مفاهيم ومصطلحات سياسية – ” الإبادة الجماعية “.

الدكتور/هشام حداد- خبير العلاقات الدولية والتخطيط الاستراتيجي الدولي. 

مفاهيم الإبادة الجماعية وفق رؤية العلماء: 

قدم رافائيل لمكين” Raphael Lemkine” الفقيه القانوني البولوني اقتراحاً إلى المؤتمر الدولي لتوحيد القانون الجنائي الذي عقد في مدريد سنة 1933م طلب فيه تدوين ما اسماه“جرائم الهمجية والتخريب” المتصلة بحظر إبادة الجماعات العرقية والإثنية والدينية وقدم قدم هذا الإقتراح بناء على المذابح التي ارتكبت في حق الأرمن وغيرهم من الأقليات خلال الحرب العالمية الأولى وكان يقصد بمصطلح “الهمجية التدمير المتعمد للجماعات القومية والعرقية والإثنية والدينية بينما كان يعني بمصطلح “التخريب” تدمير الأعمال الفنية والثقافية كونها تعبيراً عن العبقرية الخاصة بهذه الجماعات.

 

 

وخلال الحرب العالمية الثانية لجأت القيادة النازية“Nazi” إلى مجموعه من السياسات المتعلقة بالكثافة السكانية التي تهدف إلى:  إعادة بناء التكوين العرقي لأوروبا بالقوة،  وذلك باستخدام القتل الجماعي كأداة للوصول إلى مبتغاها،  ففي22يناير1941م غزت ألمانيا النازية الإتحاد السوفيتي السابق ومع تقدم القوات العسكرية باتجاه الشرق اقترفت أعمالاً وحشية دفعت رئيس الوزراء البريطاني”وينستون تشرشل”Churchil”إلى التصريح في 24أغسطس1941م قائلاً”نحن أمام جريمة لا أجد لها اسماً”.

وأمام هذه المأساة أحدث الفقيه” رافائيل لمكين “مصطلحاً لغوياً جديداً وهو(Genocide) ليحل محل المصطلح القديم:“barbarity and vandalism” أي “جرائم الهمجية والتخريب”. 

ومصطلح(Genocide) يعني الإبادة الجماعية أو إبادة الجنس البشري وهذا المصطلح يتكون من مقطعين المقطع الأول: وهو كلمه(Geno) وهي كلمه يونانية الأصل وتعني الجنس أو الأمة أو الجماعة أو السلالة أو القبيلة،  وكلمه(Cide) وهي كلمه لاتينية وتعني القتل ليصف بهذا المصطلح المجازر والسياسة الشنيعة المتخذة من طرف دول المحور في أوروبا المحتلة.

وقد عرف “رفائيل ليمكن”جريمة الإبادة الجماعية على أنها: “تدمير جماعه إثنية، بحيث يكون هذا التدمير أو الافناء بقتل كل أفراد هذه الجماعة إلى جانب التخطيط المنسق الهادف إلى تدمير المقومات الأساسية لحياه تلك الجماعة،  وذلك بتفكيك مؤسساتها السياسية والإجتماعية وثقافتها ولغتها وشعورها الوطني ودينها وحياتها الإقتصادية،  بحيث يتمثل المغزي من التدمير:  هو القضاء علي الجماعة بصفتها كيان،  وهو موجه ضد الأفراد لا بصفاتهم الشخصية وإنما لانتمائهم لهذه الجماعة المعنية بذاتها”.

كما عرفها الفقيه السويسري “جرافن” “Graven” بأنها إبادة جماعة ما إبادة كلية أو جزئية وقهرها بلا ذنب اقترفته،  سواء أنها تنتسب إلى جماعة قومية أو جنس أو دين يخالف قومية أو جنس أو دين القتلة”.

 

الاتفاقية الدولية لمنع جريمة الإبادة عام 1948م: 

هذا وقد عرفت اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام1948في المادة الثانية منها جريمة الإبادة الجماعية علي النحو التالي:

” في هذه الاتفاقية تعني الإبادة الجماعية أياً من الأفعال التالية المرتكبة على قصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية”، بصفتها هذه:

( أ )- قتل أعضاء من الجماعة.

(ب)- إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة.

(ج)- إخضاع الجماعة، عمداً، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً.

(د)- فرض تدابير تستهدف الحيلولة دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة.

(هـ)- نقل أطفال من الجماعة عنوة إلى جماعة أخرى.

ونحن نري أن تعريف جريمة الإبادة الجماعية الذي أتى به نص المادة الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها،  يشوبه القصور والغموض علي حد سواء، وذلك لأنه لم يوضح المقصود بالمصطلحات التالية: جماعه قومية وجماعه اثنية وجماعه عنصرية وجماعه دينية هذا فضلاً عن أنه لم يحدد أصلاً ما المقصود بكلمه جماعة هذا من جهة،  ومن جهة أخرى نلاحظ أن هذا النص قد استبعد بعض الجماعات الأخرى من نطاق الجماعات المحمية بموجب هذه الإتفاقية،  وذلك مثل: الجماعات السياسية والجماعات الثقافية…الخ فمن خلال استبعاد الجماعات السياسية والجماعات الأخرى من الحماية بموجب الإتفاقية فإنها تكون قد تركت للحكومات إمكانية واسعة وخطيرة للتهرب من الإلتزامات الإنسانية التي تفرضها الإتفاقية، قصد ممارسة وارتكاب الإبادة الجماعية ضد هذه الجماعات،  وذلك تحت غطاء اتخاذ التدابير المناسبة للحفاظ علي أمن الدولة والنظام العام.

وجاءت المادة السادسة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بتعريف لجريمه الإبادة الجماعية مطابقاً تماما للمادة الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام1948، رغم مرور خمسين عاماً بين الإتفاقية وإنشاء المحكمة الجنائية الدولية، حيث جاء تعريف جريمة الإبادة الجماعية علي النحو التالي: “لغرض هذا النظام الأساسي تعني” الإبادة الجماعية” أي فعل من الأفعال التالية يرتكب بقصد إهلاك جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية بصفتها هذه،  إهلاكاً كلياً أو جزئياً:-

(أ)- قتل أفراد الجماعة.

(ب)-إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفراد الجماعة.

(ج)-إخضاع الجماعة عمداً لأحوال معيشية يقصد بها إهلاكها الفعلي كلياً أو   جزئياً.

(د)-فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة.

(هـ)-نقل أطفال الجماعة عنوة إلى جماعة أخري.

والملاحظ:  أن تعريف جريمة الإبادة الجماعية الذي أتى به نص المادة السادسة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يشوبه  نفس أوجه الغموض والقصور التي شابت نص المادة الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لأن النصين متطابقان تماماً.

الخلاصة: 

في ضوء ما تقدم نعرف الإبادة الجماعية على أنها: “تلك الأفعال التي ترتكب بشكل ممنهج،  وتهدف إلى التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة ما،  علي أسس اثنية أو عرقية أو دينية أو سياسة أو ثقافية أو أي أساس آخر والتي تتمثل في:

  • قتل أفراد الجماعة
  • إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفراد الجماعة.
  • إخضاع الجماعة عمداً لأحوال معيشية يقصد بها إهلاكها  الفعلي كلياً او جزئياً.
  • فرض تدابير تستهدف منع الانجاب داخل الجماعة.
  • نقل أطفال الجماعة عنوة إلى جماعه أخرى.

الوحدة السياسية- مركز المجدد للبحوث والدراسات. 

 

اترك تعليقاً