مما لا شك فيه أن الله بعث آدم عليه السلام وهو على عقيدة سليمة من عالم الألوهية، وعالم الجنة، وعالم الملائكة، وكان مزوَّداً بالمبادئ الأخلاقية الصالحة، وبثَّ آدم ذلك في أبنائه، واستجاب له من هداه الله، وشذَّ عنه من أغواه الشيطان… والله يبعث الرسل عندما يحيد العباد عن دينه وشرعه ويبتعدون عن فطرة الله التي فطر الناس عليها.. فيتبعون الهوى ويشركون بالله ويجعلون له أنداداً .. وهو كذلك عندما بعث الله أول أنبيائه بعد آدم، وهو نوح عليه السلام.

فكيف كانت الأمة البشرية الأولى بين هذين النبيين؟

ولمعرفة جواب هذا السؤال فإننا نطوي الزمان في وثبة هائلة لا ندري مداها، فنصل إلى ما قبل سيدنا نوح عليه السلام، إلى مجيء أبينا آدم عليه السلام. ونسأل عن الزمن ما بين آدم ونوح عليهما السلام، وهل كان الناس على التوحيد؟ .

روى ابن حِبَّان في صحيحه من حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال: كم كان بينه “أي آدم عليه السلام وبين نوح”؟ قال: “عشرة قرون” .

وروى الحاكم بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “كان بين نوح وآدم عشرة قرون“. وفي رواية: “كلهم على الإسلام.

قال ابن جرير: وقد رُوي عن جماعة من السلف أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على ملة الحق، وأن الكفر بالله إنما حدث في القرن الذي بعث فيه نوح عليه السلام، وقالوا: إن أول نبي أرسله الله إلى قوم بالإنذار والدعاء إلى توحيده نوح عليه السلام.

وهذا كله يؤكِّد أنَّ المدَّة بين آدم ونوح عليهما السلام أكثر مما ذكره المؤرخون من أنها مائة وست وعشرون سنة، ليس لهم في ذلك من سند غير الاعتماد على كتب بني إسرائيل في هذا الشأن. وقال ابن كثير: “وعلى تاريخ أهل الكتاب المتقدم يكون بين مولد نوح وموت آدم مائة وست وأربعون سنة، وكان بينهم عشرة قرون”.

وعمود النسب بين آدم ونوح عليهما السلام – وهم عشرة آباء- يتناسب مع العشرة القرون المذكورة في الآثار السابقة، فيكون كلُّ أب يُمثل قرناً من الزمن، إذ كان الواحد منهم يُعمِّر بما يزيد على ألف سنة أو ينقص منها قليلاً، إلا أن تحديد المدة التي بين آدم ونوح عليهما السلام يتوقف على معرفة المراد بالقرن، فإن القرن في أصل اللغة رأس الجبل، يطلق عرفاً على وقت من الزمن، وعلى جيلٍ من الناس، وفي عرف المتأخرين على مائة سنة .

قال ابن كثير: “فإن كان المراد بالقرن مائة سنة – كما هو المتبادر عند كثير من الناس – فبينهما ألف سنة لا محالة، لكن لا ينفي أن يكون أكثر من ذلك باعتبار ما قيد به ابن عباس بالإسلام، إذ قد يكون بينهما قرون أُخر متأخرة لم يكونوا على الإسلام، وإن كان المراد بالقرن الجيل من الناس كما في قوله تعالى: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ (الإسراء: 17) ، فقد كان الجيل قبل نوح يعمرون الدهور الطويلة، فعلى هذا يكون بين آدم ونوح ألوف من السنين، والله أعلم”.

وقد أيّد هذا القول عمر إيمان أبو بكر، فقال: “والذي يظهر لي أن الاحتمال الثاني من الاحتمالين اللَّذَين ذكرهما ابن كثير هو الأقرب إلى الصَّواب لما عُلم أنَّ الأجيال التي بعد آدم كانوا أمة واحدة على شريعة من الله مدة من الزمن كما سيأتي بإذن الله، ثم انطمست عندهم معالم التوحيد، فاختلفوا فيما بينهم، فبقي بعضهم على التوحيد وانحرف آخرون عنه، عندها بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، ومثل هذا التحوُّل لا يحدث عادة في مائة سنة من الزمن” .

