهضة كل أشكال الصراع الطبقي الذي شكل أساس نقد ماركس، فماركس قام بتحليل ونقد علمي للمجتمع والاقتصاد، وكان هدفه من ذلك هدم الوعي الشقي الذي ينطوي تحت وعي زائف، والذي تبرر به اليهودية أهدافها ووحدتها وأصلها وهويتها، وإن مسراهي يصد كل ما ينبع من فكر ماركس، ويحول أفكاره تارة إلى كراهية لليهود يؤكدها بمنطق التحليل الطبقي الماركسي، وتارة أخرى إلى مناهضة الصهيونية، حيث يحللها بمنطق التحليل النفسي الذي يستند فيه إلى عائلة ماركس، وخاصة أبيه الذي كان مناهضًا للحركة اليهودية الصهيونية، ومسراهي وضع أيضا ماركس في ثنائية الأخلاق المانوية[24] القائمة على الأوهام، لذلك يقر الخطيبي بأن الصهيونية ترى في ماركس حلمًا مزعجًا لاستراتيجيتها، فما الداعي لهذا الإزعاج؟ وبعيدا عن مسراهي ما سر كراهية اليهود لماركس؟ يتساءل الخطيبي.

 

يجيب الخطيبي عن هذه الأسئلة بالكشف عن دور الماركسية في مجابهة حركة الوعي الشقي الوهمية، فمن خلال هذا المعطى ينزع الخطيبي الستار عن استراتيجية الحركة الصهيونية، ويفضح تحالفها مع الإمبريالية الغربية، وعلاقة الماركسية بهذا التحالف على اعتبار أن الماركسية التي تستند في مبادئها إلى الثورية وتحطيم الرأسمالية الإمبريالية، فإنها تستهدف بند القضاء على الدولة الإسرائيلية ذات البناء الصهيوني، وإن كان هذا هو هدف الماركسية فإنها لا تنوي حسب الخطيبي القضاء على اليهود، وإنما تحطيم سيطرتهم العسكرية والسياسية، هذه الجدلية المتناقضة الناتجة عن تناقض الماركسية مع الامبريالية، هي سر القضاء على “الدولة الإسرائيلية”. ومن ناحية أخرى، يربط الخطيبي هذا التناقض في حالة ما إذا كان اليهودي الذي يعتنق الماركسية يجد نفسه مناهض لقيام الدولة الإسرائيلية أيضا.

 

ومما يتصل بهذا التناقض، أن الاستراتيجية الصهيونية تدرك حق الإدراك بأنها خضعت فلسطين لغزو استعماري، تهدف فيه عكس الاحتلالات السابقة إلى إقصاء السكان الفلسطينيين، ونجدها تجري وراء إعادة النظر في توجهات ماركس من خلال شرعنة القيام بثورة ضد هذه التوجهات، وذلك بهدف جعل الثورة كأنها حق من حقوق الشعب اليهودي. وبناء على ذلك، يقر الخطيبي بأن القضية التي يدافع عنها في هذا الموضوع، والتي لها علاقة بالقراءة الماركسية، هي تعميم الصراع الطبقي في الشرق الأوسط، لأنه يعتبره الحل الوحيد لكي يتخلص الإسرائيلي والفلسطيني من المشكلة الوطنية.

 

الملاحظ أن الخطيبي في هذا الموضوع يتجاوز الفكر اللاهوتي الميتافيزيقي للتراث، لأن هذا الجانب لا يستند إلى جوانب علمية، أي أن التراث مثلا لا يُقرأ من ناحيته التاريخية، بل يُقرأ من حيث هو تشكل للهوية أصلًا ومركزًا[25]، فالخطيبي يرفض الميتافيزيقية في التراث، لكنه لا يعني بذلك إقصاء التراث و عدم دراسة الميتافيزيقا، فهو يسعى إلى اعتبار التراث يشكل هوية ووحدة معينة، ويدعوا إما إلى إحداث قطيعة معه بشكل نهائي بهدف الوصول إلى حداثة الآخر والتعاطي معه كموطن لحداثة أخرى، وإما انتقاء الجوانب الصالحة في هذا التراث، والخطيبي في هذا السياق يحاول في نقده المزدوج إبعاد اللاهوت من التراث، وبالتالي التعامل معه في تاريخيته ونسبيته كجزء من تراث التاريخ البشري ساهم فيه الكل [26]، إنه باختصار عملية من التفكيك والتأكيد على وجود الاختلاف.

 

المحور الثالث: سوسيولوجيا المغرب العربي

خصص الخطيبي المحول الثالث من كتابه للحديث عن “سوسيولوجيا المغرب العربي“، حيث ينطلق في هذا الفصل من ثلاثة فرضيات، الفرضية الأولى يهدف فيها نقده المزدوج إلى تفكيك المفهومات الناتجة عن المعرفة والكتابة السوسيولوجية ذات الطابع الغربي، والتي تتحدث باسم العالم العربي، ونقد وتفكيك الكتابة السوسيولوجية التي أنجزتهما المجتمعات العربية حول نفسها.

 

ويريد الخطيبي بالنسبة لهذا التفكيك أن يتجاوز التكرار الذي غالبًا ما تقبع فيه تلك الكتابات، وأول ما يبدأ به إعادة النظر في كل مواضيع العلوم الاجتماعية، لكونها ارتبطت بالغرب، وجاءت في فترة تسلطه الإمبريالي، وإعادة النظر هذه تنطلق بالنسبة للخطيبي من نقطة وأصل تفكير الغرب، الذي طغى عليه وعلى معرفته الجانب الميتافيزيقي، والخطيبي يسعى إلى نزع هذا الجانب عن الكتابات سواء العربية أو الغربية[27].

 

لقد ارتبطت هذه الكتابات بمفاهيم ميتافيزيقية جعلتها منها غامضة، بل إن بعض الكتاب يدمجون تلك المفاهيم في كتاباتهم السوسيولوجية، وهم لا يعلمون بأنها كلمات ومفاهيم ميتافيزيقية، قد تجعل من كتابتهم استجابة لذات المركزية الأوروبية، مع العلم أنه غالبًا ما يكون في نيتهم تجاوز هذه المركزية، من هنا يبدأ الخطيبي الجانب الثاني من نقده المزدوج، وهي نقد الفكر العربي الذي يرى فيه أن الكتابات العربية الحاملة للنزعة التوفيقية[28]، تحتاج بدورها إلى عملية تفكيكية خاصة. ومن خلال هذه المعطيات يرى الخطيبي أنه من الضروري رفض الكليات الميتافيزيقية التي دائمًا ما تؤدي إلى صراع الذوات، وهذا من شأنه أن يوجه السوسيولوجيا نحو العلمية.

 

أما الفرضية الثانية، ينطلق فيها الخطيبي من رغبة حددها في إحداث قطيعة مع السيطرة الثقافية الغربية، وذلك عن طريق جعل الكتابة السوسيولوجية كتابة للتاريخ من خلال وقائعه المادية، وكتابة العلم بصفتها ذات أسس مستقلة، والكتابة الإيديولوجية باعتبارها كتابة موازية.

 

فالكتابة العربية بصفة عامة، عجزت عن الإقلاع عن الميتافيزيقا التي جعلتها دائمة الغطس في المعرفة الغربية، ولا تجيد سبيلا للخروج منها. لكن الخطيبي يرى من ناحية أخرى أن الكتابة العربية على الأقل لها استقلالية من حيث اللغة، وهذا بالنسبة له كاف في خلق استقلالية المعرفة العربية في باقي جوانبها الأخرى، ولكي يتحقق ذلك، يعلن الخطيبي بأن هناك ثلاثة أنماط نظرية، الأولى تنظيمية تشرع أيديولوجية التمركز حول الذات مع الإعلان عن وجود نزعة إنسانية، وأخرى شمولية مجردة تبعد جدلية الخصوصي والشمولي، وجدل الهوية والاختلاف. والثانية نقدية تزحزح المعرفة الغربية عن المركز، وتغير أرضيتها الفلسفية، وبذلك تؤسس لمبدأ الاختلاف في المعرفة. والثالثة يسميها الخطيبي مائلة، بمعنى أنها لا تباشر أيديولوجية التمركز حول الذات وتضل منفتحة[29].

 

وعلى كل، تنبني فرضية الخطيبي في هذه النقطة على محاولة نزع المفاهيم الميتافيزيقية عن كل من المعرفة الغربية والعربية، وإعادة التفكير في المقومات الإيجابية للعلوم الاجتماعية، بما هي إدراك للواقع المادي الواقعي للتاريخ، وهذا هو أساس نقد الخطيبي المزدوج[30].

 

بينما تتمحور آخر الفرضيات بالنسبة للخطيبي في إطار نقده المزدوج، حول الموقع الهامشي الذي تحتله المعرفة العربية لدى المعرفة الغربية، كونها لا تخرج عنها أولًا، ولا تتخذ لنفسها مكانًا تستطيع من خلاله بناء محتوياتها المستقلة ثانيًا، والخطيبي يرى أن نقده المزدوج يرمي إلى تحقيق مسعى المعرفة العربية خارج المعرفة الغربية، من خلال معارضتها ووضعها في نظريات للكشف عن ملابسات هذه المعرفة، خاصة أنها ارتبطت بقضايا الاستعمار والامبريالية، وهذه المعارضة لا يجب أن تخرج عن نطاق الكتابة التاريخية السوسيولوجية، لأنها الكفيلة بتوسيع مجال التفكير في هذا الموضوع، وبما أن اللغة كما سبق القول احتفظت باستقلاليتها بالنسبة للمعرفة العربية، فإنها تعد منطلقًا للوقوف في وجه المعرفة الغربية، عن طريق إنشاء أجهزة مفاهيمية يتم إدراكها بنظام اصطلاحي خاص بتلك اللغة التي هي اللغة العربية.