ويقول الإمام الأكبر للأزهر الشريف الدكتور عبد الحليم محمود: “إن جميع ما يقال في ذلك إنما هو ضرب من التخمين، وإنَّ الآثار التي رويت في ذلك يمكن تأويلها على أنحاء شتى، فتكون ألفاً وتكون الآلاف من السنين، ولا يقين في الموضوع” .

إن المجتمع الأول على الكرة الأرضية ما بين آدم ونوح عليهما السلام كان مجرد مجتمع فرديٌّ تكوَّن من نبي الله آدم وزوجته حواء، ومنهما انبثقت أسرةٌ، فعشيرةٌ، فجماعة بشرية أخذت من التطور وتلقِّ التعليم حتى وصلت إلى تعلُّم القراءة والكتابة والخياطة والطب، أي المبادئ الأساسية لتعلُّم الفرد أسلوب تطور حياته وخاصته، لو علمنا بأنَّ أوَّل من عرف مهنة النجارة، ومن ثمَّ صناعة السفن كان نبي ُّ الله نوح .

أي أنَّ أية حضارة بشرية كانت موجودة قبل الطوفان لم تكن تعلم أي شيء عن أعمال بناء السفن، فالنشاط البشري حتى هذه المرحلة لم يكن نشاطاً بشرياً لمجتمعات منفصلة، بل هو نشاط بشري لجماعة بشرية واحدة وهي ذرية نبي الله آدم فيما قبل الطوفان .

وتلقت العلم في بداية تكوينها من أبيها آدم لكي تستطيع به مواجهة صعوبات الحياة على الأرض، والذي طوَّره أبناؤه من بعده.

ومعلوم أنَّ أعمار الناس في بداية تاريخ البشرية كانت طويلة حيث كان أحدهم يعمِّر مئات السنين، فها هو نوح عليه السلام –يعيش مع قومه نبياً رسولاً قبل الطوفان تسع مائة وخمسين سنة، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ (العنكبوت: 14). وهذا يعني أن نوحاً عليه السلام عاش ألف سنة أو أكثر، وهذا يعني أنه متوسط الأعمار بين آدم ونوح عليهما السلام ألف سنة، بينما أعمار الناس في زماننا ما بين الستين والسبعين، وقلَّ من يتجاوز الثمانين من عمره، فمتوسط الأعمار في زماننا هو سبعون سنة، فمدة القرن لأبناء الجيل الواحد بين آدم ونوح عليهما السلام هي ألف سنة، بينما مدة القرن لأبناء جيلنا هي سبعون سنة. فالعشرة قرون بين آدم ونوح عليهما السلام –كما قال ابن عباس رضي الله عنهما- حوالي عشرة آلاف سنة والله أعلم .

وبناء على ما سبق:

فإن الغالب وفق الروايات والاستدلالات التي سقناها، فإن البشر الذي عاشوا إلى ما قبل نوح عليه السلام، والذي عاشوا في فترة تقدر تخمينياً بعشرة قرون، كانوا شعباً واحداً، وكانوا مؤمنين موحدين على الفطرة السليمة. فهم أمة واحدة موحِدة.

 المصادر والمراجع:

* علي محمد محمد الصلابي، نوح عليه السلام والطوفان العظيم، ص 25:22.

* عبدالحليم محمود، قصص الأنبياء في رحاب الكون مع الأنبياء والرسل، دار الرشاد للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، (2010م)، ص 63.

* عمر إيمان أبو بكر، قصة نوح عليه السلام، دار الفكر العربي، القاهرة، ط1، (2017م)، ص 10-11.

* أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي، قصص الأنبياء، دار المعرفة، بيروت، لبنان، (2000م)، 1/74.

 

د :علي الصلابي

داعية ومفكر إسلامي ونائب الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
له أكثر من ثمانين مؤلفاً في التاريخ والحضارة والفكر الإسلامي
والآن يعمل على سلسلة القصص القرآني وأولو العزم من الأنبياء

اترك تعليقاً