 

وتدعيمًا لهذه المعطيات، يقدم الخطيبي نموذجًا يجمع فيه المعرفة الغربية بالمعرفة العربية في عنوان سماه المراتب الاجتماعية بالمغرب قبل الاستعمار، ويتحدث فيه عن تسلسل الطبقات الاجتماعية في المغرب بهدف معرفة موضوعها التاريخي، وتفكيك المعرفة الناتجة عنها سواء كانت هذه المعرفة عربية أو غربية، وينطلق في هذه الدراسة من نظرية ابن خلدون حول المنظومة الاجتماعية، ومحاولة ربطها بمنهج ماركس (نمط الإنتاج الأسيوي)، والمنهج الأنثروبولوجي كنظام تجزيئي.

 

تلك الدراسة جاءت لتناقش المعرفة التاريخية التي ارتبطت كتاباتها بنوع من التعبير عن اثبات الهوية، غير أنها لم تتوصل إلى نوع من التساؤل عن الهوية في حد ذاتها، ذلك أن المعرفة العربية وكتاباتها التاريخية، حددت لنفسها تفسيرات دينية لا نهائية حول كلام الله، في وقت كانت فيه المعرفة الغربية تسير نحو التطور، وتهيئ لحركة امبريالية لا زالت آثارها إلى اليوم.

 

هذه الكتابات الدينية التي انغمست فيها المعرفة العربية، شكّل فيها ابن خلدون الاستثناء في كتابه المقدمة، ويورد الباحث مميزات هذه المقدمة من خلال قراءتين مختلفتين، الأولى تتحدث عن المعرفة الجديدة لابن خلدون، وتأسيسه لعلم جديد في الكتابة التاريخية، التي قام بتطويرها إلى معرفة نقدية، انتقد فيها الكتابات التي كانت تتحدث عن تاريخ الأسر والطبقات المسيطرة، وإحداث قطيعة معرفية مع تلك الكتابات. أما الثانية، ترمي إلى وضع نظام اجتماعي عن طريق تبني المنهج البنيوي، بهدف إنشاء تاريخ كوني يتأسس على الزمن الطويل الذي غير أساس الكتابة التاريخية، وكان الهدف من ذكر بن خلدون هو إبراز التناقضات المفاهمية لهذا المفكر، سواء في حديثه عن مراتب مجتمع النظام القبلي ومفهوم العصبية، أو عن الدولة والسلطة المركزية، ثم إعادة تأويل هذه المفاهيم بمقارنتها ودراستها جنبًا إلى جنب مع مراتب نمط الإنتاج الأسيوي كما جاءت عند ماركس، للكشف عن قصور المعرفة التاريخية لتّاريخ الاقتصادي والاجتماعي للمغرب. ومن جهة أخرى، دراستها مع المنظومة التجزيئية للكشف عن النظام الداخلي للمجتمع القبلي الذي أهمله بن خلدون، وذلك بالعودة إلى كتابات دور كايم حول تقسيم العمل الاجتماعي في المجتمع القبائلي.

 

 

خاتــــــمــــة

الملاحظ في هذه القراءة لكتاب النقد المزدوج، هو أن هناك تكامل للمناهج الدراسية، فالمنهج التفكيكي الذي قدمه الخطيبي قادر على القيام بعملية علمية تحفظ المنهج الماركسي لكيلا يسقط في الكليات الميتافيزيقية. ومن ناحية أخرى، يؤدي إلى إبعاد ما يسمى بالمركزية والهامشية في المعرفة، وينتهي إلى إحداث توازن وتساوي بينهما، وبهذه الكيفية يعطي طابعًا علميًا لتلك المعرفة، ويجعلها كونية تتجاوز الخصوصيات.

 

ومما هو أهم من ذلك أن الخطيبي في كتابه ونقده، قد فتح  أمامنا رؤية جديدة في كيفية التعامل مع الخطابين الغربي والعربي، وذلك من أجل بناء معرفة عربية قادرة على أخذ استقلاليتها والتخلص من التبعية، ولن يتأتّى ذلك إلّا من خلال استخدام المنهج النقدي، الذي يكون هدفه تفكيك كل المفهومات المنبثقة عن هذين الخطابين، وتجاوز كل السياقات الجاهزة والمتكررة، ومحاولة القفز على كل المواضيع النظرية، التي تظل رغم ما تأتي به من جديد غير قادرة على خلق التأثير الحقيقي. في هذا الاتجاه يؤكد موضوع الاختلاف عند الخطيبي، على أنه أفضل مسار ينبغي على كل باحث أن يتناوله، خاصة في الكتابة التاريخية والسوسيولوجية، وهذا من شأنه أن يخرج المعرفة العربية بأفكارها المستقلة من صهارة المعرفة الغربية.

 

 

قائمة المراجع:

 [1] أحمد الواصل، الخطيبي إلى العربية: تأسيس كتابة سوسيولوجية، صحيفة الرياض، آخر تحديث (27\12\2016).

http://www.alriyadh.com/434932  (last modified 27\12\2016)

[2] عبد الكبير الخطيبي، الباحث الناقد، مجلة الكرمل، ملف حول الثقافة المغربية، العدد 11، 1984، ص194.

[3] نفس المصدر، ص194.

[4] نفس المصدر، ص195.

[5] ايسر الدبو، التفكيكية في العصر الحديث، شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية، (آخر تحديث 02\01\2017).

http://www.alfaseeh.net/vb/showthread.php?t=25105 (last modified 02\01\2017).

[6] المرجع نفسه.

[7] المرجع نفسه.

[8] المرجع نفسه.

[9] Abdelkebir khatibi, N. Abdi, A. Meddeb: presentation, In les Temps Moderns (du Maghreb) October 1977, 33 annee, n 375 bism p. 132.

[10] Abdelkebir khatibi, Penser le Maghreb, SMER, Rabat 1993, p. 132.

[11] نفس المصدر، ص106.

[12] عبد الكريم الخطيبي، النقد المزدوج، (بيروت، منشورات الجمل)، 2009، ترجمة مجموعة من الباحثين، الطبعة الأولى، ص18.

[13] نفس المصدر، ص19.

[14] نفس المصدر، ص19.

[15] عبد الكبير الخطيبي، الاسم العربي الجريح، (بيروت، منشورات الجمل)، ترجمة محمد بنيس، ص9.

[16] نفس المصدر، ص9.

[17] نفس المصدر، ص39-40.

[18] عبد الكريم الخطيبي، مصدر سابق، ص 40.

[19] عبد الكريم الخطيبي، مصدر سابق، ص 39.

[20] عبد الكبير الخطيبي، مصدر سابق، ص 50-52-66-74.

[21] عبد الكبير الخطيبي، مصدر سابق، ص75-95.

[22] عبد الكبير الخطيبي، مصدر سابق، ص 99.

[23] دويتشر إسحاق، اليهودي اللايهودي، (بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر)، ترجمة ماهر كيالي، ص 10.

[24] الأخلاق المانوية: هي أخلاق نابعة من الديانة المنوية، وهي ديانة وثنية تنسب في الأصل إلى (ماني بن فتك)، وقد عاصر (ماني) زمان (سابور بن اردسير) امبراطور بلاد الفرس في ذلك الوقت، كان ماني قد اعتنق المسيحية لفترة، وكان يحاور اليهود والوثنيين إلى أن عهد إلى المقارنة بين الديانتين المسيحية والمجوسية، واخذ ما أعجبه فيهما وخرج بديانته الجديدة التي هي الديانة المنوية، يقوم اعتقاد الديانة المانوية على أن العالم مركب من أصلين قديمين، أحدهما النور والآخر الظلمة، وكان النور هو العنصر الهام للمخلوق، لذلك نصب الإله عرشه في مملكة النور، ولكن لأنه كان نقيا غير أهل للصراع مع الشر فقد استدعى “أم الحياة” التي استدعت بدورها “الانسان القديم”، فنشأ ما يسمى بالثالوث المسيحي “الأب والأم والابن”، ثم إن هذا الانسان والذي سمي أيضا “الابن الحنون” اعتبره مخلصًا لأنه انتصر على قوى الظلام بجلده وجرأته، ومع ذلك استلزم وجوده وجود سمة أخرى له، وهي سمة المعاناة، وهذه هي ثنائية الأخلاق المانوية كما هي أعلاه.

[25] ياسين إيزي، قراءة فس كتاب لصاحبه عبد الكبير الخطيبي “القسم الثاني من الكتاب”، أنفاس نت، (آخر تحديث في 8 يناير 2016)

http://www.anfasse.org/2010-12-30-16-04-13/2010-12-05-17-29-12/6492 (last modified 08\01\2016).

[26] المرجع نفسه.

[27] عبد الكريم الخطيبي، مصدر سابق، ص163.

[28] أي أنها توفق بين الإيديولوجية الإسلامية والثيوقراطية.

[29] عبد الكريم الخطيبي، مصدر سابق، ص169.

[30] عبد الكريم الخطيبي، مصدر سابق، ص181.

 

 

 

اترك تعليقاً